بعد تحالفات 2012 و2017.. لماذا تفرّق إسلاميو الجزائر في انتخابات البرلمان؟

تكتل "الجزائر الخضراء" للإسلاميين حصد 48 مقعدا في برلمان 2012 (الجزيرة نت)
تكتل "الجزائر الخضراء" للإسلاميين حصد 48 مقعدا في برلمان 2012 (الجزيرة نت)

من المفارقات المسجلة وسط التيار الإسلامي الجزائري في ظل الاستحقاق البرلماني المزمع تنظيمه في 12 يونيو/حزيران المقبل؛ أن كافة مكوناته تدافعت لدخول غمار السباق بصورة حزبية منفردة، خلافا لما جرى في العهدتين التشريعيتين السابقتين.

وتشارك في هذا الموعد -الذي انطلقت حملته الدعائية منذ الخميس 20 مايو/أيار الجاري- كل من جبهة العدالة والتنمية، التي يرأسها الشيخ عبد الله جاب الله، وحركات "الإصلاح الوطني"، و"النهضة"، و"البناء الوطني"، وكذلك "مجتمع السلم"، التي توصف بأنها أكبر أحزاب المعارضة الجزائرية.

وزيادة على أن الدخول الجماعي للإسلاميين في المنافسة البرلمانية يُعد خروجا من دائرة المقاطعة التي طبعت موقفهم في رئاسيات 12 ديسمبر/كانون الأول 2019، والاستفتاء على الدستور بتاريخ الأول من نوفمبر/تشرين الثاني 2020، فإن أهم ما سجله المراقبون هو تخلي التيار الإسلامي عن التكتلات المعتمدة في انتخابات 2012 و2017 لإنقاذ وعائهم الشعبي من التشتت في ظل النظام الانتخابي المعمول به آنذاك.

وشهدت الانتخابات البرلمانية لعام 2012 تشكيل تكتل "الجزائر الخضراء"، الذي ضم حركتي "الإصلاح والنهضة" و"مجتمع السلم"، حيث حصل بموجبه على 48 مقعدا.

أما في استحقاق 2017، فقد برز تحالفان؛ ضم الأول حركة "مجتمع السلم" و"جبهة التغيير"، وحاز 34 مقعدا، في حين التف الثاني حول قائمة "الاتحاد من أجل النهضة والعدالة والبناء"، والمتكون من حركات "النهضة"، و"العدالة والتنمية"، و"البناء الوطني"، وحصلت هذه القائمة على 15 مقعدا.

التنافس على الناخبين

بينما آثرت كل تلك الأحزاب في المحطة البرلمانية الأولى عقب حراك 22 فبراير/شباط 2019 المراهنة على التنافس المنفرد لاستقطاب الناخبين، يأتي ذلك في وقت لا يزال فيه القانون الانتخابي الجزائري الجديد -الصادر في 12 مارس/آذار الماضي، بأمر رئاسي- يتمسك بعتبة 5% من الأصوات المعبر عنها.

بمعنى أن عملية الفرز النهائي تتم وفق حساب المعامل الانتخابي لتوزيع عدد مقاعد الدائرة الانتخابية على الأحزاب المتأهلة، في حين تُقصَى مسبقا القوائم التي حصلت على أقل من 5% من الأصوات، ليبقى التنافس حصريا بين التشكيلات التي تجاوزت العتبة.

وحسب هذا النظام، فإن حظوظ الأحزاب والمستقلين تتضاءل أمام التكتلات، ويمكن لقائمة واحدة أن تحصد بعدد محدود من الأصوات جميع مقاعد المحافظة، أمام عشرات القوائم الأخرى.

فلو افترضنا وجود 30 قائمة متنافسة على 8 مقاعد بـ100 ألف صوت معبر عنه، وكان نصيب 25 حزبا 70 ألف صوت متفرقة بينها، أي نسبة 70% من الأصوات، لكن دون أن تتجاوز أي منها عتبة 5%، فإن جميع تلك القوائم تخرج من السباق خاوية الوفاض، وتتقاسم الأحزاب الخمسة الباقية مجموع المقاعد فقط بـ30 ألف صوت، وهو ما يعزز دوما حظوظ التحالفات الأقوى جماهيريا في حصد الأغلبية بمجموع انتخابي أقل من منافسيها المتفرقين.

لذلك يستغرب الكثير من المراقبين مغامرة الأحزاب الإسلامية بتشتيت أنصارها في ظل هذا النظام، مُبدين التخوف من تراجع حضورهم البرلماني في مجلس النواب المرتقب.

أحمد الدان: التحالف سيفرض نفسه في تشكيل الحكومة (الجزيرة نت)

رؤية جديدة

وعن خلفيات التخلي عن تجربة التحالفات، أكد أحمد الدان نائب رئيس حركة "البناء الوطني" أن "كل الشعب الجزائري مسلم ومحب للتغيير الآمن وحريص على الوطن، فلا ينبغي أن تفرقه الحساسيات الأيديولوجية، بقدر ما هو ضروري التوافق والتنازل لبناء تحالف مستقبلي قادر على الإصلاح، وتحمل تبعات المرحلة القادمة الصعبة".

وقال -في تصريح للجزيرة نت- إن الحركة وسّعت رؤيتها للتحالفات في استحقاق 12 يونيو/حزيران القادم، من خلال إشراك الآخرين في قوائم الحزب، حيث "ضمت قرابة 80% من خارج أطره، وهؤلاء يمثلون انتماءات فكرية وسياسية مختلفة".

وأضاف أن التحالف سيفرض نفسه في تشكيل الحكومة المنبثقة عن البرلمان، و"نحن حريصون على ذلك، لأن التحول في الجزائر وأزمة الانتقال الديمقراطي والوضع الاقتصادي الصعب كلها تتطلب جهود الجميع في التكامل والتعاون".

ناصر حمدادوش قال إنه لم يكن للتحالفات أثر إيجابي كبير في الاستحقاقات السابقة (الجزيرة نت)

مسألة تقديرية

من جهته، شدد القيادي في حركة "مجتمع السلم" ناصر حمدادوش على أن التحالفات مسألة تقديرية، وفق ظروف كل انتخابات ومعطياتها، وقد كانت لها إيجابيات وسلبيات في مواعيد سابقة.

وقال حمدادوش للجزيرة إن البيئة السياسية والقانونية، والواقع الرسمي والشعبي والحزبي الموبوء، لا يسمحان بصناعة قصص نجاح، ولذلك "لم نلمس أثرا إيجابيا كبيرا، فكان التقييم العام لها هو عدم تكرارها في هذه الانتخابات".

وتوقع وفق هذا المعطى أن تبقى الحظوظ متكافئة مع باقي التيارات، وأن يكون الحسم للإرادة الشعبية.

وإذا تعذر التحالف الانتخابي الآن لأسباب ذاتية وموضوعية -كما يوضح حمدادوش- فهذا لا يعفي من التعاون والتنسيق في ملفات ومحاور نضال، أو محطات واستحقاقات سياسية أخرى.

 

الأحزاب الإسلامية في الجزائر خاضت استحقاقات انتخابية سابقة عبر تحالفات (الجزيرة نت)

النظام الانتخابي

وبخصوص منظور المراقبين لخيار الإسلاميين في التنافس، قال أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة قسنطينة بوبكر جيملي إن تجنب التحالف في التشريعيات الحالية جاء بفعل النظام الانتخابي الجديد، ومن أهم مميزاته "منح الأفضلية للأشخاص الطبيعيين على التنظيمات، حيث ستشهد القائمة الواحدة منافسة داخلية بين عناصرها".

وأكد جميلي -في تصريح للجزيرة نت- أن الفشل وارد في تجاوز عتبة 5% في بعض الدوائر، قائلا إن المسؤولية سيتحملها الأفراد المترشحون قبل الحزب، خاصة القوائم التي ضمت أسماء غير مُهيكلة.

ويعتقد جيملي أن عدم تحالف التيار الإسلامي سيكون مفيدا إلى حد بعيد في تحديد الوزن الحقيقي لكل حزب، ورسم خريطة سياسية أكثر واقعية، يمكن أن تتم على أساسها تحالفات في المواعيد القادمة.

ما بعد الإسلامية التقليدية

من جانب آخر، يرى أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة عنابة عبد السلام فيلالي أن ثمة غموضا كبيرا حول دور الأحزاب عموما والإسلامية منها خصوصا، وما ستسفر عنه الانتخابات التشريعية القادمة.

ولاحظ فيلالي نوعا من التغيير في الخطاب والتعبئة لدى كل من حركتي "البناء الوطني"، و"مجتمع السلم"، حيث "يمكن القول إننا في مرحلة ما بعد الإسلامية التقليدية نحو الوطنية".

وأوضح -في تصريح للجزيرة نت- أن التيار الإسلامي تجاوز مفهوم التكتل مثل ما جرى في انتخابات 2017، ويتوجه الآن نحو فرض الوجود في المشهد السياسي لما بعد 22 فبراير/شباط 2019.

وتوقع فيلالي ألا يكون لهذا المنحى أي تأثير ملحوظ على الإسلاميين في البرلمان القادم وفق خصوصيات النظام الانتخابي الجديد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة