القاتل الصامت بمصر.. حبوب تخزين الغلال بين الانتحار ولقمة العيش

مزارعون مصريون أثناء حصاد القمح (الجزيرة)

في نظره أصبح المستقبل خاويا، وبات اليأس خيارا مقدما على الانتظار، لذلك لم يتمهل الطالب المصري "ع. م" حتى إعلان نتيجة الامتحانات التي تعثر في أدائها وقرر الانسحاب، ليس من العملية التعليمية بل من الحياة كلها.

بعدما أنهى الطالب الذي لم يتجاوز الـ15 من عمره، أداء امتحان الرياضيات تناول 3 حبات من تلك المادة التي تستخدم لحفظ الغلال والمعروفة بأنها عالية السمية، مما أدى إلى مصرعه بعد دقائق من دخوله مستشفى أشمون العام بمحافظة المنوفية شمال القاهرة.

حالة طالب الإعدادية ليست فريدة من نوعها في مصر، بل أصبح تناول حبة تخزين الغلال بوصفها وسيلة للانتحار -خاصة بين المراهقين في الريف- ظاهرة تستدعي تدخل البرلمان، كما تفاعل معها نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي.

ولا توجد إحصاءات رسمية بخصوص معدلات الانتحار في البلاد، غير أن منظمة الصحة العالمية أصدرت تقريرا عام 2016 بعنوان "الوقاية من الانتحار ضرورة عالمية"، أشارت فيه إلى أن مصر تتصدر الدول العربية في عدد حالات الانتحار التي بلغت في ذلك العام 3799 حالة.

لكن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء (حكومي) نفى تزايد حالات الانتحار، موضحا -في بيان أصدره ردا على تقرير المنظمة الدولية- أن حالات الإقدام على قتل النفس خلال عام 2017 قد بلغت 69 حالة فقط.

مزارعون مصريون أثناء حصاد القمح والاستعداد لتخزينه (الجزيرة)

تحرك برلماني

في اليوم نفسه وربما في الوقت ذاته الذي أنهى فيه طالب الإعدادية حياته باستخدام الحبوب القاتلة، كان البرلمان المصري يناقش خطورة ظاهرة الانتحار باستخدام حبوب تخزين الغلال والتي تعرف في الريف المصري اختصارات باسم "حبوب الغلّة".

وانتهت مناقشات نواب البرلمان حول الحبوب التي يستخدمها المزارعون لحفظ محصول القمح من الحشرات الضارة، ويستخدمها اليائسون لإنهاء حياتهم، إلى تشديد الرقابة على طرق بيع تلك الحبوب.

وأوصت لجنة الزراعة والري بمجلس النواب خلال اجتماعها الأحد الماضي، بتقنين استخدام الأقراص المستخدمة في تخزين الغلال، وتشديد الرقابة على محال المبيدات وغيرها من المحال التي تبيع تلك الأقراص، وتحرير محاضر للمخالفين، كما أوصى البرلمان وزارة الأوقاف بإثارة خطورة استخدام تلك الأقراص عبر منابر المساجد.

يشار إلى أن مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم، والذي يعتبر من المحاصيل الرئيسية التي يعتمد عليها المصريون في غذائهم، ومع ذلك فإن بلادهم لا تنتج الكثير منه. ووفق وزارة التموين، فإن سعة تخزين القمح داخل الصوامع الحكومية تقدر بـ3.4 ملايين طن.

الحبة القاتلة

في أبريل/نيسان 2019، أقدمت 3 فتيات من عائلة واحدة تتراوح أعمارهن بين 12 و17 عاما على الانتحار بسبب خلافات أسرية، واستخدمن "حبة الغلة" في ذلك، وفق ما تناقلته صحف محلية. ولمأساوية تفاصيل الواقعة بدأت الأنظار تتوجه لأول مرة إلى خطورة الحبوب القاتلة.

تتكون الأقراص التي تستخدم في تخزين الغلال من مادة فوسفيد الألمنيوم التي يخرج منها غاز الفوسفين عالي السمية والذي لا يتوفر له مضاد أو ترياق.

ورغم خطورة هذه الحبات، فإنها تباع في مصر خاصة المناطق الريفية دون رقابة، ويزيد إقبال المراهقين عليها لرخص ثمنها، حيث لا يتعدى ثمن الحبة الواحدة 5 جنيهات (الدولار أقل من 16 جنيها).

وقالت رئيسة قسم السموم بكلية الطب بجامعة المنصورة سحر الدكروري إن 500 ملغ من مركب الفوسفين كفيل بقتل إنسان، موضحة -في تصريحات صحفية- أنها تتفاعل فور دخولها معدة المريض مع المياه وعصارة المعدة وتنتج بالجسم غاز الفوسفين شديد السمية.

وأوضحت أنه لا توجد أعراض سريرية واضحة لهذا الغاز، ولذلك يصعب التكهن بحالة المريض فور فحصه إلا في حالة إخبار المريض أو أحد أفراد أسرته بنوع السم الذي تناوله، أو إجراء فحوص تسغرق وقتا طويلا. لذلك يسمي الأطباء حبوب الغلة بالقاتل الصامت، لأنها تقتل المريض دون أن تعلن عن نفسها بشكل ظاهر، حسب قول الدكروري.

وتشير الإحصاءات إلى أن أعداد المتوفين حول العالم بسبب تناول المبيدات الحشرية يتراوح بين 250 و370 ألف شخص، وأنها المسؤول الأول عن ثلث حالات الانتحار في جميع أنحاء العالم في عام 2018.

وأكدت رئيسة قسم السموم بكلية طب المنصورة أن وحدة السموم بمستشفى طوارئ الجامعة استقبلت 500 مريض خلال عامي 2018 ومنتصف 2019 تناولوا مبيدات، كان أغلبهم ممن انتحروا بحبة الغلة حيث كانت حالات الوفاة بينهم تمثل أكثر من 90%.

لماذا لا تُحظر؟

رغم الخطورة العالية لحبوب تخزين الغلال، فإن الحكومة المصرية لم تتخذ قرارا بمنع استخدامها، واقتصر التحرك الإيجابي على توصيات برلمانية بتشديد الرقابة على تداولها.

وفي هذا السياق، يقول نقيب الفلاحين المصريين حسين أبو صدام إن فوسفيد الألمنيوم مبيد حشري مثالي لإبادة آفات الحبوب، وحفظ معظم أنواع الغلال من التسوس بسعر رخيص.

وأضاف -في بيان أصدره عقب صدور التوصيات البرلمانية بشأن الحبة القاتلة- أن حبة الغلة سهلة الاستعمال وتستخدم في تبخير الحبوب والصوامع والبواخر ومعظم أماكن تخزين الحبوب، لحمايتها من الإصابات الحشرية. كما يمكن استخدامها في القضاء على القوارض وسوسة النخيل، حيث تتفاعل مع الرطوبة وتطلق غاز الفوسفين السام الذي يقضي على معظم الآفات، ولا تترك آثارا سلبية على المنتجات الزراعية، وفق نقيب الفلاحين.

وأوضح أن حبة الغلة مسجلة كمبيد حشري بوزارة الزراعة، معتبرا إياها من أكثر وأفضل المبيدات استخداما في حفظ الغلال "لأنها بعد تبخيرها لا تترك أي آثار سلبية على الحبوب"، حسب رأيه. ولذلك، فمنع استخدام هذه الحبة لحفظ الغلال أمر غير معقول من وجهة نظر أبو صدام، قائلا إنه لا يعقل أن نطالب بمنع مبيد مهما كانت درجة سميته من أجل خطأ في استخدامه أو استخدامه في غير الغرض المخصص له.

الرؤية نفسها تبناها رئيس لجنة الزراعة والري بمجلس النواب هشام الحصري، الذي أكد أن وقف تداول تلك الأقراص لن يحل الأزمة، مشيرا إلى عدم وجود بديل لها لحفظ الغلال في البلاد. وأضاف الحصري خلال جلسة برلمانية أن حظر تداول حبة الغلة لن يمنع من يريد الانتحار، لافتا إلى ضرورة البحث عن الأسباب التي تدفع إلى الانتحار وليس الوسيلة المستخدمة في قتل النفس.

وأردف "من يريد الانتحار سينتحر بأي وسيلة، يمكن أن يلقي بنفسه من الطابق العاشر".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

Workers protest during a strike at the Ghazl el Mahala factory some 130 km (81 miles) north of Cairo in Mahala Kobra, December 9, 2006. About 15,000 workers are on strike in order to demand salary increases. REUTERS/Nasser Nuri (EGYPT)

في بلد كمصر يتخطى سكانه الـ100 مليون نسمة تطرح السلطة زيادة السكان باعتبارها خطرا يعيق خطط التنمية، في حين ترى أصوات اقتصادية أن المواطنين هم المنتجون والمستهلكون الذين يديرون عجلة السوق والاقتصاد.

Published On 23/2/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة