السجالات السياسية بين عون والحريري تتصاعد.. ما السيناريوهات المحتملة في الملف الحكومي بلبنان؟

Lebanon's President Michel Aoun meets with Maronite Patriarch Bechara Boutros Al-Rai in Baabda
عون (يسار) يستقبل الراعي اليوم (رويترز)

تواصل الحياة السياسية في لبنان تدهورها إلى مستوى غير مسبوق من السجالات بين فريقي رئيس الجمهورية ميشال عون ورئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، اللذين يتقاذفان الاتهامات باعتداء كل منهما على الصلاحيات الدستورية للآخر.

وبعد نحو 8 أشهر من التعطيل واستنزاف الجهود داخليًا وخارجيًا لإنجاح المبادرة الفرنسية -التي تكلف الحريري إثرها بتشكيل حكومة "مهمة"- انتقلت القوى المتنازعة إلى مرحلة إعداد عدّتها لـ3 استحقاقات مفصلية يترقبها لبنان في 2022، وهي انتخابات رئاسة الجمهورية والبرلمان والبلدية.

هذا ما يخلص إليه الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب، لدى متابعته ما توصف بـ"حرب البيانات" بين فريقي عون والحريري، ويعتبر أن الطرفين سلّما باستحالة توافقهما في الملف الحكومي، لذا ذهبا إلى خطاب انتخابي، عبر شدّ كل منهما عصب شارعه الطائفي.

فمن جهة، يحشد فريق الحريري شارعه ضد "العونية السياسية" التي يمثلها العهد بشخصي رئيس الجمهورية ورئيس التيار الوطني جبران باسيل. ومن جهة أخرى، يحشد فريق عون شارعه ضد ما تسمى "السنّية السياسية" أي "الحريرية السياسية"، وفق حديث أيوب للجزيرة نت.

إجهاض الفرصة الأخيرة

وبعد أن وُصف هذا الأسبوع بالحاسم لتحديد مصير المبادرة التي يقودها رئيس مجلس النواب نبيه بري، القائمة على تشكيل حكومة من 24 وزيرًا، يبدو أن مصيرها ما زال عالقا عند عقدة تسمية الوزراء المسيحيين، حيث يصر فريق عون على عدم السماح للحريري بتسميتهم.

وإثر السجالات السياسية بين تياري "الوطني الحر" و"المستقبل" حول ملف تشكيل الحكومة، صعّد "المستقبل" (برئاسة الحريري) هجومه، واصفًا عهد عون بـ"أسوأ العهود في تاريخ لبنان".

ثم جاء الرد من مكتب الإعلام بالقصر الجمهوري اليوم الأربعاء، معتبرا أن "استمرار هروب الحريري من تحمل مسؤولياته في تأليف حكومة يشكل إمعانًا في انتهاك الدستور ووثيقة الوفاق الوطني".

وتزامن توالي بيانات الردّ على الردّ مع زيارة البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي إلى قصر بعبدا للاجتماع مع الرئيس عون.

ومن هناك، أعلن الراعي دعوة لافتة لتشكيل حكومة "أقطاب"، مستذكرًا التجربة الحكومية التي قادها الرئيس اللبناني الراحل فؤاد شهاب، بعد ثورة عام 1958.

وقال الراعي إن شهاب شكّل حينها حكومة من 4 أشخاص، وتساءل: "هل نبقى نختلف على العدد والتسميات؟ لماذا لا تشكّلون حكومة أقطاب؟ نريد حكومة إنقاذية تنتشل لبنان من الجحيم".

ماذا تعني حكومة الأقطاب؟

يشرح الكاتب والمحلل السياسي رضوان عقيل مضمون دعوة الراعي بوصفها معطى جديدا ينقل النقاش من تشكيل حكومة اختصاصيين غير حزبيين إلى تشكيل حكومة أقطاب سياسيين.

ويضيف أن حكومة الأقطاب تتشكل من شخصيات سياسية من الصف الأول، لكنها تنسف مضمون المبادرة الفرنسية، ويستبعد موافقة الحريري عليها، في حين يرجح تبني باسيل وقوى أخرى معه طرح الراعي، على قاعدة أن حساسية المرحلة تستدعي تشكيل حكومة أقطاب سياسية واضحة ووازنة تسهم في عملية الإنقاذ.

ويرجح عقيل عدم ترحيب المجتمع الدولي بطرح الراعي الذي بدا أكثر ميلا لفريق رئيس الجمهورية، بعد فشل تجارب حكومات الوحدة الوطنية السياسية.

ويشير عقيل -في تصريح للجزيرة نت- إلى أن بري تلقى بانزعاج حملات الردود العاصفة بين فريقي عون والحريري، لافتا إلى أن مبادرته دخلت نفق التعثر، نتيجة عدم التجاوب معها.

وقال المحلل السياسي إن "بري ما زال متمسكًا بالحريري باعتبار أن وجوده على رأس السلطة التنفيذية، هو الخيار الأفضل حاليا".

المحلل السياسي رضوان عقيل - الجزيرة نت
رضوان عقيل: حكومة الأقطاب تتشكل من شخصيات سياسية من الصف الأول لكنها تنسف مضمون المبادرة الفرنسية (الجزيرة)

السيناريوهات المطروحة

يرى عقيل أن أمام الحريري خيارين: إما الاستمرار بالتكليف في ظل غياب آلية دستورية تسحب هذه الورقة منه، أو الذهاب للاعتذار؛ لتبرز صعوبة العثور على شخصية سنية بديلة عنه، أو العثور على نموذج شبيه برئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب.

من جهته، يرى حسين أيوب أن مستجدات الساعات الأخيرة كرست فكرة أنه "لا حكومة" وفق المعادلات القائمة، التي تعني الاعتذار أو التكليف المفتوح؛ مما يعني أن حكومة تصريف الأعمال، "سواء صارت انتخابات نيابية مبكرة، أو بقيت في موعدها (2022)، قد تستمر حتى نهاية عهد رئاسة الجمهورية".

وسبق أن لوّح تيار المستقبل بالاستقالة من البرلمان في حال اعتذر الحريري، كذلك لوّح كل من حزب القوات اللبنانية برئاسة سمير جعجع والحزب التقدمي الاشتراكي برئاسة وليد جنبلاط، بهدف الذهاب لانتخابات نيابية مبكرة، كذلك لوّح فريق باسيل، من دون إقدام أي منهم على تقديم رؤية واضحة لخطواتهم لاحقًا.

والمفارقة هنا -حسب حسين أيوب- أن من يريدون الانتخابات المبكرة لا يضمنون نتائجها كتياري باسيل والحريري، ومن لا يريد انتخابات مبكرة تبدو نتائجها شبه مضمونة الآن أو بعد سنة كالثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل).

وقال أيوب إن فكرة "الانتخابات النيابية المبكرة قد تأخذ لبنان إلى موسم جنون سياسي غير مسبوق منذ انتخابات 2009".

ويستبعد رضوان عقيل أن يُقدم تيار "المستقبل" على الاستقالة من البرلمان قبل التنسيق مع بري، لأنه غير متحمس للاستقالات والانتخابات النيابية المبكرة.

ورغم أن اللبنانيين ينشغلون بهمومهم المعيشية -وفق عقيل- فإن الطبقة السياسية تستطيع أخذ شريحة واسعة منهم إلى المعركة الانتخابية، بسبب سيطرتها على زمام شوارعها الطائفية.

سركيس أبو زيد
سركيس أبو زيد يطرح 3 سيناريوهات للمرحلة المقبلة (الجزيرة)

الحريري والسعودية

ويُذكّر حسين أيوب بأن طوال فترة تكليف الحريري كان فقدان غطاء السعودية له نقطة ضعفه القاتلة، رغم دعمه من قبل الإمارات ومصر، حسب تعبيره، "كما اهتزت صورته عند الفرنسيين، من دون أن يبلغوا مرحلة فض يدهم منه".

لذا، لا يستبعد أيوب تفكير المجتمع الدولي في بديل عن الحريري على قاعدة أنه لم يلبِ متطلبات المرحلة.

وقال "ما دام لبنان على وضعه حاليا، فلن يفرض نفسه أولوية على الأجندة الدولية"، ويضرب مثالا بغزة التي لم تفرض نفسها على الأميركيين والمجتمع الدولي إلا بالحرب، حسب قوله.

ويرجح أيوب تسجيل خطوة فرنسية جديدة، و"قد يتجه موفدون فرنسيون للبنان قريبا، في محاولة جديدة لتدوير الزوايا منعًا لسقوط المبادرة الفرنسية".

كذلك، ينطلق الباحث والمحلل السياسي سركيس أبو زيد من معضلة انعدام الثقة بين الحريري وعون، ويتوقع -في حديث للجزيرة نت- عدة سيناريوهات للمرحلة المقبلة:

أولًا- في حال تعثرت مساعي بري والراعي لتشكيل حكومة، قد يتم تعويم حكومة تصريف الأعمال، كخيار اضطراري، لإدارة شؤون البلاد المتأزمة، بانتظار نضوج حلول مرتبطة بالتسويات بالمنطقة.

ثانيًا- تسجيل استقالات من مجلس النواب تتبعها إشكالية من سيتولى الحكومة الانتقالية المشرفة على الانتخابات.

ثالثًا- الذهاب لاحتمالات دراماتيكية مع استشراء الفوضى الشاملة بالبلاد، ليكون اللجوء إلى فرض دور مستجد للجيش، أو تشكيل حكومة عسكرية، خصوصًا أن قائد الجيش جوزيف عون حظي مؤخرًا باهتمام دولي استثنائي، سواء عبر استقباله في فرنسا للقاء الرئيس إيمانويل ماكرون، أو عبر مده بدعم أميركي كبير لوجستيا ومعنويا، على قاعدة أن المؤسسة العسكرية هي الورقة الأخيرة لصمود لبنان على قدميه.

المصدر : الجزيرة