تونس بين دعوات لاستفتاء على الدستور وانتخابات مبكرة.. أيهما يحل الأزمة؟

أثارت دعوة الرئيس التونسي للعودة إلى دستور ما قبل الثورة جدلا سياسيا وقانونيا واسعا وسط حديث قيادات حزبية قريبة منه عن توجهه نحو إجراء استفتاء شعبي لتغيير نظام الحكم.

الرئيس التونسي اقترح عودة العمل بدستور ما قبل الثورة (مواقع التواصل)
الرئيس التونسي اقترح عودة العمل بدستور ما قبل الثورة (مواقع التواصل)

تتصاعد أزمة الحكم في تونس، مع تعطل لغة الحوار بين الفرقاء السياسيين، وتعالي الدعوات لانتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة، بوقت كشفت فيه شخصيات حزبية ومدنية عن تأسيس تحالف وطني  للدفع نحو تغيير نظام الحكم عن طريق الاستفتاء.

وبالرغم من تلميحات الرئيس التونسي قيس سعيد أكثر من مرة عن رغبته في تغيير النظام السياسي الحالي (شبه برلماني)، وتحميله مسؤولية الأزمة الراهنة، غير أنه بدا حازما وصريحا في آخر ظهور له، معلنا أنه لا حوار وطني إلا بإدخال إصلاحات سياسية جوهرية منها تغيير النظام السياسي والانتخابي.

ودعا سعيد خلال لقاء جمعه برئيس الحكومة، هشام المشيشي، ونظرائه السابقين يوسف الشاهد وإلياس الفخفاخ وعلي العريض "لحوار جدي يمهد لحوار آخر يتعلق بنظام سياسي جديد وبدستور حقيقي"، معتبرا أن الدستور الحالي "قام على وضع الأقفال في كل مكان".

عودة لدستور ما قبل الثورة

وكشف أمين عام اتحاد الشغل، نور الدين الطبوبي، مساء أمس الجمعة، عن مقترح تقدم به رئيس الجمهورية خلال لقائه به، يتمثل في العودة للعمل بدستور ما قبل الثورة لسنة 1959، وعرضه على استفتاء شعبي بعد تنقيحه، فضلا عن تغيير النظام السياسي والقانون الانتخابي.

ويعرف عن رئيس الجمهورية، انتقاده الدائم للنظام السياسي الحالي، وسبق أن أعلن إبان ترشحه للانتخابات الرئاسية الماضية بأنه سيقدم مبادرة تشريعية من أجل تعديل الدستور وتغيير النظام السياسي بهدف دعم الحكم المحلي.

وجاءت تصريحات الرئيس لتثير جدلا سياسيا وقانونيا واسعا بين خصومه وأنصاره حول مشروعية دعوته لتغيير نظام الحكم والآليات الممكنة لذلك، وسط حديث قيادات حزبية قريبة منه عن توجهه نحو إجراء استفتاء شعبي لتغيير نظام الحكم.

وتصطدم رغبة رئيس الجمهورية في تغيير النظام السياسي وتعديل الدستور- وفق خبراء في القانون الدستوري- بعدة حواجز؛ أبرزها غياب المحكمة الدستورية التي لم تشكل بعد، فيما يرى آخرون أن الذهاب نحو الاستفتاء والاحتكام للشعب هو الحل الأنسب.

ويعطي الفصل 143 من الدستور لرئيس الجمهورية أو لثلث أعضاء مجلس نواب الشعب حقّ المبادرة باقتراح تعديل الدستور، ولمبادرة رئيس الجمهورية أولوية النظر.

وينص الفصل 144 على عرض كلّ مبادرة لتعديل الدستور من قبل رئيس مجلس نواب الشعب على المحكمة الدستورية -لم يتم تشكيلها بعد- لإبداء الرأي في كونها لا تتعلق بما لا يجوز تعديله حسبما هو مقرر بهذا الدستور.

"ويتمّ تعديل الدستور بموافقة ثلثي أعضاء مجلس نواب الشعب، ويمكن لرئيس الجمهورية بعد موافقة ثُلثي أعضاء المجلس أن يعرض التعديل على الاستفتاء، ويتم قبوله في هذه الحالة بأغلبية المقترعين".

 

 

واعتبر القيادي في حركة الشعب أسامة عويدات أن النظام الشبه برلماني الحالي أدى لتشتيت عمل السلطة التنفيذية حين وضعها برأسين وعطل عمل مؤسساتها، داعيا -في حديثه للجزيرة نت- لتغييره بفتح حوار مسؤول بين مختلف القوى الوطنية.

ولاحظ أن "رئيس جمهورية، الذي انتخب بشرعية شعبية فاقت 3 ملايين ناخب، بات مكبلا بدستور وبنظام حكم يحول دون طرحه لمبادرات أو مشاريع كبرى"، وفق تعبيره.

ويؤيد عويدات فكرة الذهاب نحو إجراء استفتاء شعبي لتغيير النظام السياسي من خلال إعادة الكلمة للشعب باعتباره صاحب السيادة الأصلية، وفق تعبيره.

استفتاء على نظام الحكم

وفي خضم هذا الجدل، تستعد شخصيات سياسية وحزبية وقوى من المجتمع المدني، لتشكيل تحالف وطني، للدفع نحو إجراء استفتاء شعبي لتغيير نظام الحكم يقوده الأمين العام لحركة مشروع تونس محسن مرزوق.

ويؤكد الناشط السياسي والنائب السابق في البرلمان، الصحبي بن فرج، في تصريح للجزيرة نت، عن توجهه رفقة شخصيات سياسية وحزبية وقوى مدنية كمحسن مرزوق وسعيد العايدي وشوقي الطبيب وآخرين لتشكيل تحالف سياسي ومدني يدفع باتجاه استفتاء شعبي لتغيير نظام الحكم.

 

 

ويرى بن فرج أن النظام السياسي الحالي أثبت فشله، وخلق أزمات عديدة في مؤسسات الدولة، وعطل دواليبها، وبات محل انتقاد ليس فقط من رئيس الجمهورية؛ بل حتى من حركة النهضة ذاتها التي تريد نظاما برلمانيا صرفا بشهادة رئيسها، حسب قوله.

وتابع "بما أن الفاعلين السياسيين مقتنعون في قرارة أنفسهم أن هذا النظام الحالي هو سبب الأزمة؛ ولكنهم لم يتحركوا لتغييره، انطلقنا نحن في تشكيل جبهة أو تحالف للذهاب نحو استفتاء يعود فيه القرار للشعب صاحب السيادة الأصلية".

وشدد على أن المبادرة ستتوزع على أكثر من نشاط، منه ما يتعلق بتجهيز عريضة لجمع الإمضاءات حول تغيير النظام السياسي، وأخرى تشمل تحركات ميدانية وتوعوية بأهمية الذهاب نحو إجراء الاستفتاء، وأن تعود الكلمة الفصل للتونسيين بعد عجز السياسيين.

وفي رده على المآخذ التي طرحها خبراء في القانون الدستوري، والتي تُفقد الدعوة لإجراء استفتاء شعبي مشروعيتها، وصف النائب السابق تلك القراءات بالمتكلسة.

ولفت بالمقابل، إلى أن الدستور كان واضحا في أحد فصوله حين تحدث عن حق الشعب في ممارسة سيادته عبر الانتخاب أو الاستفتاء.

 

 

انقلاب على الدستور

وتعالت أصوات محذرة من مغبة ذهاب رئيس الجمهورية إلى تغيير النظام السياسي؛ بل اعتبروه انقلابا واضحا على دستور البلاد، الذي أقسم الرئيس قيس سعيد على احترامه.

ووصف رئيس كتلة قلب تونس، أسامة الخليفي، دعوة رئيس الجمهورية لتغيير النظام السياسي، وهو ما يزال في الحكم بالمسألة الخطيرة، مشيرا في تصريحات محلية إلى أن هذا التغيير يتطلب وجود محكمة دستورية حتى يكون قانونيا.

ويقول الناطق باسم حركة النهضة، فتحي العيادي، للجزيرة نت، إن حزبه لا يعتبر الخوض في طبيعة النظام السياسي أو تغييره من أولويات المرحلة، التي تعيشها البلاد في ظل أزمة اقتصادية ووبائية طاحنة تتطلب حلولا فورية.

وأشار بالمقابل إلى أن النقاش في هذه المسألة يتطلب حوارا بين مختلف القوى الوطنية، مشيرا إلى أن النهضة تساند الذهاب نحو نظام برلماني صرف؛ لا نحو نظام رئاسي أو شبه برلماني.

 

 

انتخابات سابقة لأوانها

وشدد على أن تغيير نظام الحكم لا يكون عبر آلية الاستفتاء في ظل غياب المحكمة الدستورية؛ بل يفترض نقاشا سياسيا مع مختلف الحساسيات السياسية والمدنية والشعبية في البلاد.

وأكد العيادي، تمسك حزبه بآلية الحوار الوطني بدون شروط مسبقة لحل الأزمة الراهنة؛ لكن بحال استحال ذلك، "تؤيد النهضة الذهاب نحو انتخابات رئاسية وتشريعية سابقة لأوانها"، حسب قوله.

وشدد على أن الذهاب لهذه الانتخابات، يتطلب قبل ذلك الاتفاق على قانون انتخابي جديد وإرساء المحكمة الدستورية.

وأشار إلى أنه بحال استمر رفض رئيس الجمهورية للحوار الوطني، فإن النهضة ستذهب مع شركائها السياسيين ورئيس الحكومة إلى تحوير وزاري يقع الاتفاق عليه.

يشار إلى أن منظمة اتحاد الشغل، التي تقود مبادرة الحوار الوطني، أكدت على لسان أمينها العام، نور الدين الطبوبي، أنه بحال تواصلت الخلافات بين الفرقاء السياسيين، فإن الاتحاد سيدعو إلى إجراء انتخابات مبكرة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

دعا الاتحاد العام التونسي للشغل للإسراع بتجاوز الأزمة السياسية والدستورية القائمة في تونس بأقرب الآجال، أو الذهاب إلى انتخابات مبكرة، وذلك في ظل تفاقم أزمة الصلاحيات بين المؤسسات الدستورية الرئيسية.

18/6/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة