حزب الحركة الوطنية في تشاد.. مؤتمر استثنائي لتثبيت إرث إدريس ديبي

الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي قاد حزب الحركة الوطنية لنحو 3 عقود (رويترز)
الرئيس التشادي الراحل إدريس ديبي قاد حزب الحركة الوطنية لنحو 3 عقود (رويترز)

بعد نجاح حزب الحركة الوطنية الذي قاده الرئيس التشادي الراحل المشير إدريس ديبي في الاستيلاء على السلطة عام 1990 بمساعدة من فرنسا وبعض دول الإقليم؛ جنح إلى عقد مؤتمر وطني جامع للتأسيس للمرحلة الجديدة من الحكم في تاريخ تشاد.

وفي بداية 1991 تمت إجازة الميثاق الوطني الذي مثل الوثيقة الأساسية التي حكم بها البلاد حتى اعتماد الدستور في 1996، حيث تم تحويل الحركة إلى حزب سياسي على طريقة القادة الأفارقة في شعاراتهم "الحزب الشامل الذي يستوعب الجميع ويهيمن على الجميع ويقود البلاد والعباد".

حركة سياسية من رحم حكم عسكري

هي فلسفة الحكم في أفريقيا، حيث الرجل المؤسس والقائد الملهم الذي يقود الحزب والدولة والمجتمع حتى مماته، وهي الفلسفة ذاتها التي أدار بها إدريس ديبي الحزب والدولة، يخيط الدستور ويعدله متى شاء ليحكم مدى الحياة.

حاول ديبي استيعاب الجميع في حركته حتى تكون "حركة قائدة ورائدة" كما يصفها أنصارها، مع هامش غير ذي أثر للذين يرفضون الانضمام للحركة ويعارضون حكمه، فقد ظل حزبه يفوز بالثلثين تقريبا طيلة الفترات السابقة، إذ قمع المعارضين وسمح بتأسيس أحزاب صغيرة لا تؤثر على آليات الهيمنة للحزب الحاكم، وفي الوقت ذاته تزين المشهد السياسي، ويقدم تشاد كأنها عضو في نادي الدول الديمقراطية ذات الأحزاب التعددية والتنافس الحر.

ظلت الحركة الوطنية في تشاد تفوز في كل الدورات على مستوى رئاسة الجمهورية ومقاعد البرلمان بنسب مريحة على الرغم من وجود نحو 100 حزب في البلاد، ولذلك من الصعب تقييم تجربة الحزب بموضوعية لاضطراب الأوضاع السياسية في البلاد طيلة فترة حكمه.

فقد شهدت البلاد حركات مسلحة منذ سنوات الحكم الأولى تغزو البلاد من كل الاتجاهات، مما وسم تشاد بطابع الحكم العسكري الكامل، ولذلك نستطيع القول إن التجربة الحزبية تعتبر هامش صغيرا في دفتر الحكم والهيمنة العسكرية والقبلية في البلاد.

غياب المؤسس وبوادر الانقسامات

بدا المشهد الداخلي في الحركة الوطنية مضطربا بعد رحيل "الرجل الكبير"، وبرزت أجندات كانت متوارية وظهرت مشاريع كانت مكبوتة وتعالت أصوات كانت مقموعة.

فقد ظهر خلاف واضح حول عقد المؤتمر الاستثنائي العاشر بين الأمين العام ونوابه، وهو خلاف فسره الخبراء في الشأن التشادي على أنه خلاف بين المؤسسين وبين توجهات القيادة القادمة للحركة، وهذا الخلاف حول الطريقة التي أعلن بها انعقاد المؤتمر ما هو إلا الشجرة التي تخفي مجموعة من الخلافات داخل الحزب.

وانطلقت دعوة إعلان انعقاد المؤتمر الاستثنائي العاشر من النائبة الأولى للأمين العام السيدة ماجيديان باجا روث (في 4 يونيو/حزيران 2021) وليس الأمين العام محمد زين باد كما تنص اللوائح الداخلية للحزب، والذي نفى علمه بالأمر وأصدر قرارا يلغي عقد المؤتمر.

وقال زين باد إنه لم يخول نائبه لاتخاذ مثل هذا القرار الذي اعتبره انتهاكا لأحكام النظام الأساسي للحزب، وأضاف أن الدعوة إلى المؤتمر الاستثنائي لا يمكن أن تأتي إلا من الأمين العام أو من ثلثي أعضاء مجلس الإنقاذ، ورأى في هذه الخطوة مؤامرة لإسقاطه.

وصدر قرار انعقاد المؤتمر تحت شعار "تنشيط الحركة الوطنية للإنقاذ"، وتقرر عقده يومي 12 و13 يونيو/حزيران 2021، وفي الثامن من الشهر نفسه اجتمع نواب الكتلة البرلمانية التابعة للحركة في مقر البرلمان لسماع القرار وتشكيل اللجنة المنظمة للمؤتمر، حيث تم تكليف النائب الثاني للأمين العام جان برنارد برئاستها، ويساعده 3 نواب، ومقرر للجنة ويساعده 3 نواب أيضا، كما تم اختيار محمد حامد كوا -وهو من رجال الأعمال في الحزب- أمينا للمال، وتم تشكيل عدد من اللجان الفرعية والمستشارين بلغ عدد أعضائها نحو 70 عضوا.

تيارات رافضة للمؤتمر الاستثنائي

برز بعد الإعلان عن عقد المؤتمر الاستثنائي عدد من التيارات الرافضة له ويمكن تقسيمها كالتالي:

  • 1 ـ تيار المؤسسين

تصدر هذه المجموعة الجنرال موسى هارون تيرقو، رافضا عقد المؤتمر ومحذرا الجهات الداعية إليه، وبرر ذلك بعدم استشارة الأعضاء المؤسسين للحركة الوطنية، حيث كان الجنرال هارون رئيسا لأول مؤتمر للحركة في 1990.

ويقول هذا التيار إن عقد المؤتمر دون الرجوع إلى المؤسسين أو استشارتهم "يعد عدم احترام لهم ولجيل التأسيس" الذي ينتمي إليه الرئيس الراحل إدريس ديبي، وذكر الجنرال هارون عددا من المؤسسين الذين تم تهميشهم، مؤكدا في رسالته أن الأمور لن تكون كما كانت بالأمس، وأن "الحركة الوطنية ليست إرثا لأحد حتى يستبعد منها الرواد الأوائل والمؤسسون والذين توسدوا الحجارة" حتى تقوم هذه الحركة، حسب قوله.

  • 2 ـ "مجموعة التفكير"

صدر بيان لمجموعة تطلق على نفسها "مجموعة التفكير" -شكّلها عدد من كوادر المكون العربي في الحزب- ممهورًا بتوقيع الدكتور عمر حمدان إقيمر، بصفته المنسق العام لها، وتعبر فيه المجموعة عن بالغ قلقها للأوضاع داخل الحركة الوطنية وتنتقد "الذين يدعون ملكية الحركة دون غيرهم".

وقالت المجموعة إن عقد المؤتمر يعتبر سابقا لأوانه نسبة للظروف التي تمر بها البلاد، وأكدت أن سكوت أعضائها "يجب أن يفهم على أنه مراعاة للمصلحة الوطنية للدولة والحزب"، وأنهم "سيكون لهم رأي آخر في حال استمرار صراع المصالح والإثنيات داخل الحركة".

  • 3 ـ الرأي العام وأصحاب المصلحة

الرأي الغالب في تشاد ينظر إلى عقد المؤتمر بأنه ليس من الأولويات، إذ إن البحث عن الوئام والاستقرار لكل التشاديين يجب أن يتقدم في الأولويات على ترتيبات الحركة الوطنية، التي هي حزب ضمن أحزاب تشكل المشهد السياسي، على الرغم من أنها الصوت الغالب في الشارع التشادي.

كما يرون أن الدولة كلها بحاجة إلى إعادة هيكلة للخروج من مستنقع الأزمات التي ضربتها، ومن ثم ينبغي حشد كل الإمكانات والجهود الوطنية من أجل قيام "المؤتمر الوطني الدستوري الجامع".

وقائع المؤتمر

التأم شمل المؤتمرين في فندق "راديسون بلو" في الضاحية الجنوبية للعاصمة التشادية نجامينا، حيث شمل الحضور أعضاء المجلس الوطني للإنقاذ وأعضاء المكتب السياسي ومكاتب الدعم والمساندة ومسؤولي الدولة وأمناء الأحزاب السياسية المتحالفة.

وتم عرض فيلم وثائقي يلخص حياة الرئيس الراحل إدريس ديبي ودوره في تماسك الحزب، ووقف المؤتمرون دقيقة صمت حدادا على روحه.

وقال رئيس اللجنة التحضيرية إن الهدف من انعقاد المؤتمر هو "إعادة تنشيط الحزب وضخ دماء جديدة شابة فيه"، لقيادة البلاد في الفترة المقبلة.

أما رئيسة المؤتمر ماجيديان باجا روث، فقالت إنه "في غياب المؤسس (إدريس ديبي) نشهد انهيارا للمكاسب السياسية التي تحققت في عهده، ولذلك انعقد المؤتمر للتفكير في سبل المحافظة على هذه المكاسب".

وأضافت أن "السؤال الذي يجب أن نطرحه على أنفسنا هو ماذا يجب أن نفعل في المسؤوليات التي حملها لنا مواطنونا وماذا نفعل في مشاكل الأمة؟". ودعت للعمل من أجل "حياة أفضل للأجيال"، وإلى "الاهتمام أكثر بالشباب لأنه هو الحاضر والمستقبل".

وقالت "في ظل الزخم الكبير للرئيس المؤسس لحركتنا كرست تشاد أكثر من خُمس ميزانية الدولة لتدريب الشباب، ومن ثم يجب أن تستمر حركتنا في لعب دورها في تنمية الشباب ببلدنا".

واختتمت كلمتها قائلة "إن الذي نحتاجه اليوم لضمان تنمية تشاد هو رجال ونساء مغامرون يتمتعون بخلفية ثقافية وتقنية جيدة، ونساء ورجال شجعان يتمتعون بأخلاق جيدة وروح معنوية عالية".

نتائج المؤتمر

وفي ختام الأشغال اختار المؤتمرون بالتزكية هارون كبادي -رئيس البرلمان- أمينا عاما للحزب خلفا لمحمد زين بادي عباس، وقد اعتبر مراقبون انتخابه مكافأة له على سكوته وعدم اعتراضه على "تجاوز المجلس العسكري للدستور في عدم تعيينه رئيسا للبلاد"، وفق ما ينص عليه الدستور.

وبعد انتخابه أمينا عاما شكر كبادي المجلس العسكري الانتقالي، وتحدث إلى المؤتمرين قائلا إن "العمل يحتاج إلى خطة إستراتيجية نافذة لأجل متابعة المسيرة السياسية، حيث عاش التشاديون اضطرابات وأحزانا وهجمات إرهابية بهدف إحداث قلاقل في النظام العام ونشر الفوضى".

وفي مؤتمر صحفي قال كبادي إن القيادة الجديدة ستعمل على تماسك ووحدة الحزب والبحث عن أفضل الطرق لزيادة موارده المالية والبشرية مع ضمان إدارة جيدة لها.

ونفى أن تكون هناك انشقاقات داخل الحزب بسبب هذا المؤتمر، وعلّق على غياب واعتراض الأمين العام السابق قائلا إنه "مناضل كبير ومكانه محفوظ داخل الحزب".

خلاصات ختامية

كشف غياب "الرجل الكبير" عن الحزب الحاكم في تشاد عن تباينات وخلافات وصراعات عميقة قد تتسع بشكل أكبر في الفترة القادمة، وهي خلافات كان يديرها المشير بعدة طرق، منها التوازنات والترضيات واستخدام "سياسة العصا والجزرة" أحيانا، خاصة في ظل استبعاد "الحرس القديم" الذي يعتبر نفسه مالك مشروع الحزب الحاكم والمستحق لقيادته بعد رحيل قائده.

إشارة أخرى مهمة، وهي أن المؤتمر الاستثنائي كان هدفه الوحيد هو تثبيت وجود الحزب واستمراره مخافة التشظي وجنوح بعضهم إلى التفكير في تأسيس أحزاب أو الانضمام إلى أخرى قائمة، والمحافظة على أكبر قدر من العناصر الأساسية مع استبعاد بعض العناصر التي قد لا تقبل في الفترة القادمة التكريس الكلي لهيمنة عشيرة الراحل دبي.

أما استبعاد بعض القادة المؤسسين ممن يوصفون بـ"الحرس القديم" فقد جاء بسبب رفضهم تسليم مقاليد الحزب لمحمد ديبي (37 عاما) رئيس المجلس الانتقالي ونجل الراحل إدريس ديبي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

فرقت الشرطة التشادية مظاهرات عدة في العاصمة نجامينا ضد المجلس العسكري، في وقت أعلن فيه وزير المصالحة أن الحكومة الانتقالية ستنظم حوارا يشارك فيه الجميع، بما في ذلك مسلحو جبهة الوفاق من أجل التغيير.

9/5/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة