الجزيرة نت ترصد لحظات رعبهم.. هكذا يستعد أهالي غزة لاستقبال الموت

لأن القصف الإسرائيلي يركز على المناطق السكنية، فإن معظم الضحايا من المدنيين، وقضت عائلات بأكملها تحت ركام منازلها، وهو ما استدعى أن يفكر أهالي غزة في طرق يواجهون بها الموت إن وقع على بيوتهم. الجزيرة نت تروي ما يحكونه عن هذه الطرق.

فرض القصف الإسرائيلي العنيف على أهالي غزة أن يبحثوا عن طريقة يستقبلون فيها الموت الجماعي (رويترز)
فرض القصف الإسرائيلي العنيف على أهالي غزة أن يبحثوا عن طريقة يستقبلون فيها الموت الجماعي (رويترز)

لا يُعرف على وجه الدقة صاحب حكاية الألم بتبادل عدد من أبنائه بأبناء شقيقه كي يبقى على قيد الحياة من يحفظ نسلهما إذا تعرض أحدهما للموت في الحرب الإسرائيلية الدموية على غزة، والمتصاعدة لليوم العاشر على التوالي.

وبوسم "غزة تُباد" أعاد نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي آلاف المرات نشر تغريدة "أغرب ما فعلته اليوم هو أنني تبادلت أولادي مع أخي، أخذت منه اثنين من أولاده واعطيته اثنين من أبنائي حتى لو تعرضت لقصف الاحتلال يبقى من نسلي أحد ولو قُصف هو يبقى من ذريته.. وربنا يحفظنا ويحفظ شعب فلسطين".

وفرضت الحرب على الغزيين أنماط حياة وأساليب طارئة في مجابهة موت يشعرون بأنه أقرب إلى كل واحد فيهم أكثر من أي وقت مضى.

النوم متلاصقين

قالت نسرين قديح للجزيرة نت "نحن نؤمن بالقدر وأن الأعمار مقدرة ومعلومة، ولكن حياتنا وحياة أطفالنا أمانة.. ونرفض الموت المجاني".

وبالنسبة لنسرين، وهي أم لـ4 أطفال، فإنها تتصرف في كل يوم حسب مستوى الخطورة في المنطقة التي تقطنها في بلدة عبسان الكبيرة، ويبعد منزلها نحو 300 متر فقط عن السياج الأمني الإسرائيلي.

وخلال ساعات النهار التي تنخفض فيها درجة الخوف عنها في الليل الذي تمر ساعاته ثقيلة ومرعبة على نسرين وسكان قطاع غزة، تحرص نسرين وهي خريجة "رياضيات حاسوب" على أن يعيش أطفالها حياة طبيعية بعيدا عما يدور في الخارج.

وتقول "أشجعهم على مشاهدة برامج مسلية ومقاطع فيديو تساعدهم على التفريغ النفسي"، لكنها لا تسمح لهم أبداً بمغادرة البيت، منذ اندلاع الحرب خشية تعرضهم للخطر من طائرة تحلق في الأجواء أو مدفعية ترابط على السياج.

أما في الليل، الذي تشتد فيه وطأة الغارات الجوية الإسرائيلية، فتجمع نسرين أطفالها -أكبرهم 16 عاماً وأصغرهم 9 أعوام- للنوم برفقتها جنباً إلى جنب متلاصقين في زاوية الغرفة الوحيدة في شقتها السكنية الصغيرة.

وتحاول نسرين طوال الوقت التظاهر أمامهم بعدم الاكتراث بما يجري، وتقول "أنا خائفة جداً، ولكنني أتظاهر بالشجاعة كي يبقى أطفالي متماسكين".

وفي سبيل بقائهم متماسكين تبث نسرين في نفوس أطفالها روح التحدي والانتصار، وأن عنف الغارات الإسرائيلية تقابله "إنجازات للمقاومة" التي تدافع عن الأقصى والمقدسات.

ولأنها في داخلها تدرك خطورة الواقع، قالت نسرين إنها أعدت حقيبة تحتوي على ملابس والأوراق الثبوتية المهمة ووضعتها إلى جانب باب البيت، استعداداً لأي لحظة خطر تضطر فيها للنزوح والنجاة بأسرتها، كتجربتها في حرب 2014.

النجاة معاً أو الموت معاً

لجوء أسرة نسرين للنوم متجاورين ومتلاصقين يكاد يكون أسلوب حياة غالبية الأسر في غزة خلال الحرب، ومنها أسرة محمد حمدي في مدينة رفح جنوب القطاع.

يقول حمدي للجزيرة نت "الرب واحد والموت واحد، وإما النجاة معاً أو الموت معاً.. لا يبقى أحد على قيد الحياة ويحزن على أحد".

ومع اشتداد حمى الحرب ترك محمد وأسرته (10 أفراد) غرف المنزل، وينامون في الصالة الخارجية القريبة من الباب، كي يكون الأمر سهلاً للهروب وقت الحاجة.

مشاهد الحسرة وآلام الفقد التي رآها محمد لأناس فقدوا أسرهم كاملة في مجزرتي مخيم الشاطئ وشارع الوحدة في مدينة غزة، جعلته يخشى هذا المصير المؤلم، ويقول "الموت أهون من إحساس الحسرة على الأبناء والأحباب".

ليالي الرعب في غزة

أما عوني مطر أحد جيران محمد فيخالفه الرأي، فيوصي أفراد أسرته (8 أفراد) بأن ينجو كل منهم بنفسه ولا يلتفت خلفه إذا وقع الخطر.

ويقول مطر للجزيرة نت "لماذا نموت كلنا ولا يبقى من يثأر لنا؟ يجب أن يبقى من يعيد أرض فلسطين ويحرر الأقصى".

ويُعرف عن مطر بين المقربين منه وجيرانه بأنه غير متشدد دينياً، لكنه يقر بأن الحرب غيّرت لديه الكثير، وعاهد الله أن يبقى محافظاً على أداء الصلوات في مواقيتها.

ومنذ اندلاع الحرب وبعد كل ليلة من ليالي الحرب المرعبة، يؤدي مطر وأسرته ركعتي شكر لله أن حفظ حياتهم وأرواحهم.

وكذلك توصي أسمهان التوم، كل ليلة، أسرتها والمحيطين بها في "مركز إيواء" داخل مدرسة تابعة لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا) بنطق الشهادتين. وتقول أسمهان للجزيرة نت "لا أحد في غزة في مأمن من الموت في كل لحظة وبلا مقدمات أو سبب".

ولا تأمن أسمهان جانب الاحتلال من استهداف المدرسة التي نزحت إليها مع أسرتها (9 أفراد) وشقيقها وزوجته، وآلاف آخرين، منذ 7 أيام، خشية الموت في منازلهم بعد اشتداد الخطر. وتعيش قلقاً إضافياً على والدها وهو سائق سيارة إسعاف ولم يلتق بأسرته منذ اندلاع الحرب، جراء ضغط العمل.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كان المشهد مروعًا، ولم أتوقع أن نخرج أحياء من البلدة، كنت أدفع والدي السبعيني المعاق على كرسيه المتحرك، وزوجتي تجر قدميها جرّا، وأطفالي يتعلقون بنا من شدة الخوف، وأصوات الانفجارات بكل مكان تبث الرعب.

18/5/2021

يعايش ذوو الشهداء في غزة العدوان الإسرائيلي بمشاعر مختلطة تمزج بين ذكريات أليمة حين فقدوا أحباءهم في حروب مماثلة، وخشية عيش التجربة المريرة ثانية وهم يشتمون رائحة الموت تنبعث من كل مكان.

19/5/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة