تساؤلات عن أمن إسرائيل ونفوذ واشنطن.. ماذا يعني تراجع مبيعات السلاح الأميركي لمصر؟

مصر اشترت عددا من طائرات رافال الفرنسية
مصر اشترت عددا من طائرات رافال الفرنسية (الصحافة المصرية)

قبل نحو شهر، أعلنت القاهرة عن اتفاق لشراء 30 مقاتلة فرنسية من طراز رافال (Rafale)، وهي صفقة جاءت وفق محللين في سياق تنويع مصادر التسليح، ورفع كفاءة الترسانة العسكرية لمصر.

وفي ضوء هذه الصفقة، والتحول المصري في صفقات التسلح نحو أسواق أخرى أوروبية وشرقية؛ تصاعدت مخاوف وتحذيرات أميركية من احتمال إزاحة واشنطن كمورد رئيسي للسلاح إلى مصر لصالح أسواق أخرى، مثل موسكو وبكين وباريس.

وكان آخر هذه التحذيرات تحليل نشرته قبل أيام مؤسسة "الدفاع عن الديمقراطيات" (مقرها واشنطن)، حول ما وصفته بانهيار مبيعات الأسلحة الأميركية إلى مصر في السنوات الست الأخيرة، مقارنة بالفترة التي سبقتها.

وساقت المؤسسة الأميركية -التي تركز على الأمن القومي والسياسية الخارجية، وتعرف بولائها المطلق لإسرائيل- عدة تحذيرات في هذا الصدد، في ضوء ما تمثله مصر كقوة إقليمية ذات موقع إستراتيجي تجاور إسرائيل، وتتمتع بنفوذ كبير في الشرق الأوسط.

كما حذرت من أن إزاحة واشنطن من موقعها في صدارة موردي السلاح لمصر قد تؤدي إلى تضاؤل نفوذها لدى مصر، بما قد يقوض المصالح الأساسية للأمن القومي الأميركي ونظيره الإسرائيلي.

وبعيدا عن انتقادات معارضين مصريين لأولويات الإنفاق العسكري الملياري، اتفق خبيران عسكريان -أحدهما مصري والآخر أردني- في تصريحين منفصلين للجزيرة نت على أن واشنطن "تدفع ثمنا كبيرا" بعد إجبارها مصر على اللجوء لغيرها في التسليح، بما قد يحجم بشكل جزئي دورها، الذي يبقى هو القوة الفاعلة والرئيسية بالمنطقة.

وتوصف غالبا العلاقات المصرية الأميركية بالإستراتيجية، خاصة على المستوى العسكري، حيث تقدم واشنطن للقاهرة نحو 1.5 مليار دولار مساعدات سنوية، بينها 1.3 مليار مساعدات عسكرية، منذ توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل عام 1979.

أرقام ومؤشرات

تواجه الولايات المتحدة التي تصدرت مبيعات الأسلحة العالمية، بما في ذلك الشرق الأوسط، خلال الفترة من 2016 إلى 2020، منافسين آخرين تتقدمهم روسيا وفرنسا، وفق تقرير سابق لمعهد ستوكهولم الدولي للأبحاث.

وفي ما يتعلق بمصر، تضاعفت واردات أسلحتها 3 مرات خلال الفترة المذكورة سابقا، مقارنة بالفترة بين 2010 و2014، حسب المصدر السابق، كما جاءت في المرتبة الثالثة عالميا من بين أكبر مستوردي الأسلحة في العالم بعد السعودية والهند.

وتشير بيانات معهد ستوكهولم إلى أن مبيعات الولايات المتحدة العسكرية لمصر شكلت -في الفترة من 2009 إلى 2014- نحو 47% من واردات مصر من الأسلحة، لكنها تراجعت إلى 14% في الفترة من 2015 إلى 2020، وكان المستفيدون من ذلك روسيا وفرنسا.

وثمة معضلة أميركية، تتمثل في كيفية تحقيق التوازن بين المصالح الأمنية ومخاوف حقوق الإنسان في مصر، حين يتعلق ذلك بمبيعات الأسلحة، لكن على الجانب الآخر لا تلقى هذه التوازنات أهمية لدى المعسكر الآخر المنافس لها.

وفي حين لم تصدر عن القاهرة أي تصريحات أو بيانات رسمية في السنوات الأخيرة، تشير صراحة إلى تراجع صفقات الأسلحة مع الولايات المتحدة لصالح آخرين، فإن مسؤولين مصريين يؤكدون حق بلادهم في تنويع أسواق التسليح، بما يتناسب مع أجندتها الخاصة، وفي ضوء احتياجاتها الأمنية.

ونشر مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار (تابع لرئاسة مجلس الوزراء المصري) مقالاً في فبراير/شباط الماضي عن آفاق التعاون المصري الأميركي في 2021، جاء فيه أن مصر تنتهج سياسة تقوم على تنويع مصادر تسليحها كخيار إستراتيجي طبيعي لدولة في حجمها وموقعها، مع الحفاظ على العلاقات الإستراتيجية مع الولايات المتحدة.

وشدد على أنه لا يمكن إغفال أن قانون كاتسا (CAATSA) الأميركي الذي يفرض عقوبات (متراوحة في شدتها) على الدول التي تعقد صفقات سلاح كبرى مع روسيا، وهذا ما يتطلب الدخول في حوار جاد مع الإدارة الأميركية حتى تستطيع مصر الحفاظ على التوازن المطلوب.

وأشار المقال إلى حدوث تآكل كبير للقدرة الشرائية للمساعدات الأميركية العسكرية لمصر، الثابتة قيمتها عند مبلغ 1.3 مليار دولار منذ الثمانينيات.

وفي أكتوبر/تشرين الأول 2018، شدد المتحدث العسكري المصري تامر الرفاعي على حرص بلاده على تنوع مصادر التسليح، مشيرا في تصريحات متلفزة آنذاك إلى تهديدات إقليمية أوجبت على القوات المسلحة تطوير أنواع السلاح.

التطور النوعي

صفوت الزيات، الخبير العسكري والعميد المتقاعد بالجيش المصري، أكد وجود مؤشرات حول تراجع توريد الأسلحة الأميركية إلى مصر، مشددا على أن واشنطن أمام تحديات كبيرة.

وقال إن التراجع يعود إلى قرار أميركي في الأساس، موضحا أنه حين استأنف الرئيس الأسبق باراك أوباما المساعدات لمصر عام 2015، وضع شروطا بينها عدم بيع أنظمة قتال رئيسية، وحصر البيع في أنظمة تسليح خاصة بحماية الحدود مع إسرائيل ومقاومة الإرهاب في سيناء، مشيرا إلى أن واشنطن نجحت منذ عقود في حرمان مصر من التطور النوعي في التسليح.

وبناء على قرار أوباما، الذي التزم به أيضا خلفه دونالد ترامب وحتى الآن الرئيس الحالي جو بايدن، فإن واشنطن -حسب الزيات- لم تعد مهيأة لبيع أنظمة قتال رئيسية لمصر؛ كالطائرات والدبابات وأنظمة السفن البحرية الكبيرة وأنظمة الدفاع الجوي ذات المديين المتوسط والبعيد.

واشنطن تدفع الثمن

وتطرق الزيات إلى تهديدات أميركية للقاهرة، من خلال وقف استكمال صفقة سوخوي 35 الروسية، عبر تطبيق قانون "كاتسا"، الذي يعاقب الدول التي تتعاون مع خصوم واشنطن كموسكو وبكين.

وقال إن الولايات المتحدة تدفع حاليا ثمنا كبيرا، بعد إجبارها مصر على اللجوء إلى الخارج للحصول على المقاتلات الثقيلة، كسوخوي 35 الروسية، والطائرات المقاتلة مثل ميغ 29 (MiG 29) روسية الصنع، والفرقاطات الفرنسية والإيطالية، وأنظمة الدفاع الجوي بعيدة المدى مثل إس 300 (S 300) الروسية.

أما عن دوافع بلاده في التحول ناحية السوق الشرقي للسلاح، فقد أرجعها الزيات إلى مساعي تطوير التسليح، بما يعالج مشكلات فرضتها واشنطن بمحدودية سلاحها المباع لمصر، للحفاظ على القوة النوعية لإسرائيل، إضافة إلى حاجة مصر إلى منظومات قتالية بعيدة المدى قادرة على تنفيذ مهام خارج الحدود، كما هي الحال في سد النهضة الإثيوبي، الذي تتخوف مصر من تداعياته على حصتها المائية.

تحديات ومصالح

ورأى الخبير العسكري المصري أن تراجع التسليح الأميركي يعد مؤشرا على تراجع العلاقات التي تعيش أزمة كبيرة مع بلاده، وتتصدرها ملفات حقوق الإنسان، وسعي مصر لعلاقات إستراتيجية ووطيدة مع روسيا والصين.

كما أشار صفوت الزيات إلى أن هناك سياسات مصرية مناهضة لنظيرتها الأميركية في المنطقة، مثلما حدث في المسرحين الليبي والسوداني، والأزمة السورية، وأزمات الخليج.

واستنكر تأخر القاهرة في إدراك أهمية تنويع مصادر التسليح، بما يمثل خطورة في الاعتماد على مصدر واحد، بعد النجاح الأميركي في تقليم الأذرع الطويلة لمصر وعمل مهام خارج الحدود.

ورأى أن المعضلة حاليا ليست في كيفية الاستفادة المصرية من القلق الأميركي حول إزاحة أسلحتها لصالح قوى آخرى، بل هل ستترك واشنطن القاهرة تخرج من إطار ومحددات نفوذها بالمنطقة للحفاظ على التنوع العسكري لإسرائيل؟ مشيرا إلى أنه سؤال يُطرح داخل أروقة الإدارة الأميركية أكثر منه داخل النظام المصري.

وفي ما يتعلق بمكتسبات مصر، قال إن بلاده وجدت طريقها في الحصول على بعض المعدات العسكرية، التي ربما تعالج -وليس تصلح بشكل حاسم- الخلل في الميزان العسكري لصالح إسرائيل، إضافة إلى بدء حيازتها بعض الأنظمة القتالية القادرة على العمل البعيد للقوى الصلبة خارج الحدود.

تحجيم جزئي

والتقط الخبير العسكري والإستراتيجي الأردني فايز الدويري الخيط نفسه، موضحا أن تنويع مصادر التسليح المصري قد يحجم جزئيا وليس كليا الوجود الأميركي بالمنطقة.

غير أنه استدرك بالقول إن أميركا ستبقى هي القوة الفاعلة والرئيسية في الشرق الأوسط، وحضورها هو الأخطر والأكثر أهمية سواء في مصر أو بقية دول المنطقة، مهما كانت التغيرات.

وأشار الدويري إلى أن الجيش المصري بعد عهد الرئيس الأسبق أنور السادات (1970-1981) لم يحدّث الكثير من قدراته القتالية، لكنه بعد وصول السيسي إلى الحكم (صيف 2014) بدأ إعادة تأهيل وتطوير الجيش، استنادًا إلى تهديدات محلية وإقليمية ودولية.

وأكد وجود ضغوط أميركية من أجل إجراء تعديل على العقيدة القتالية للجيش المصري، حتى لا تكون مبنية على أن الاتجاه الإستراتيجي الأكثر خطورة هو الاتجاه من سيناء إلى إسرائيل.

وزاد بالقول إن المواقف الأميركية كانت متباينة حول طبيعة تطوير القدرات العسكرية المصرية، وإن واشنطن لم توافق على بيع منظومة بعض الطائرات إلى مصر.

وعزا الدويري الموقف الأميركي إلى كون واشنطن كانت ترى أن آفاق التطوير العسكري المصري تقع في تطوير العمليات الخاصة والنقل الجوي والاستطلاع ومنصات المراقبة والقيادة والسيطرة، من أجل التعامل مع تهديد الإرهاب القادم من سيناء، وأنه لا داعي لتطوير القدرات في مجالات أخرى قد تشكل مستقبلًا خطرًا على إسرائيل.

وبناء على ذلك، لجأت القيادة المصرية -حسب الدويري- إلى تنويع مصادر التسليح، وكان من بين أهم هذه الصفقات التي عقدت مع روسيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا والصين.

كما ذهب إلى أن البعض يفسر التوجه المصري للحصول على صفقات الأسلحة للتغطية على جرائم حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن الرئيس الفرنسي قال صراحة إنه لا يربط صفقات الأسلحة مع مصر بحقوق الإنسان، أو أن صفقات التسليح مع إيطاليا ترتبط بقضية مقتل الباحث جوليو ريجيني بمصر.

وأكد أنه مهما كانت القطيعة بين مصر وأميركا فإن العلاقات ستعود بناء على التحديات الإقليمية والدور المحوري لمصر، مستشهدًا بما وقع في العدوان الأخير على غزة، مشيرًا إلى أن وقف إطلاق النار كان بمساهمة مصرية قطرية أكثر من أية دولة أخرى، مما يجعل مصر رقما صعبا لا يمكن لواشنطن تجاوزه.

المصدر : الجزيرة