انتهت أزمة إغلاق قناة السويس فكيف يمكن تجنب تكرارها؟

قارب تابع لهيئة قناة السويس يبحر قرب السفينة العملاقة "إيفر غيفن" (نيويورك تايمز)
قارب تابع لهيئة قناة السويس يبحر قرب السفينة العملاقة "إيفر غيفن" (نيويورك تايمز)

سلطت أزمة جنوح سفينة الحاويات العملاقة في قناة السويس، وإيقاف حركة الملاحة، وتكدس مئات السفن في واحد من أهم الممرات المائية في العالم، الضوء على حقيقة مقلقة، وهي احتمال تكرار إغلاق قناة السويس مجددا إذا وقعت أزمة مشابهة.

ويعتقد خبراء أنه لا يمكن بطبيعة الحال عدم تكرار الحادث؛ لكن ما يجب العمل عليه بجد، هو تجنب إغلاق قناة السويس لأيام عديدة كما حدث في أزمة السفينة "إيفر غيفن" (EVER GIVEN)، وذلك من خلال الاستعداد وتوفير المعدات لمواجهة مثل هذه الحوادث خصوصا مع التطور الكبير في صناعة السفن العملاقة.

ولعل هذا ما أشار إليه الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، بأنه يجب استخلاص الدروس والعبر من التجربة، مؤكدا ضرورة الإسراع في شراء المعدات والمستلزمات، التي تحتاجها هيئة قناة السويس لمواجهة مثل هذا النوع من الأزمات، التي أثرت على حركة التجارة العالمية.

ويبدو أن السيسي أدرك حجم القلق، الذي تسبب به إغلاق القناة لأيام، حيث قال خلال تفقده قناة السويس الأربعاء بضرورة طمأنة العالم على انتظام سير الملاحة في القناة، وشراء المعدات اللازمة فورا بغض النظر عن التكلفة؛ لمواكبة التطور في حركة وصناعة السفن العملاقة.

واتضحت الحاجة لهذه المعدات بعد استعانة الشركة مالكة السفينة بإحدى الشركات الهولندية المتخصصة في مجال الإنقاذ، والتي ساعدت بقوة في إنجاز المهمة، وتخليص العالم من كابوس توقف تجارته، وتراكم خسائره إلى جانب خسارة مصر من توقف قناة السويس، وفق مراقبين.

 

 

 

توسعة القناة

ووعدت مصر بدراسة توسعة قناة السويس لتفادي حوادث مشابهة لجنوح السفينة "ايفر غيفن"، وفق رئيس هيئة قناة السويس أسامة ربيع، خاصة في المناطق التي لا يوجد فيها ازدواج كما في المدخل الجنوبي حيث وقع الحادث الأخيرة.

لكن ربيع اعتبر في تصريحات لقناة "سي إن إن" (CNN) الأميركية، الخميس الماضي، أن القناة "ليست بحاجة إلى زيادة في عمقها (يبلغ 24 مترا)".

ويبلغ طول القناة 193 كيلومترا، وتتكون من ممرين مائيين متوازيين في شمالها؛ لكنها تقتصر على ممر واحد في الجنوب بعرض 345 مترا، وهو الجزء الذي جنحت فيه السفينة التابعة للخط الملاحي "إيفر غرين" (EVER GREEN)، ويبلغ طولها 400 متر وعرضها 59 مترا، وتبلغ حمولتها 224 ألف طن.

وحتى الآن ما تزال الأسباب الحقيقية وراء جنوح السفينة العملاقة غير معروفة، بخلاف ما تم الإعلان عنه رسميا في بداية الأزمة، عندما تحدث بيان لهيئة قناة السويس عن انعدام الرؤية، وشدة سرعة الرياح كأسباب لجنوح السفينة العملاقة وحدوث الأزمة، التي ترتب عليها غلق القناة، التي يمر بها حوالي 12% من حجم التجارة العالمية، لنحو أسبوع.

وانهالت على مصر العروض من تركيا وروسيا وأميركا للمساعدة في إعادة تعويم السفينة الكبيرة، وهو ما يؤكد أن لدى تلك الدول معدات وإمكانيات أكبر وأقوى للتعامل مع مثل هذه الأزمات، على الرغم أنه ليس لديهم قناة حيوية مثل قناة السويس.

ويرى مراقبون أن استعانة الشركة مالكة السفينة بإحدى الشركات الهولندية المتخصصة في مجال الإنقاذ سارع في إنجاز المهمة، وتخليص العالم من كابوس توقف تجارته، وتراكم خسائره إلى جانب خسارة مصر من توقف قناة السويس.

تعلم الدرس

في تقديره، يقول خبير الطاقة والنفط العالمي، الدكتور ممدوح سلامة، إن "مصر نجحت في حل مشكلة الناقلة بفضل الخبرات الضخمة والمعدات المتوفر لديها، ومع ذلك هذا يعطي درسا لأهمية أخذ الحيطة عند مرور ناقلات ضخمة من هذا النوع؛ لمنع حدوث أي خطأ بشري أو فني، والانتظار عند وجود رياح عاتية وزوابع رملية".

وأوضح للجزيرة نت أن "الدرس الذي ستأخذ به هيئة قناة السويس هو إجراء تحديث على معداتها، واستثمار وشراء معدات إضافية قادرة على التعامل في المستقبل مع سفن من هذا النوع"، مشيرا إلى أن "تحرير مصر السفينة في 6 أيام فقط كان له أثر في تخفيف الأضرار عن اقتصادها واقتصاد العالم وأسعار النفط".

من جهته، قال الاستشاري في الإدارة الإستراتيجية وإدارة الأزمات، الدكتور مراد علي، "هناك ما يطلق عليها مرحلة الوقاية أو مرحلة ما قبل الأزمة، وتشمل 4 مراحل، الأولى تحليل المخاطر واحتمال وقوعها، ثانيا تطوير سيناريوهات حتى نُعِد لها، ثالثا الاهتمام بنظم كشف الإنذار المبكر للتعامل مبكرا مع الأزمة، وتدريب وتأهيل فريق يكون جاهزا إذا حدث الخطر وتوفير الإمكانيات اللازمة له".

وأوضح أنه عند تطبيق هذه المرحلة على أزمة جنوح السفينة، يتضح أنه كان من الممكن منع حدوثها بعدم السماح للسفينة بدخول القناة في ظل حالة الطقس السيئ، وبالتالي فإن استمرار مرورها كان خطأ يمكن منعه إذا كانت هناك إجراءات صحيحة في مرحلة إدارة المخاطر، وهي مرحلة ما قبل إدارة الأزمة.

وأضاف علي موضحا أن القناة تبلغ إيراداتها ما بين 5 إلى 6 مليارات دولار سنويا، وهذا يطرح سؤالا خطيرا هل تعجز القناة بما لديها من إمكانيات مالية وبشرية في توفير المعدات اللازمة والتدريب الكافي بدلا من الاستعانة بخبراء ومعدات من هولندا؟ حيث كان يفترض أن تكون لنا معاهد متخصصة في تدريب وتخريج مثل هؤلاء الفنيين وتصدير تلك الخدمة للخارج.

 

فقر الفكر

بدوره، عبر النائب السابق بالبرلمان المصري محمد مسعد، عن اعتقاده بأن "هناك أزمة إدارة في مصر بشكل عام، وأزمة جنوح السفينة في قناة السويس هي جزء منها أو ناتج عنها؛ لأنه لم تتوافر المعدات والإمكانيات اللازمة لمواجهتها".

وأضاف في حديثه للجزيرة نت، في برلمان 2012 زارتنا لجنة من هيئة قناة السويس، وكان الحوار والنقاش حول تطوير القناة وتوسيعها وتعميقها، وتحويلها إلى مركز لوجستي ضخم، فأكد أعضاء اللجنة أن الوضع الحالي للقناة هو أفضل وضع لها، وليس بالإمكان أفضل مما كان.

وأشار مسعد إلى أن غالبية الهيئات التابعة للقناة هي شركات خاسرة، ولا تستفيد مصر إلا من رسوم المرور، وهذا سبب عدم وجود أي تطوير أو تحديث للمعدات  باستثناء شق التفريعة في 2015، التي أهدرت أكثر من 64 مليار جنيه، ولم تدر أي عوائد مالية حقيقية، ولم تحدث نقلة نوعية في إدارة القناة.

الشركة الهولندية

على صعيد آخر، انتقد البعض على وسائل التواصل الاجتماعي تجاهل الإعلام والدولة في مصر، الدور الكبير الذي قامت به الشركة الهولندية وخبراؤها في إنهاء الأزمة، التي أغلقت أهم شريان ملاحي في العالم.

واعتبروا في تدوينات وتغريدات متعددة أن الاعتراف بدور الشركة الهولندية لن يقلل بأي حال من الأحوال من جهد عمال وخبراء ومسؤولي هيئة قناة السويس.

وبعد يومين من المحاولات غير الناجحة، انضمت لجهود الإنقاذ سفينة هولندية تابعة لشركة "سميت سالفدج" (Smit Salvage) المتخصصة في إنقاذ السفن المنكوبة، حيث كان لها دور كبير في المساهمة بإنهاء الأزمة.

ووفق صحيفة "لوباريزيان" (Le Parisien) نقلا عن ميركو غليانو أستاذ التاريخ في جامعة كامبل الأميركية، فإن سميت سالفدج -التي تأسست عام 1842 في هولندا- عملت كثيرا في مجال النفط، حيث المنصات الكبيرة تتطلب قدرات خاصة.

 

 

 

حجم الضرر

ويبقى أن الأيام المقبلة ستظهر مزيدا من حجم الضرر الناتج عن وقف الملاحة في القناة لنحو أسبوع، وتقول وكالة "فيتش للتصنيف الائتماني" (Fitch Ratings)، "يمكن أن تتسبب الحوادث التي تنطوي على سفن حاويات كبيرة، في مطالبات تزيد على مليار دولار؛ لكن هذه في الأغلب مرتبطة بالإنقاذ ووصول السفينة إلى محطتها النهائية".

وكان تقرير لشركة "أليانز" (Allianz) للتأمين، قال إن تعطّل يوم واحد في نقل البضائع، نتيجة وقف الملاحة بالقناة، "يكلّف التجارة العالمية من 6 إلى 10 مليارات دولار"، كما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.

وفي مصر، قال رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع، في وقت سابق، إن الهيئة حددت تكلفة الخسائر ما بين 12 و15 مليون دولار يوميا، وإن الجهة المسؤولة عن التعويضات ستحدد بعد اكتمال التحقيقات بشأن الحادثة.

 

المصدر : الجزيرة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة