إنجازات غير مسبوقة لـ"سيف القدس".. ما هي وكيف يستثمرها الفلسطينيون؟

تميزت معركة سيف القدس بجملة من الإنجازات غير المسبوقة التي حققتها المقاومة الفلسطينية (رويترز)
تميزت معركة سيف القدس بجملة من الإنجازات غير المسبوقة التي حققتها المقاومة الفلسطينية (رويترز)

مع إعلان وقف إطلاق النار بين فصائل المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة ودولة الاحتلال الإسرائيلي، تكون جولة التصعيد الأخيرة قد وضعت أوزارها في ساحة الميدان. إلا أن هذه الجولة التي حملت سمات خاصة واستثنائية تميزها عن غيرها من المواجهات السابقة، يتوقع أن تشكل لحظة فارقة في تاريخ الصراع والتطورات في المنطقة.

فما الإنجازات التي استطاع الفلسطينيون تحقيقها في هذه الجولة من المواجهات؟ وما أبرز سمات هذه الجولة؟ وكيف للفلسطينيين استثمار هذه الجولة في تعزيز صمودهم في مواجهة الاحتلال؟ هذه المحاور يجيب عنها التقرير التالي بصيغة سؤال وجواب.

  • ما الذي حققته معركة "سيف القدس" للقضية الفلسطينية؟

شكل تصدي المقدسيين وأهالي حي الشيخ جراح لسياسة الاحتلال وتهجيرهم من بيوتهم، رافعة لانطلاق هبة مقدسية فلسطينية، استطاعت أن تفرض نفسها على أجندة الجميع وتعيد قضية القدس إلى الواجهة.

وجاء التحول الأبرز في هذه الأحداث بتدخل المقاومة في غزة واعتبارها الانتهاكات بحق المقدسات وأهل القدس دافعا ومبررا للدخول في جولة من القتال مع الاحتلال، خاصة بعد مناشدات المقدسيين لها وإصرار حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على فرض سياساتها على المسجد الأقصى. منذ هذه اللحظة بدء الفلسطينيون تسجيل جملة من الإنجازات على صعيد قضيتهم، أهمها:

  • دخول سلاح المقاومة في غزة على خط التأثير على الاحتلال في القدس، وقد يتطور ذلك في مشاهد أخرى ليشمل الاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية، وربما بحق فلسطينيي الداخل المحتل.
    هذه المعادلة، وبشكل مجرد، تمثل تحولا إستراتيجيا تبنته المقاومة، وقد يعد بمثابة مسار نضالي جديد يعيد القضية الفلسطينية -التي حاولت صفقة القرن واتفاقيات أبراهام تصفيتها- إلى مربعها الأول، وتثبيت رواية الشعب الفلسطيني التاريخية المتمثلة بأحقيته في هذه الأرض، وأن دولة الاحتلال هي مشروع إحلال لمجاميع سكانية مكان شعب له هويته وأرضه.
  • الوحدة الفلسطينية النضالية في مواجهة الاحتلال في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة والداخل المحتل، شكلت بديلا عمليا لمسار "المصالحة" أو مسار "الانتخابات الفلسطينية" الذي تبنته السلطة الفلسطينية والفصائل، ومضت سنوات دون إحداث اختراق حقيقي فيه. بل إن مسار الانتخابات قد فوت على الفلسطينيين فرصة الانتفاضة في وجه صفقة القرن وخطط الضم والتطبيع، وجاءت هذه الجولة من المواجهات لتعيد للفلسطينيين اعتبارهم.
  • استطاعت هذه الجولة بشموليتها في القدس وغزة والضفة والداخل، تثبيت الحق الفلسطيني في القدس، وتفنيد رواية الاحتلال بأحقيته في تهويد القدس وأحيائها.
  • قدّمت المقاومة في غزة نموذجا قتاليا محترفا، وقدرة عالية على مواجهة العدوان الإسرائيلي والتعامل مع خطط الاحتلال، بما يحد من قدرته على إطالة أمد عدوانه ضد الفلسطينيين.
  • يضاف لذلك هبة فلسطينيي الداخل المحتل التي برهنت -بما لا يدع مجالا للشك- أن دولة الاحتلال أضعف مما تحاول تقديم نفسها به، وأن لدى الاحتلال خاصرة رخوة وحساسة لم تعد بمنأى عن الفعل الفلسطيني المقاوم والتأثر به.
  • أثبتت هذه الجولة قدرة الفلسطينيين على إسقاط مشاريع "الأسرلة" الثقافية والديمغرافية في هذه المواجهة.
  • ما أبرز سمات هذه الجولة؟

لعل السمة الأبرز لهذه المواجهة: أن المقاومة الفلسطينية أفقدت الاحتلال عنصري المفاجأة والمبادرة.

كما أحدثت هزة كبيرة في نظريته الأمنية، فتداعيات هذه الجولة شملت معظم عناصر النظرية الأمنية الإسرائيلية، كالردع، والحرب الاستباقية، والقتال في أرض "العدو"، والتنبؤ الإستراتيجي، وتماسك الجبهة الداخلية.

وقد استطاعت المقاومة الفلسطينية أن تثبت للاحتلال ألا وجود لمعادلة ردع إستراتيجي أو تكتيكي، وعاجلته بالاستعداد للدخول في مواجهة قتالية، وبدأت الجولة بقصف "القدس" والعديد من المستوطنات في أرض الخصم.

كما عجز الاحتلال عن التنبؤ بقرار المقاومة في غزة، وطبيعة وحجم قدراتها العسكرية، بما في ذلك مدى الصواريخ وأعدادها. ورافقت هذه الجولة هبّة شعبية فلسطينية في مدن الداخل المحتل، التي يعتبرها الاحتلال جزءا من جبهته الداخلية.

واستطاع الفلسطينيون تقديم نموذج لحالة الاستنزاف التي قد يخضع لها الاحتلال بتعدد ساحات المواجهة معه في كل فلسطين المحتلة.

والسردية السياسية التي قامت عليها "معركة سيف القدس" الأخيرة في قطاع غزة، تعد تغييرا جوهريا لقواعد الاشتباك بين الاحتلال والمقاومة الفلسطينية. حيث قامت هذه السردية على أساس أن المقاومة المسلحة في غزة قررت -بشكل واضح- أن يأتي ردها على اعتداءات الاحتلال في القدس والضفة الغربية، والاستجابة لهتافات المقدسيين وأهالي الضفة لقيادة المقاومة في غزة بضرورة التدخل.

وقد أظهرت هذه الجولة أن هناك تحولات بنيوية وفكرية لدى الفلسطينيين، وتأثير ذلك على الشباب الفلسطيني في القدس والضفة الغربية على وجه الخصوص، يتجاوز تقديرات أجهز الاحتلال الأمنية.

وأدى تماسك الرواية الفلسطينية في قضية القدس وحي الشيخ جراح والعدوان على غزة لتنامي المساندة والتعاطف على مستوى الفعاليات الشعبية والنقابية الدولية، وأظهرت الاحتجاجات الواسعة في عواصم عالمية حجم تنامي التعاطف مع الفلسطينيين وتجاوز رواية الاحتلال.

  • ما تداعيات المواجهة الأخيرة على الاحتلال الإسرائيلي؟

يرغب نتنياهو بالتصعيد في القدس وحي الشيخ جراح كجزء من تكتيكاته الداخلية، لاستمالة المزيد من قوى اليمين المتطرف ليقطع الطريق على تشكيل حكومة من قبل خصومه، إلا أنه فقد السيطرة على الأمور بفضل صمود المقدسيين، ودخول المقاومة في غزة على خط المواجهة، واشتعال الضفة الغربية ومدن الداخل.

ومن المتوقع أن تؤدي "صورة الهزيمة" التي خرج بها نتنياهو وجيش الاحتلال الإسرائيلي من هذه الجولة إلى تعميق حالة الهشاشة في البيئة الداخلية لدولة الاحتلال، وزيادة الاستقطاب بمجرد الدخول في حالة من تبادل الاتهامات على تحمّل المسؤولية بين أركان قيادة دولة الاحتلال.

كما كان لهذه الجولة تداعيات متعدية للصراع بين دولة الاحتلال والفلسطينيين والوضع الداخلي الإسرائيلي، ليمس بمكانة وصورة دولة الاحتلال الإقليمية والدولية. فقد هدفت سياسات الرئيس الأميركي دونالد ترامب بالدفع نحو التطبيع بين دول عربية ودولة الاحتلال وتوقيع تفاهمات أبراهام، إلى تعزيز مكانة "إسرائيل" الإقليمية وتشكيل حلف إستراتيجي لمواجهة قوى إقليمية أخرى.

ويشمل هذا التحالف مشاريع إستراتيجية عسكرية وأمنية، ومشاريع متعلقة بقضايا الأمن السيبراني والطاقة والمياه وأمن البحار، إلا أن قدرة المقاومة غير المسبوقة على تجاوز القبّة الحديدية واستهداف مشاريع الطاقة -مثل حقل تمار وغيره من المشاريع- يضع كل هذه الإستراتيجية تحت تحد حقيقي سيدفع الجميع لإعادة النظر في صورة "إسرائيل" التي تصدّرها عن نفسها، وحاولت إدارة ترامب تسويقها.

ما زال الاحتلال يكرر أخطاءه باستهداف المدنيين والمؤسسات والأبراج السكنية والمؤسسات الإعلامية، مما شكل حالة من الضغط من قوى دولية وغربية على وجه الخصوص، حيث يرصد تقرير معهد الأمن القومي الإسرائيلي التابع لجامعة تل أبيب، تنامي دعوات مقاطعة إسرائيل والخطاب الرافض لسياساتها الاحتلالية ويعتبرها أحد أهم المخاطر التي تواجه دولة الاحتلال.

  • كيف يمكن للفلسطينيين استثمار هذه المواجهة؟

ما زالت كل مسببات العمل المقاوم موجودة في كل فلسطين المحتلة، وبصورة مكثفة منذ صفقة القرن وخطط الضم وتهويد القدس. حيث أظهرت هذه الجولة من المواجهات أن هناك جيلا فلسطينيا جديدا تجاوز فكرة اللامبالاة والانهزامية التي حاول الاحتلال فرضها عليه عبر العقدين الماضيين، وقدمت غزة نموذجا للمقاومة المجدية التي تحقق إنجازات وتراكم نقاطا على حساب الاحتلال.

وشكلت نتائج هذه الجولة فرصة للفلسطينيين لاستثمارها في تحقيق المزيد من المكاسب، من خلال مسارين مهمين:

أولا: تصعيد المقاومة في الضفة الغربية

حيث تنبع أهمية الضفة الغربية في الصراع مع الاحتلال بما تمثله من قيمة إستراتيجية للفلسطينيين وللاحتلال في نفس الوقت. فالضفة الغربية هي امتداد جغرافي وديمغرافي لمدن الداخل الفلسطيني المحتل. هذا التداخل والاشتباك الطبيعي مع الاحتلال يجعل من العمل المقاوم في الضفة الغربية نوعيا وحاسما. وهذا ما أثبتته الانتفاضة الثانية، وما يفسر أيضا تركيز الخطط الأمنية الإسرائيلية وجهود التنسيق الأمني على الضفة الغربية والمقاومة فيها.

كما أن الضفة تحتوي على مساحة واسعة من الأهداف الاحتلالية، من قواعد عسكرية ومستوطنات ونقاط تفتيش وحواجز. فعدد المستوطنين في الضفة الغربية والقدس يقترب من مليون مستوطن، وهذه الحقائق تشكل تحديا كبيرا للاحتلال.

ثانيا: برنامج سياسي عنوانه المقاومة والوحدة

لدى فصائل المقاومة والقوى الشعبية فرصة حقيقية لتحويل الوحدة النضالية في الميدان إلى برنامج فلسطيني جامع، يجعل من مقاومة الاحتلال مرتكزا أساسيا في توحيد الموقف الفلسطيني. وأكثر ما يقلق الاحتلال وداعميه أن نظرية الفلسطيني الجديد التي تبناها الجنرال الأميركي كيث دايتون أضحت سرابا، وأن هناك فلسطينيا آخر يؤمن بالمقاومة ويثق بجدواها ويسعى لتحويلها إلى فعل على الأرض ما استطاع لذلك سبيلا.

فمن المتوقع أن تعطي هذه الجولة دفعة معنوية وفكرية كبيرة للشباب الفلسطيني في الضفة الغربية والداخل المحتل والشتات الذي يملك كل مبررات الثورة ومقاومة الاحتلال.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

شكلت الأنفاق في غزة دورا محوريا في صمود المقاومة رغم الحروب المتتالية، التي شنها الاحتلال على القطاع، وخرجت المقاومة في كل مرة بأقل الخسائر في صفوفها، كما تمكنت من الحفاظ على قدرتها العسكرية.

22/5/2021

قال المبعوث الأميركي السابق للشرق الأوسط مارتن إنديك إن بلاده لن تتجاهل حركة المقاومة الإسلامية حماس ولكنها لن تعترف بها، وستبقيها على قائمة الإرهاب طالما أصرت على رفض الاعتراف بحق إسرائيل في الوجود.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة