للمزاح أو لكسب الإعجابات أو ذات توجه سياسي.. لهذا تحول العراق إلى أرض خصبة للأخبار الكاذبة

عملية مكافحة الشائعات تحتاج إلى آليات أكثر تعقيداً كالتعاون مع شركات مواقع التواصل الاجتماعي

بعض الأخبار الزائفة تتحول إلى ترند يومي في العراق (بيكسلز)
بعض الأخبار الزائفة تتحول إلى ترند يومي في العراق (بيكسلز)

نظريات مؤامرة، هجمات، وباء كوفيد-19، مواضيع تتداول تحتها أخبار كاذبة كثيرة في العراق، لا سيما عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قد تسبب توترا في بلد عرف عقوداً من الحروب والأزمات، لذا برزت الحاجة إلى تفنيدها.

أمام عدد كبير من الشاشات وخلف حواسيبهم المحمولة، يتابع 3 موظفين في قسم الرصد في دائرة الإعلام في وزارة الداخلية الكمّ الهائل من الأخبار اليومية التي تبث على التلفزيون ومواقع التواصل.

مهمة هؤلاء التعرف على الأخبار المشكوك بأمرها، ونقلها إلى قسم الشائعات في الدائرة، والذي ينسق بدوره مع الجهة الرسمية المعنية بالخبر المنشور لنفيها أو تأكيدها، كما يقول رئيس هذا القسم العميد نبراس محمد.

ينشر القسم بدوره بيانات النفي أو التأكيد عبر صفحته على "فيسبوك" التي يتابعها فقط أكثر من 34 ألف شخص من بين 25 مليون مستخدم لمواقع التواصل في العراق عام 2021، وفق مركز "داتا بورتال" للإحصاءات.

وللمفارقة، يشكّل فيسبوك المصدر الرئيسي للأخبار الزائفة في العراق، والتي غالباً ما تتناول الـ"ترند" أي كل ما هو رائج. وكما في العالم أجمع، شملت الشائعات أيضاً نظريات المؤامرة المرتبطة بفيروس كورونا واللقاحات.

صفحات استغلت حريق مستشفى ابن الخطيب لترويج أخبار كاذبة عن احتراق مؤسسات أخرى (مواقع التواصل)

منشورات كاذبة

يشرح أحد مؤسسي "تقنية من أجل السلام" المختصة بدحض الأخبار الزائفة -والذي فضّل عدم الكشف عن هويته- أنه "يوجد مئات الصفحات ذات أسماء مختلفة تتداول منشورات كاذبة" على الموقع الأزرق في العراق.

تحمل العديد من الصفحات المنتشرة أسماء وكالات ومنابر إخبارية، مثل "نبض العراق" وأخرى اسم "وكالة أنباء" منطقة ما في البلاد. لكنها في الحقيقة ليست وكالات أنباء أو وسائل إعلامية مرخصة.

وتتحول الأخبار الزائفة إلى "ترند يومي تقريباً" كما يشرح مؤسس "تقنية من أجل السلام".

بعضها فكاهي، لا يحدث ضرراً، مثل خبر "زواج شاب من الموصل بـ 4 فتيات في يوم واحد" الذي فندته "تقنية من أجل السلام" ليتبين أن الصورة المستخدمة في الخبر دعائية لصالون تجميل.

ويكون دافع نشر أخبار كاذبة أخرى الحصول على مزيد من الإعجابات، فحينما حدثت مأساة احتراق مستشفى ابن الخطيب في بغداد قبل نحو شهر، راحت صفحات تتناول أخبارا كاذبة عن احتراق مؤسسات صحية أخرى لجذب المستخدمين.

في المقابل، فإن أخباراً أخرى "تأتي بسياق توجه معين، سياسي مثلاً" على ما يوضح مؤسس "التقنية من أجل السلام".

هنا لا تعود الأخبار الكاذبة مصدر مزاح فقط، بل تصبح وسيلة دعائية سياسية نابعة من حملات منظمة إلكترونياً، في بلد عرف حرباً طائفية دامية بين العامين 2006 و2008 ولم تمض 3 سنوات عن خروجه من الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية.

ساحة صراع

ويلحظ مؤسس "تقنية من أجل السلام" وجود "حملات منظمة على آلاف الصفحات خصوصاً تويتر، ذات أهداف سياسية بغض النظر عن الطرف" الذي يقف خلفها، إن كان من الفصائل الموالية لإيران، أو من أطراف أخرى، تصرف عليها "ملايين الدولارات".

وهكذا "أصبح العراق ساحة صراع للأخبار الكاذبة" بين أطراف إقليمية ودولية أو داخلية، يشرح المصدر ذاته.

أواخر أغسطس/آب 2020 على سبيل المثال، انتشر خطاب مذهبي على موقعي تويتر وفيسبوك إثر تداول شائعات تفيد بإلقاء القبض على صاحب سيارة محملة بالمتفجرات في منطقة ذي قار جنوب البلاد ذي الغالبية الشيعية، والترويج بأنه قدم من تكريت شمالاً ذات الغالبية السنية.

في المقابل، قالت صفحات أخرى إنه من ذي قار وينتمي للحشد الشعبي. ولم ينته النقاش إلا بعدما كذبت الجهات الرسمية الروايتين.

وإثر هجوم ساحة الطيران بالعاصمة في يناير/كانون الثاني الماضي، خرجت حملات منظمة نسبتها تقنية من أجل السلام لـ "جيوش إلكترونية" على مواقع التواصل، تتهم الرياض بالوقوف خلف الهجوم. ثم نشرت صورة سعودي اتهم بأنه أحد الانتحاريين الضالعين في الهجوم، ليتبين أن الصورة لجهادي فجر نفسه بالدمام عام 2015.

الانتخابات المبكرة باتت مصدرا للشائعات كالحديث عن تحالفات أو ترشيحات غير صحيحة (رويترز)

طريق طويل

ينطبق ذلك على أخبار مرتبطة بالانتخابات النيابية المبكرة المقررة في أكتوبر/تشرين الأول المقبل حيث بدأت الشائعات حولها تسري من الآن، كالحديث عن تحالفات أو ترشيحات غير صحيحة.

أمام ذلك، يعزز قسم الشائعات بوزارة الداخلية "الحملات الميدانية" عبر توزيع منشورات على المارة تحذر من الأخبار الكاذبة والعواقب القانونية لنشرها بشكل دوري، كما يشرح العميد نبراس محمد مؤكدا أنهم يتعاونون أيضاً مع مدوني صفحات إلكترونية لنشر التوعية.

لكن تلك الحملات ليست كافية في بلد كانت وسائل الإعلام الرسمية تشكل المصدر الأوحد للأخبار والمعلومات قبل الغزو الأميركي عام 2003، ولا تزال القوانين التي تعاقب عليها تعود إلى حقبة النظام السابق.

وسط هذا النقص، يضطر عبد الله البالغ من العمر 24 عاماً، والذي كغيره من أبناء جيله يتصفح هاتفه لساعات، إلى التحقق من الأخبار بنفسه، ويقول "لا أثق للوهلة الأولى بالخبر الذي أقرأه، بل أبحث عن مصدره، إن كان حكومياً أو غيره".

وتحتاج عملية مكافحة الشائعات إلى آليات أكثر تعقيداً، كالتعاون مع شركات مواقع التواصل الاجتماعي.

وثمة مشروع قانون لمكافحة الجرائم المعلوماتية في أروقة البرلمان، يشمل الشائعات والأخبار الكاذبة، إلا أنه يثير جدلا و"قد يقوض الحق في حرية التعبير في العراق" وفق منظمة هيومن رايتس ووتش.

المصدر : الفرنسية

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة