ليست مجرد محادثات.. 10 قواعد بفنون الدبلوماسية في المفاوضات بين إيران والقوى الكبرى في فيينا

في اللحظة التي تقدمت فيها المفاوضات، واعتقد الجميع أن التوصل إلى حل أصبح قاب قوسين أو أدنى، حدث ما لم ينتظره أحد.

المفاوضات بين إيران ومجموعة "4+1" تركز على العودة المحتملة للولايات المتحدة للاتفاق النووي (غيتي إيميجز)
المفاوضات بين إيران ومجموعة "4+1" تركز على العودة المحتملة للولايات المتحدة للاتفاق النووي (غيتي إيميجز)

طاولة المفاوضات في فندق "غران هوتيل" وسط مدينة فيينا التي يجتمع حولها أطراف الاتفاق النووي الإيراني أشبه ما تكون برقعة شطرنج.

القواعد التي تحكم اللعبة معروفة للجميع، لكن الدهاء في تحريك القطع في الوقت المناسب ومفاجأة الخصم بـ "حركات" غير متوقعة هو الذي يصنع الفرق بين المحترفين والأكثر احترافا (لأنه لا يوجد هواة في هذه المفاوضات).

فيها يلي بعض الدروس من هذه المفاوضات:

  • بدأت المفاوضات بداية أبريل/نيسان، وحققت الجولة الأولى تقدما الأسبوع الأول، وعاد المفاوضون إلى بلدانهم للتشاور وحددوا موعدا للقاء الأسبوع الموالي لإتمام ما بدؤوا.
  • لكن في اللحظة التي تقدمت فيها المفاوضات، واعتقد الجميع أن التوصل إلى حل أصبح قاب قوسين أو أدنى، حدث ما لم ينتظره أحد في هذا التوقيت بالذات، فقد تلقت إيران ضربة أمنية موجعة في قلب منشأتها النووية في نطنز. تفجير لا يعرف مداه اتهمت فيه طهران إسرائيل بالوقوف وراءه.
عباس عراقجي وسفير إيران لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية كاظم غريبابادي يغادران مقر إقامتهما في فيينا (رويترز)

القاعدة الأولى: وأنت تبحث عن السلام.. لا تنس الاستعداد للحرب

  • الضربة موجعة لإيران لكنها قللت من أهميتها ولم تكشف خسائرها، وللرد عليها أعلنت البدء في تخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء تصل إلى 60% بعدما كانت أعلى نسبة وصلتها في يناير/كانون الثاني الماضي هي 20%.
  • أما الاتفاق النووي الذي وقع عام 2015 فيفرض عدم تجاوز نسبة 3.17%، وهذه ليست مجرد أرقام ونسب مجردة بل هي مؤشر عن مدى قرب البلد من امتلاك السلاح النووي الذي يتطلب تخصيب اليورانيوم بنسبة نقاء تصل إلى 90%
  • الانتقال إلى نسبة 60% شكل تحديا واضحا لمن نفذ الضربة ولمن شجعه أو صمت عنه، وإيران استثمرت في ذلك حالة "المظلومية" لمصلحتها، ولو كانت اتخذت هذا القرار قبل هذه الضربة التي تعرضت لها في نطنز ما كان يمكن أن يؤدي ذلك إلى التلويح بالحرب وربما إلى ما هو أسوأ، لكن قرار الرفع من نسبة التخصيب -ضمن رد الفعل على هجوم غير مشروع بمقتضى القانون الدولي وفي سياق مناخ غربي راغب بالتوصل إلى اتفاق- جعل الدول الكبرى أكثر قدرة على امتصاص الصدمة.
مساعد الأمين العام لخدمة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي أنريكي مورا (يمين) في طريقه لقاعة المفاوضات (غيتي)

القاعدة الثانية: عندما تتلقى ضربة موجعة، لا تصرخ.. سيشمت بك الأعداء.. استثمرها.. وثمة دائما طريقة

كما كان متوقعا، ندد الأوروبيون بالخرق الإيراني الجديد للاتفاق وغضبوا، لكنهم جاؤوا إلى فيينا للتفاوض، وبينما هم يصدرون البيانات ضد طهران، كان ممثلوهم يجلسون مع ممثلي الإيرانيين للتفاوض.

القاعدة الثالثة: منطق التفاوض بين الدول لا يقوم على العواطف.. حسابات السياسة تحتاج كثيرا من البرود والهدوء

ترغب إيران بشدة في التوصل الى اتفاق ينهي العقوبات الأميركية التي تخنق شرايين اقتصادها، لكن رئيس وفدها المفاوض عباس عراقجي يقول "سننسحب من المفاوضات إذا تبين لنا أنها مضيعة للوقت". وقد يعلن فعلا انسحابه، لكن ذلك كله مناورة لتحسين الموقف التفاوضي. وحتى بالاجتماع الأخير الذي عقد الثلاثاء في أجواء إيجابية هدد بأن إيران ستنسحب إذا واصلت الدول الأوروبية اشتراطاتها المشطة على حد قوله.

القاعدة الرابعة: التهدئة ليست دائما سبيل السلام.. التصعيد قد يكون أكثر فعالية إذا أحسنت استعماله.

بعد كل هذا التوتر الشديد، الذي دفع كثيرين إلى توقع انهيار المحادثات في أي لحظة، خرج الجميع في الجلسة الأولى ليقولوا إن الأجواء إيجابية دون تفاصيل كثيرة، وفي الجلسة الثانية والثالثة قالوا إنها إيجابية لكونها بدأت في مناقشة التفاصيل وفي صياغة الاتفاق.

القاعدة الخامسة: الفعل الدبلوماسي لا بد له من "لغة دبلوماسية". قد تكون أحيانا شبيهة بلغة الخشب، لكنها فعالة في إلهاء الصحافيين والباحثين والرأي العام تجنبا لإعلان الفشل، والاتصال السياسي يصبح أوجب وأوكد بلحظات الأزمة، فتسعة أعشار السياسة قول

  • في خضم التفاوض، وبينما تراوح المحادثات مكانها، وهي إلى الفشل أقرب، جاء تصريح من البيت الأبيض يقول "سنبحث عن تطبيق عادل للاتفاق النووي". الرسالة التقطها الجميع: الإيرانيون والأوروبيون والأميركيون الذين يحضر وفدهم دون أن يشارك بالمفاوضات، ويقيم في فندق آخر غير ذلك الذي تجري فيه المفاوضات تجنبا لأي لقاء غير مرغوب. ولكن الرسائل بينه وبين الإيرانيين سالكة عن طريق التصريحات الاعلامية وأيضا عن طريق الوفود التي تلتقي الطرفين.
  • إيران عندما سمعت أن البيت الأبيض يقرر أخيرا أن يقرأ الاتفاق النووي بطريقة "عادلة" لم تهرول شاكرة، بل رفعت السقف أعلى، وسربت أنها ستنسحب من فيينا إذا استمر ما وصفه كبير مفاوضيها عراقجي بتضييع الوقت، وفي اليوم التالي حصلت انفراجة كبيرة.
فندق غراند هوتيل وسط فيينا حيث تجري المفاوضات (رويترز)

 القاعدة السادسة: أفهم خصمك أن تنازلاته صغيرة ولا قيمة لها، كرر هذا، وطالب بالمزيد فستحصل عليه

رغم التصعيد الايراني، امتصت الأطراف الدولية صدمة رفع طهران نسبة تخصيبها اليورانيوم لسببين اثنين: أولهما فشل سياسة الضغوط القصوى التي انتهجها الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب وفقا لكل القراءات بما فيها الغربية، ثم إن الولايات المتحدة والدول الأوروبية المعنية بالاتفاق تدرك أن الطريقة الأمثل والأقل تكلفة لمنع إيران من الحصول على سلاح نووي تتمثل في اتفاق يخضع برنامجها النووي للمراقبة الدقيقة. عدا ذلك لا بديل سوى الحرب، والحرب لا يريدها أحد في هذه المرحلة بسبب مخاطرها العالية والمدمرة للجميع.

مندوب روسيا الدائم لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية ميخائيل أوليانوف داخل مقر انعقاد المفاوضات بفيينا (غيتي)

القاعدة السابعة: وأنت تتفاوض مع خصم قوي، استثمر في ضعفك.. أقنعه بأنه ليس لديك ما تخسر وقد تهدم المعبد على رؤوس الجميع، سيصبح أكثر تعقلا وحكمة

وزير الخارجية النمساوي، الذي تستضيف بلاده المفاوضات، حذر من أن هذا الاجتماع يمثل الفرصة الأخيرة داعيا لحسن استغلالها، وشدد على ضرورة التوصل لاتفاق قبل نهاية مايو/أيار المقبل، لماذا هذا الموعد بالضبط؟ لأن يونيو/حزيران هو موعد الانتخابات الإيرانية، والأوروبيون لا يرغبون في أن تجري هذه الانتخابات على وقع فشل المفاوضات فذلك يصب في رصيد الأصوات المتشددة في إيران الداعية إلى التصعيد، ويتقاسم الأوروبيون والأميركيون هذه الرغبة في إنهاء الموضوع قبل الانتخابات الإيرانية خوفا من أن تحمل الانتخابات إلى السلطة من هم أكثر تشددا.

القاعدة الثامنة: لعبة "الطيب والشرير" مفيدة في التحقيقات البوليسية وفي المفاوضات الدولية.. من المفيد أن يفهم خصمك أنك "طيب" مقارنة بمن لم يلتقهم بعد، سيقنعه ذلك بالبحث عن حل معك حتى لا يضطر للقاء "الآخرين".

في الجلسة الأخيرة التي عقدت الثلاثاء سادت أجواء التفاؤل، وانتهت بالاتفاق على استئناف المحادثات الأسبوع المقبل. لم يمنع ذلك كبير المفاوضين الإيرانيين عراقجي من التهديد (مرة أخرى) بالانسحاب من المفاوضات إذا لم تتوقف ما وصفها بالمطالب المشطة للغربيين، في نفس اليوم كان الرئيس الإيراني حسن روحاني يتحدث عن تقدم في المفاوضات قدره 60 إلى 70%، أي أنه في الوقت الذي يتحدث عراقجي عن الانسحاب يتحدث الرئيس عن تقدم كبير، ليس في ذلك تناقض، إنما هو تكتيك ومناورة.

القاعدة التاسعة: توجيه الرسائل المتناقضة يساعد أحيانا على إرباك الخصم.. بين شد الحبل وإرخائه تترك له الخيار

الدول الغربية التي تتفاوض مع إيران ومن ورائها الولايات المتحدة كلها نووية، ولكنها تمنع إيران من الحصول على السلاح النووي بحجة منع انتشار السلاح النووي.

القاعدة العاشرة: السيف أصدق إنباء من الكتب.. فمن يملك مصادر القوة يستطيع أن يحدد القواعد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أكدت واشنطن أنها لن تقدم مبادرات أو تنازلات أحادية لطهران، وعبرت الأطراف المشاركة عن ارتياحها للتقدم في مفاوضات فيينا، بينما دعت السعودية لمنع إيران من الحصول على السلاح النووي.

20/4/2021

أحرزت محادثات فيينا الرامية لإحياء الاتفاق النووي بين إيران والقوى الكبرى تقدما ملموسا مع تأكيد أطراف مشاركة فيها بلوغ مرحلة الصياغة والتفاصيل، في حين تحدث مسؤولون إيرانيون عن إمكانية عقد اتفاق مؤقت. 

20/4/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة