بعد ضياع "الفرصة الأخيرة".. ما سيناريوهات مصر لمواجهة الملء الثاني لسد النهضة؟

رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد (وسط) وعن يمينه الرئيس السوداني السابق عمر البشير وعن يساره السيسي خلال لقاء في فبراير/شباط 2019 (مواقع التواصل)
رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد (وسط) وعن يمينه الرئيس السوداني السابق عمر البشير وعن يساره السيسي خلال لقاء في فبراير/شباط 2019 (مواقع التواصل)

انتهت مفاوضات "الفرصة الأخيرة" بالكونغو بدون التوصل لاتفاق، في وقت تتمسك فيه القاهرة والخرطوم بعدم الملء الثاني لبحيرة سد النهضة قبل التوصل لاتفاق قانوني ملزم، في مقابل رفض إثيوبي، وتأكيد على الالتزام بمواعيد الملء ورفض الوساطة الدولية.

وكانت مصر تأمل من المشاركة في الجولة الأخيرة التوصل وفق جدول زمني لاتفاق عادل ومتوازن وملزم قانونا، محذرة من أن "التعنت الإثيوبي سيؤدي إلى تعقيد الأزمة، وزيادة الاحتقان بالمنطقة".

وبدا واضحا تعويل مصر على مفاوضات كينشاسا باعتبار أنها تمثل "الفرصة الأخيرة"، وفق تعبير وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خاصة أنها جاءت بعد تأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن المساس بحق بلاده في مياه النيل "خط أحمر".

تصريحات السيسي التي جاءت بمؤتمر صحفي عقده عند قناة السويس، التي عادت إلى العمل بعد أسبوع من الإغلاق بسبب جنوح ناقلة حاويات عملاقة، ربطها مراقبون بأنها استهدفت لفت الانتباه إلى الأهمية الجيوستراتيجية لمصر كدولة مؤثرة في العالم، ولديها أوراق ضغط دولية قد تستخدمها في أزمة السد.

وطرح خبراء ومحللون سياسيون، في تصريحات منفصلة للجزيرة نت، ما يعتقدون أنها سيناريوهات مصر لمواجهة الإصرار الإثيوبي، وتمثلت بعيدا عن خيار قبول الأمر الواقع في الانسحاب من المفاوضات وإعلان المبادئ، الذي وقعه قادة الدول الثلاث عام 2015، واللجوء إلى مجلس الأمن، والبحث عن ضغط عربي ودولي، مع بقاء الحل العسكري مطروحا أما صانع القرار.

 

 

 

كلفة المواجهة

وفي صباح اليوم، حذَّر السيسي في تصريحات بالعاصمة الإدارية الجديدة، من "كلفة المواجهة" في أزمة السد، مشددا على أن "الخيارات (المصرية) كلها مفتوحة".

ووجه السيسي حديثه لإثيوبيا قائلا إن "التعاون أفضل من الاختلاف والصراع.. وبلاش المساس بنقطة مياه من مصر، واحترمنا حقكم في التنمية بشرط عدم المساس بمصلحتنا"، موضحا أنه سيتم التحرك في إطار "القانون الدولي المنظم لحركة المياه عبر المجاري الدولية".

الانسحاب من المفاوضات

وأجمع خبراء أن مصر أمام خيارات محدودة، أولها الانسحاب من المفاوضات بما فيها "إعلان المبادئ"، حيث إنها أصبحت بلا جدوى، مع بقاء احتمال مشروط بعقد قمة تجمع قادة الدول الثلاث مجددا للتوصل لحلول.

محمد حامد، مدير منتدى شرق المتوسط للدراسات السياسية والإستراتيجية (غير حكومي/مقره القاهرة)، أكد أن الانسحاب من الاتفاق المبرم قبل 6 سنوات، من الممكن أن يكون نوعا من الضغط وإشهارا للجميع بسحب شرعية بناء السد، طالما أنه لا يوجد اتفاق على الملء والتشغيل.

وفي السياق ذاته، طالب السياسي المصري، ثروت نافع، بالانسحاب من إعلان المبادئ، مؤكدا أن مصر ما يزال أمامها فرصة بعرضه على مجلس النواب ليتم رفضه سريعا.

بينما ذهب الأكاديمي عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، إلى القول بأن السيناريو المحتمل هو عقد لقاءات على مستوى القادة لإعطاء فرصة أخرى للاتحاد الأفريقي بقيادة الكونغو، مطالبا بأن تكون هذه المرة محددة بجدول زمني ومشروطة بتوقف إثيوبيا عن أي إنشاءات من شأنها البدء في الملء الثاني لبحيرة السد.

مجلس الأمن

وفي هذا الصدد، توقع شراقي، حال فشل عمل الاتحاد الأفريقي مجددا، اتفاقا مصريا سودانيا على الذهاب إلى مجلس الأمن.

ورأى أن المجلس هو القادر على اتخاذ توصية على الأقل بعدم قيام إثيوبيا بأي إنشاءات، ثم البدء في المفاوضات فورا، محذرا من تكرار سيناريو سحب ملف السد من مجلس الأمن وتوجيهه إلى الاتحاد الأفريقي، حيث أضاع سنة كاملة من المفاوضات.

وأيد هذا الطرح، الدبلوماسي محمد مرسي، مساعد وزير الخارجية سابقا، حيث دعا القاهرة والخرطوم إلى التقدم سريعا بشكوى رسمية للمجلس استكمالا لخطاب مصر، الذي بعثت به للمجلس في مايو/أيار الماضي.

وطالب مرسي، عبر صفحته بموقع "فيسبوك" أن تتضمن الشكوى طلب تدخل المجلس استنادا إلى أن استكمال وملء بحيرة السد بدون اتفاق مسبق وواضح يمثل تهديدا للسلم والأمن الدوليين، وأن هذا الأمر ليس موضوعا فنيا أو اقتصاديا عاديا، وأنه بمثابة إعلان حرب على البلدين يمنحهما الحق في اتخاذ كل ما بيدهم من تدابير وإجراءات للحفاظ على حقهما في مياه النيل.

ومن جانبه رجح الأكاديمي والمحلل السياسي، خيري عمر، تقديم مصر طلبا لمجلس الأمن لمناقشة ملف السد، كأحد سيناريوهات مواجهة الأزمة باعتباره الخطوة الأخيرة في مسار المفاوضات.

لكنّ عمر رأى أن اللجوء للمجلس يحتاج إلى شبكة علاقات دبلوماسية؛ كي تتم مناقشة وإصدار القرارات، موضحا أنه في ظل التوازنات الحالية بين مصر وإثيوبيا، من غير المتوقع أن يكون المجلس أحد مسارات الحل السياسي.

وحذَّر من أن أي تدخل دولي سيعمل على تأجيل الأزمة، ولن يكون مجديا، حيث سيكون طويل المدى مع بقاء الخطر المائي قائما.

فيما أكد محمد حامد، أن خيارات مصر والسودان مفتوحة بشكل مجمل، وأولها الذهاب إلى مجلس الأمن، وثانيها استمرار المناورات والتنسيق العسكري.

بينما رأى السياسي ثروت نافع، وهو رئيس لجنة الأمن القومي بمجلس الشورى السابق، أن بلاده لم يعد لديها خيارات كثيرة، وكان من المفترض اللجوء للتحكيم الدولي منذ عام 2012، الذي كان في صالحها، وكان سيجنبها ما هي فيه الآن.

لكن تبقى معضلة اللجوء لمجلس الأمن قائمة، وفق الخبير في الشأن الأفريقي، بدر شافعي، موضحا أن لمصر تجربة سابقة العام الماضي، حين أحال المجلس ملف السد إلى الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى وجود روسيا والصين عضوين دائمين في مجلس الأمن، حيث يمكنهما استخداما حق الفيتو في مواجهة أي قرار ضد إثيوبيا.

وفي الشهر الماضي تخلّى المجلس عن إصدار بيان يدعو إلى إنهاء العنف في إقليم تيغراي الإثيوبي، والذي استمر عدة أشهر، بسبب معارضة موسكو وبكين، وفق تقارير صحفية غربية.

 ضغط عربي ودولي

من جانبه، نصح وزير الري الأسبق، محمد نصر علام، القاهرة بالتحرك نحو القوى العظمى الممولة والمساهمة في بناء السد على غرار الصين وإيطاليا وروسيا وألمانيا، أو التي تعطي معونات ومساهمات مالية لأديس أبابا كالولايات المتحدة، مشيرا إلى أن من بين الدول العربية (لم يسمها) من لها إيداعات مالية لمساندة الاقتصاد الإثيوبي.

وقال علام في لقاء متلفز، إن سحب الودائع العربية والاستثمارات من إثيوبيا، التي تتخطى 3 مليارات، سيدعم الموقف المصري، مطالبا بمواقف مصرية شديدة تجاه إثيوبيا على المستويين الدبلوماسي والسياسي.

كما دعا الدبلوماسي محمد مرسي إلى القيام بأنشطة منضبطة وشاملة يتم فيها مخاطبة الدول الكبرى وباقي المؤسسات الدولية لتوضيح وإعلان المواقف.

وطالب بالتواصل المباشر مع الأشقاء في السعودية والإمارات ودول عربية أخرى لوضع النقاط على الحروف، ووضع الأشقاء أمام مسؤولياتهم التاريخية.

وفي السياق ذاته، رأى طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، في تصريحات صحفية لموقع "مصراوي" أن هناك عدة مسارات لحل الأزمة، من بينها اللجوء إلى حشد الدول المؤثرة مثل فرنسا وإنجلترا وروسيا، والضغط على الولايات المتحدة؛ لأنها قادرة على تقويض سياسة إثيوبيا.

 

الحل العسكري

هذا الخيار الذي قد يكون الأخير، كان مطروحا منذ شروع إثيوبيا في بناء السد عام 2011، ومن آن لآخر يستحضره الإعلام ومسؤولون سابقون بمصر، خلافا لإشارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، العام الماضي، إلى تهديدات مصرية بتفجير السد، وذلك بعد فشل وساطة بلاده في رعاية المفاوضات.

كما عزز من مؤشرات وإرهاصات العمل العسكري، تنفيذ مصر والسودان مناورات عسكرية أواخر العام الماضي، لم تستبعد، وفق مراقبين، "رسائل ردع لإثيوبيا"، وهي أول مناورات مشتركة منذ عزل الرئيس السوداني السابق عمر البشير.

وفي خضم حرب التصريحات المتبادلة حاليا، اختتم البلدان، أمس الاثنين، النسخة الثانية من فعاليات التدريب الجوي المشترك (نسور النيل-2)؛ "للوقوف على مدى جاهزية واستعداد القوات لتنفيذ أي مهام توكل إليها".

القبول بالأمر الواقع

وخلافا للطرح السابق، استبعد أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية الأسبق، عبد الله الأشعل، اتجاه صانع القرار المصري نحو مزيد من المفاوضات، أو التوجه نحو مجلس الأمن، أو تنفيذ ضربة عسكرية.

وتوقع الأشعل القبول بالأمر الواقع، قائلا إنه "لا توجد سيناريوهات للتعامل مع الأزمة، كما أنه من المتوقع فشل الحكومة، إذ ليس لديها إرادة لمنع إثيوبيا من إبادة مصر".

وثمة سيناريو آخر يرتبط بالتعاون المصري السوداني، أشار إليه بدر شافعي، يتمثل في أن تسير الأمور كما هي، وربما تحدث انفراجة بين السودان وإثيوبيا تراعي الأخيرة فيها اعتبارات السودان في أن يكون الملء الثاني لبحيرة السد في فترة أطول، حتى لا يتأثر، وربما لو توصل البلدان لاتفاق لأزمة الحدود قد يؤثر ذلك على موقف مصر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة