سبقته مهرجانات انتخابية حاشدة.. هل يصمد مودي أمام تسونامي كورونا بالهند؟

حينما كانت تقرع أجراس الخطر من فيروس كورونا في الصين ودول غربية نهاية 2019 كان مودي مشغولا آنذاك بمنافسة خصمه حزب المؤتمر في ولاية مادهيا براديش

عدد الإصابات بكورونا في الهند تجاوز حتى أمس مليون حالة (رويترز)
عدد الإصابات بكورونا في الهند تجاوز حتى أمس مليون حالة (رويترز)

بعد حوالي 3 أشهر من إعلان رئيس الوزراء ناريندرا مودي انتصار بلاده على جائحة كورونا وإصراره على الاستمرار في الانتخابات المحلية تشهد الهند منذ الشهر الماضي موجة غير مسبوقة من الوباء، حتى أصبحت الهند هي الدولة الأعلى في العالم من حيث الإصابات والوفيات.

ما الذي أدى إلى تفاقم الوضع بهذه الصورة المخيفة؟

عند ظهور فيروس كورونا في نهاية 2019 استخف مودي بالأمر وتجاهل أجراس الخطر التي بدأت تقرع في الصين ودول غربية -كما يقول منتقدوه- حيث كان مشغولا آنذاك بإسقاط حكومة حزب المؤتمر في ولاية مادهيا براديش، ولم يبدأ أي إجراءات جدية في مواجهة الفيروس إلا في 24 مارس/آذار 2020 حينما أعلن الإغلاق العام في البلاد.

وكان هذا أشد إغلاق في العالم تأثر به الاقتصاد الهندي بصورة كبيرة، وأدى إلى فقد ملايين العمال وظائفهم بصورة مفاجئة، وبسبب إيقاف خدمات القطارات والحافلات بدأ ملايين العمال رحلة العذاب مشيا على الأقدام إلى قراهم التي تبعد مئات الأميال من المدن التي كانوا يعملون بها.

مودي شارك في حملات انتخابية حاشدة رغم التحذيرات من كورونا (غيتي)

ورغم تزايد انتشار العدوى، دعا مودي الرئيسَ الأميركي السابق دونالد ترامب لزيارة الهند للاحتفاء به في أواخر فبراير/شباط 2020. وجاء الأخير بفريق رسمي وإعلامي كبير في وقت كانت تعصف فيه كورونا بالولايات المتحدة بينما كان ترامب -مثل مودي- حتى ذلك الوقت يسخر من الجائحة وينكرها.

وعقب هذا الإغلاق المفاجئ الذي أثر بصورة كبيرة على السكان الأشد فقرا وترك آلاف العمال من دون عمل، أعلنت الحكومة أنها بصدد اتخاذ عدد من الخطوات مثل زيادة الأسرة في المستشفيات وإقامة مستشفيات ميدانية والإسراع في إنتاج لقاح هندي وتدشين صندوق اقتصادي لتخفيف عبء المعيشة.

لاحقا رفع مودي الإغلاق العام وسمح بعودة النشاط الاقتصادي، بل وأعلن أمام زعماء العالم في دافوس في يناير/كانون الثاني الماضي أن الهند قد تغلبت على الجائحة.

ما تأثير استمرار مودي في الانتخابات على انتشار الجائحة؟

لم يكتف مودي بذلك، بل سمح بالانتخابات المحلية في 5 ولايات رغم انتقادات كثيرين قالوا إن الوقت غير مناسب لإجراء الانتخابات، وشارك رئيس الوزراء شخصيا في الحملات الانتخابية التي شملت تجمعات كبيرة تصل إلى مئات الآلاف في مكان واحد.

وبدا مودي مزهوا بهذه التجمعات، وقال قبل أيام من تفجر الموجة الثانية في أوائل الشهر الماضي إنه لم ير تجمعات كبيرة كهذه في حياته.

واستمرت هذه الأنشطة الانتخابية خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان، وشارك مودي في آخر حملة انتخابية له يوم 17 أبريل/نيسان حين كانت الوفيات قد بلغت 1500 والإصابات 200 ألف في ذلك اليوم.

كما خاطب مودي لاحقا حملة انتخابية عن بُعد بواسطة 200 شاشة عملاقة وضعت له في مختلف أماكن ولاية البنغال الغربية، وكان هذا كفيلا بتجمع الملايين بساحات في وقت واحد. ولم يكن غريبا أن ولاية البنغال الغربية التي كانت في أسفل قائمة الولايات المصابة بكورونا قد أصبحت حاليا على رأس الولايات الأعلى إصابة.

ثم سمحت الحكومة بإقامة احتفال "كومب" الهندوسي فى مدينة هاريدوار بولاية هيماتشال براديش الشمالية للاستحمام فى نهر الغنغ المقدس، واستمر الاحتفال من 11 مارس/آذار إلى 29 أبريل/نيسان الماضى تجمع خلاله 8 ملايين حسب الإحصائيات الرسمية.

وتشير تقارير إلى أن هؤلاء عند عودتهم من الاحتفال نقلوا العدوى إلى كل القرى والمدن التي جاؤوا منها، وقال كبير وزراء ولاية هيماتشال براديش، الذي سمح بهذا الاحتفال رغم تحذيرات الأطباء والإعلاميين، إن مياه الغنغ المقدسة سوف تغسل وتزيل أي فيروس.

ناريندرا مودي مع ترامب أثناء زيارته للهند في فبراير/شباط 2020 بينما كانت كورونا تعصف بالولايات المتحدة (رويترز)

الموجة الثانية كيف حدثت؟

دخلت الهند في طور الموجة الثانية في أوائل أبريل/نيسان الماضي، رغم مطالبات كثيرة بإيقاف الاحتفال واختزال مراحل الانتخابات، وبدأ العالم يشاهد مئات الجثث تخرج من المستشفيات والبيوت إلى المقابر والمحارق بالمئات، مع نقص يومي في الأسرة في المستشفيات وشح في الأكسجين والأدوية.

ومع الصعوبات الكبيرة التي تواجه السلطات الطبية في توفير الأسرة والأكسجين لمئات آلاف المصابين بكورونا أخذت الأزمة تزداد سوءا بعد سوء بمرور كل يوم، وأخذ عدد المصابين وعدد الوفيات يرتفع كل يوم عن اليوم السابق.

وحتى أمس الثلاثاء ازدادت الأوضاع الصحية في الهند تدهورا مع تسجيل أكثر من 20 مليون إصابة بفيروس كورونا المستجد "كوفيد-19″، وأعلنت وزارة الصحة الهندية أن عدد الإصابات تجاوز 20 مليونا بعد تسجيل أكثر من 357 ألف إصابة جديدة، كما تم تسجيل أكثر من 3400 وفاة جديدة.

هل خرجت الأزمة عن دائرة التحكم؟

يقول منتقدو مودي إن خروج الأزمة عن دائرة التحكم وعجز المستشفيات عن استقبال المصابين وموت الآلاف يوميا، بسبب عدم توفر الأكسجين وعدم توفير اللقاحات بصورة كافية، قد نال من النفوذ الذي اكتسبه مودي بحكمه الهند بيد من حديد خلال السنوات السبع الماضية.

وبدأ كتّاب يعبرون عن إحباطهم لما يصفونه بفشل مودي في قيادة البلد، ونشر رسامون لأول مرة رسومات تسخر من مودي وتبرز عيوبه بقسوة، ولأول مرة تظهر كتابات في صحف ومواقع إخبارية مهمة تنادي برحيله، ومن ذلك توقيع 400 ألف شخص في ليلة واحدة على عريضة على الإنترنت تطالب باستقالة مودي.

ويقول مراقبون إنه حتى وقت قريب لم يكن يتجرأ أحد على انتقاد مودي أو نشر مقال يعرض به أو ينتقده إلا تعرض للعقاب الفوري من الأجهزة الأمنية للحكومة.

ما تأثير الإخفاق في ملف كورونا على وضع مودي؟

لم يواجه مودي وحكومته فقط الانتقادات والغضب من الشارع، فقد مني الحزب القومي الهندوسي "بهاراتيا جاناتا" الذي يتزعمه بهزيمة قاسية الأحد في الانتخابات المحليّة في البنغال الغربية.

وأظهرت نتائج الانتخابات المحليّة التي جرت الشهر الماضي في هذه الولاية أنّ حزب "مؤتمر تريمانول" بزعامة ماماتا بانيرجي، المنافسة الشرسة لمودي، يتّجه للفوز بولاية ثالثة على التوالي.

وخسر مودي الانتخابات في الولاية الواقعة بشرق البلاد رغم تسخيره كل الإمكانات لكسب هذه الانتخابات، وقد أنعشت هزيمة مودي في البنغال الغربية أحزاب المعارضة وتوعدت بهزيمة حزبه فى الانتخابات العامة التي ستجرى عام 2024.

ورغم تلك الهزيمة فاز حزب بهاراتيا جاناتا بنحو 80 مقعدا ليصبح حزب المعارضة الرئيسي، وكان قد فاز في انتخابات 2016 بـ3 مقاعد فقط هناك.

احتجاجات على تغيير مودي لقانون الجنسية بالهند لتجريد ملايين المسلمين من الجنسية الهندية (الجزيرة)

هل وفى مودي بوعوده البراقة التي أوصلته للسلطة؟

وصل مودي إلى رئاسة الوزراء بعد ما فاز حزبه في انتخابات مايو/أيار 2014 بشعارات محاربة الفساد المستشري، وخلق فرص عمل للملايين من الشعب الهندي.

ويقول خصومه إن مودي لم يوف بوعوده الانتخابية واستغل قدراته الخطابية، وسلط أجهزة الدولة على أي صوت معارض، ولعب على حبال الطائفية بإظهار المسلمين وباكستان كأعداء للهند لكسب ود الهندوس فترة السنوات الخمسة الأولى في توطيد دعائم حكمه الفردي.

وفاز مودي مرة أخرى في انتخابات عام 2019 باستخدامه لعبة الطائفية، وهذه المرة بدأ في تنفيذ السياسات المحببة إلى الحركة الهندوسية (آر إس إس) التي ينتمي إليها، فغير قانون الجنسية لكى يجرد ملايين من المسلمين من الجنسية الهندية، كما أدخل تعديلات على قوانين الإقامة في كشمير الهندية لأول مرة منذ عام 1947، في مسعى للقضاء على أي محاولة لتحدي مسألة تبعية المنطقة -المتنازع عليها- للهند.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بدأت الهند حملة للتطعيم مع تسجيل رقم قياسي في أعداد الإصابات وهو 400 ألف، كما سجلت البرازيل حصيلة شهرية قياسية للوفيات. وبينما تزداد القيود في تركيا وروسيا والأرجنتين؛ يتم تخفيفها في الأردن وأميركا.

1/5/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة