بين العودة غير الآمنة لسوريا وقلق البقاء بلبنان.. شباب سوريون يروون قصص لجوئهم وقسوة أوضاعهم

بين قلق البقاء بلبنان، والسعي لتركه بعد هروبهم الأول من سوريا، يروي للجزيرة نت 3 شباب سوريين حكاية لجوئهم، وخياراتهم الحالية وهم يرفعون شعار "لا رجوع لسوريا ما دامت العودة غير آمنة"

لاجئات سوريات في لبنان خلال جلسة تدريب (الجزيرة)
لاجئات سوريات في لبنان خلال جلسة تدريب (الجزيرة)

ترخي الأزمات بظلالها القاتمة على سكان لبنان، ولكن وطأتها تبدو شديدة على اللاجئين السوريين كأكثر الفئات هشاشة واستضعافا.

فقد أدت تداعيات الانهيار لتفاقم خيبات المئات من شبابهم الذين كانوا ينظرون إلى لبنان باعتباره بلدهم الثاني الذي خاضوا فيه تجاربهم، وطمحوا بمستقبل واعد بين أحضانه، وفجأة تهاوت صروح آمال الكثير منهم واستبد بهم الشعور بالعجز والضياع.

قبل عقد من الزمن، كان لبنان البلد الصغير من أوائل الدول العربية التي لجأ السوريون إليها، هربا من آلة الحرب، بعد اندلاع الثورة ضد النظام السوري في 2011.

ولعل التقارب الجغرافي بين لبنان وسوريا، وتشاركهما بحدود برية طويلة، وعشرات المعابر بعضها نظامي ومعظمها غير خاضع للرقابة الحدودية (تمرّ عبرها عمليات الهروب والتهريب)، جعل أبناء البلدين يتقاسمان الأزمات السياسية، والمعاناة الاقتصادية والمعيشية.

ومع الوقت أصبح لبنان يضم أعلى نسبة لجوء سوري في العالم مقارنة مع مساحته وعدد سكانه (نحو 6 ملايين نسمة)، إذ بلغ عدد اللاجئين المسجلين رسميا لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR) بحلول ديسمبر/كانون الأول 2020، نحو 865 ألفا و331 لاجئا، بينما يقدّر عدد اللاجئين السوريين المقيمين فعليا على الأراضي اللبنانية بـ1.5 مليون لاجئ، بينهم نحو 600 ألف سوري يعيش بالخيم في حوالي 2800 تجمع مخيمات عشوائية.

وخلال الفترة الأخيرة تدهورت الأوضاع الاقتصادية والمعيشية بشكل كبير في لبنان، حيث انهارت الليرة بشكل غير مسبوق (تجاوزت تداولاتها 13 ألفا مقابل الدولار بالسوق السوداء)، وطغت مشاهد التدافع على محطات الوقود والأفران والشجار على السلع المدعومة، كما ارتفعت مؤشرات الجرائم الفردية والسرقات، ووصلت معدلات البطالة نحو مليون عاطل عن العمل، وفق ما يشير ناصر ياسين، الباحث والأكاديمي بالجامعة الأميركية في بيروت.

هذا الواقع، أثّر على جميع السكان، مواطنين ولاجئين، لكن شباب اللاجئين يواجهون أزمة مزدوجة، وفق حديث ياسين للجزيرة نت، لأن ظروف العودة الآمنة لسوريا غير متوفرة، وقد يخضعون لملاحقات أمنية أو يكون بعضهم مطلوبا للخدمة العسكرية، في حين أن لبنان أصبح بيئة طاردة للشباب الطامحين.

ويرى ياسين أن الحل يبقى بسعي الشباب اللاجئين لهجرة تُؤمِّن لهم فرص التوطين ببلاد أجنبية أكثر استقرارا من لبنان، "لتبقى الخشية من استئناف موجات الهجرة غير النظامية عبر البحر مع اقتراب موسم الصيف".

وبين قلق البقاء بلبنان، والسعي لتركه بعد هروبهم الأول من سوريا، يروي للجزيرة نت 3 شباب سوريين حكاية لجوئهم، وتبدو قصص نجاحهم محفوفة بالمخاطر، وهم يرفعون شعار "لا رجوع إلى سوريا ما دامت العودة غير آمنة".

شيماء: أين أذهب بنفسي؟

جاءت شيماء الحزواني من مدينة حماة إلى لبنان في 2010، قبل عام من الحرب، بهدف التعليم، فالتحقت بقسم علم النفس بالجامعة اللبنانية، وكانت تريد العودة للعمل بسوريا بعد انتهاء دراستها، لكن تدهور الأوضاع الأمنية ببلدها، دفعها للاستقرار في لبنان، رغم عدم تمكنها قانونيا من الحصول على إذن لمزاولة مهنتها، كمعالجة نفسية.

اللاجئة السورية في لبنان شيماء الحزواني (الجزيرة)

لم تستسلم شيماء، فتطوعت بفرق شبابية، وكانت تتنقل بين طرابلس وبيروت، وعملت مع عدد من الجمعيات، وارتكزت مهماتها على الجوانب النفسية والحمائية في قضايا النزاع بين المناطق التي عاشت مواجهات أمنية، ولا سيما في جبل محسن وباب التبانة شمالي لبنان.

ترى شيماء أنها بنَت شخصيتها ومستقبلها في لبنان، وتقول إنها عملت بشغف على مدار 10 سنوات، كما تطوعت بحملات إغاثة ضحايا انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس/آب 2020، و"كنت أسعى لإحداث تقدم بطبيعة العلاقة بين المجتمع اللبناني واللاجئين السوريين، وتحديدا على المستوى الإنساني".

خسرت شيماء شقيقها بالحرب السورية العام الماضي، ومنذ خريف 2019، بدأت تصطدم بالواقع اللبناني، وصار يشبه سوريا بالمعاناة الاقتصادية والاجتماعية والتوترات المتواصلة، حسب قولها.

كما أن تدهور الأوضاع حال دون إكمال شيماء آخر مرحلة لحصولها على شهادة الماجستير، وهي الآن تواجه ظروفا مهنية ضاغطة، بعد أن تراجعت مواردها المالية، وتبدو عاجزة عن تحقيق سعيها لترك لبنان، لأن جواز سفرها يعطيها فقط خيار العودة إلى سوريا، وهو "أمر مستحيل" بالنسبة لها، كما لا تستطيع الحصول على منحة دراسية للسفر بعد أن تجاوزت الثلاثين عاما.

لم يبق لشيماء إلا أن تواصل المقاومة والانتظار على أمل تحسن الظروف.

تختم شيماء حديثها بالقول إنها تجد نفسها اليوم عالقة، فـ "لا مستقبل لي بلبنان ولا أستطيع العودة لسوريا ولا سبيل للهجرة.. أين أذهب بنفسي؟".

فادي: باق مع آخر لاجئ

هرب فادي الحلبي (37 عاما) من دمشق إلى لبنان في 2013، وهو طبيب جراحة عصبية، لكونه أقرب مكان آمن استطاع اللجوء إليه، وحينها، بدأ يتعرّف على مجموعات من اللاجئين في البقاع، والتمس حاجتهم للمساندة، فأسس لاحقا مبادرة مابس (MAPS)، وهي منظمة إنسانية معنية باللاجئين السوريين في لبنان لبناء قدراتهم.

ضمن فادي بلجوئه للبنان أمنه الشخصي، وترك مهنته، فـ "أن نضيف مبادرة تخدم اللاجئين السوريين، خير من إضافة طبيب جراحة عصبية بسوريا"، وفق تعبيره.

اللاجئ السوري في لبنان فادي الحلبي (الجزيرة)

وهكذا، يصف فادي لجوءه للبنان بالخيار الشخصي الإستراتيجي، حيث قدّم عبر "مابس" التي تضم نحو 350 متطوعا سوريا، خدمة التعليم لنحو 3 آلاف طالب سوري بالبقاع، داخل مجمعات تعليمية تشبه الباصات موزعة على 9 مخيمات، برسالة مزدوجة، أن مدارس اللاجئين ستقودهم لسوريا في نهاية المطاف، وأن البقاء بلبنان هو مرحلة مؤقتة، لأن التعليم لا ينتظر.

واستطاع عبر برامج التدريب المهني أن يدرب آلاف اللاجئين، وأحيا فريق الروبوتات بمابس -المعروف باسم فريق "أمل سوريا"- الفخر للاجئين، بعد حصوله على ميداليات متعددة وذهبية الإنجاز الشجاع أثناء مشاركته بمسابقة في المكسيك في عام 2018.

وبعد 10 سنوات على الثورة، "بدأنا نواجه تداعيات الانهيار بلبنان، وصار اللاجئون يصارعون المعاناة في جانبيها اللبناني والسوري، نتيجة تراكم الأزمات اقتصاديا واجتماعيا وصحيا".

ورغم شحّ الموارد وتعاظم التحديات، فإن فادي يصر على وجوده "الوظيفي" بلبنان، ويخشى من تلازم الأزمة المعيشية مع المخاطر الأمنية، ويسعى مع عدد من المجموعات إلى تحصين مجتمع اللاجئين من أي تمييز عنصري، و"أخذت عهدا على نفسي ألا أعود لبلدي إلا مع آخر لاجئ سوري".

أنس: أفتش عن سبيل للهجرة

قبل لجوئه إلى لبنان، اعتقل أنس تللو (30 عاما) مرتين، إثر مشاركته بالتظاهرات السلمية المناهضة للنظام، كما قُتل والده في 2012 خلال مداهمات ميدانية قام بها جيش النظام.

تخصص أنس بالهندسة المعمارية بدمشق، وفي عام 2013، دُعي لمؤتمر بتركيا، واضطر أن يسافر إليه عن طريق لبنان، ولدى عودته، تبلّغ من عائلته أنه مطلوب للتحقيق لدى المخابرات السورية، فقرر البقاء بلبنان، "بعد أن استنزفت صمودي بسوريا".

ومن بيروت، بدأ أنس رحلته من الصفر، فتواصل مع اللاجئين الذين تعرف إليهم بالسكن المشترك، واندمج سريعا بالمبادرات الإنسانية، وعمل مع بعض الجمعيات، وصبّ اهتمامه على مناصرة قضايا النساء اللاجئات بلبنان، فنسق مع عدد كبير منهن، وخضعن معهن للتدريب، كما نسق مع المجموعات اللبنانية الداعمة لقضايا اللاجئين، معنويا وقانونيا.

وبعد تعزيز خبرته، قرر قبل عامين أن يكمل دراسته العليا، فتخصص بالأنثربولوجيا الاجتماعية للمدينة، وسعى من خلال ذلك لفهم المدن كمساحة للعيش لكل المقيمين فيها، بغض النظر عن طوائفهم وأعراقهم وجنسياتهم، فنال المرتبة الأولى على دفعته بالجامعة اللبنانية.

ومع ذلك، يعيش أنس قلق "العيش المؤقت"، حيث يقول إن "سوريا بوضعها الراهن غير آمنة للعودة، إذا لم يحصل حل سياسي حقيقي، لنتصالح على الأقل مع ما أصابنا، ونضمن فترة عدالة انتقالية تُسائل المنتهكين الذين تلطخت أيديهم بدماء شعبنا".

ويرى أنس أن لبنان احتضن الشباب اللاجئين الذين وجدوا به ملاذا لأحلامهم، لكن، بعد أن دارت عجلة الانهيار، بدأ يشعر بالضياع، و"صارت صعوبة الرحيل توازي صعوبة البقاء".

واليوم، يفتش أنس عن سبيل للهجرة من لبنان، لأنه لم يعد آمنا للفئات المستضعفة، ويخشى أن تولد الأزمة الاقتصادية أزمات أمنية، و"أن يدفع اللاجئون ثمنها باهظا".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

توفيت امرأتان وطفلان كانوا في طريقهم من لبنان إلى سوريا عبر مناطق جبلية حدودية وعرة وقاسية البرودة، حين اختفوا عدة أيام. لكنهم لم يصلوا إلى وجهتهم بل ماتوا بردا.

سلم النظام السوري إلى الجانب اللبناني اليوم الأحد جثث 3 شقيقات لبنانيات، فقدنَ قبل نحو أسبوع وعثر عليهن على شاطئ مدينة طرطوس الساحلية، بينما يواصل المحققون في لبنان العمل على كشف ملابسات الحادث.

4/4/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة