أرشيف وطني مفقود وذاكرة مثقوبة.. هكذا يحيي العراق مئوية تأسيس دولته الحديثة

الدولة العراقية الحديثة تأسست في أعقاب ثورة عام 1920 على الاحتلال البريطاني

الملك فيصل الأول حاكم أول دولة حديثة بالعراق (غيتي)
الملك فيصل الأول حاكم أول دولة حديثة بالعراق (غيتي)

يستذكر العراقيون هذا العام الذكرى المئوية لتأسيس دولتهم عبر نظام ملكي تأسس عام 1921 واستمر لحين سقوطه عام 1958 ليحل محله النظام الجمهوري الذي مر بمنعطفات حتى أطاح به الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، لتبدأ بعدها حقبة سياسية مختلفة حافلة بالمطبات والظروف الداخلية والخارجية العاصفة والمتشعبة.

وأسهم تأسيس الدولة بجمع وتوحيد الجماعات الاجتماعية التي كانت متفرقة ولم تجتمع قبل عام 1921، فقد كانت البصرة وبغداد والموصل ولايات منفصلة عن الأخرى، إلى أن جاء ذلك العام الذي جمع العراقيين في دولة واحدة في مهمة "شاقة وعسيرة". إلا أنها نجحت في جمع شتاتهم لتكون منهم مجتمعا واحدا ودولة واحدة، كما يقول الباحث والأكاديمي علي حاكم صالح للجزيرة نت.

ويرى الباحث أن الحقبة الملكية كانت بمثابة انتقال كبير بالنسبة للعراقيين على مستوى الوعي الاجتماعي والثقافي والسياسي، فقد أصبح أغلبهم سياسيين حيث شاعت اليسارية والقومية وتكون الجيش وبدأ يمارس تدخله في السياسة إلى أن سقط النظام الملكي عام 1958 وبدأ نظام جمهوري له محاسن كثيرة ولكن بنظرة استرجاعية نجده قد فرط شيئا فشيئا بمكاسب الملكية حتى سقوطه عام 2003.

الحطاب يرى أن الدساتير الانقلابية أو المؤقتة سمة بارزة في المشهد العراقي (الجزيرة)

انقلابات وتحولات

لا شك أن أي متابع لأحوال الدولة العراقية منذ التأسيس عام 1921 وحتى هذه الساعة يستطيع القول إنها كانت واقعة تحت سياط القابضين على السلطة أو التبعية لدول كبرى أو حكم فردي أو احتلالات حقيقية، وفي كل ذلك كانت هناك نتف من سنوات بسيطة أحست بها الدولة ومعها الناس بترف حقيقي أو لحظات انفجارية في الإعمار وتكوين بنى ارتكازية جديدة.

ويشير المحلل السياسي علي الحطاب إلى أنه في كل مرة ينحرف القائمون على السلطة في تعزيز وتجذير وجودهم ودوام بقائهم بالسلطةـ من خلال رفض إرساء قواعد دستورية تنظم عمل السلطات، بل في كل مرة تجد أن الدساتير الانقلابية أو المؤقتة هي السمة البارزة في المشهد العراقي، حتى خلصت الدولة إلى احتلال أجنبي عام 2003 هدم كل كيانها وأحالها لركام، ومعه استمرت المحاولات الإقليمية والخارجية لإلغاء وجود كيان اسمه العراق من خلال تأجيج النعرات الطائفية والمذهبية والمناطقية.

ووصف الحطاب العراق بأنه الدولة التي تكاد أن تكون المميزة من حيث عدد الانقلابات والتحولات الناعمة والعنيفة، وربما يشكل موقعه الإستراتيجي الهدف الأساس الذي جعله يعيش دوامة دائمة بدأت بملكية وافدة ومن ثم جمهورية ذات توجهات يسارية صغيرة العمر، ثم جمهورية ثانية للقوميين وثالثة للبعثيين ورابعة للاحتلال وخامسة طغى على كل عناوينها الفساد والتزوير والتبعية، فكانت بحق جمهورية وولاية الولاءات الصغيرة. وقد عانى في جميع تلك الجمهوريات والملكيات -وخصوصاً المعارض- من شتى أنواع التنكيل والإبعاد والتغييب والتسقيط، فلا هم كانوا قادة بالمعنى الحقيقي ولا الدولة كانت دولة بالمفهوم الأصيل.

وبأسف كبير يستذكر الباحث علي حاكم صالح الغزو العراقي للكويت عام 1990 وحرب الخليج التي تبعته، قائلا: إن البلد فقد بعدها سيادته واستقلاله عندما لم يستطع النظام السياسي القائم آنذاك من بسط نفوذه على كامل ترابه وأجوائه، وفقد سيطرته على ثروته الوطنية التي أصبحت تحت يد المنظمات الدولية، وغير ذلك كثير مما أعلن بدايات انهيار الدولة وتعزز أكثر عند عام 2003 ومازال مستمرا إلى الآن.

نستذكر مرور مئة عام على تأسيس العراق، وكأننا عدنا إلى نقطة البداية، فمازلنا نبحث عن الخيارات ومقسمين في ما بيننا اجتماعيا وسياسيا وأيديولوجيا وحزبيا، وهذه حقبة ليست ملكا للعراقيين فقط، بحسب صالح.

ويتابع أن العراق لم يكن بمعزل عن العالم الخارجي، لذلك يمكن أن نصف هذه الحقبة بأنها حقبة "الصراع الإقليمي والدولي" وتبقى المحددات الاقتصادية والدولية عاملا مهما في تقرير مصير الدولة العراقية، ويبقى العامل الأهم المتعلق بمدى إرادة العراقيين على تقرير مصير دولتهم تحت مسمى أكبر هو العراق بدون انتماءات.

صالح يقول إن العراقيين منقسمون وما زالوا يبحثون عن الخيارات الأفضل لبلدهم (الجزيرة)

خرج ولم يعد

ومن المصادفات اللافتة أن العراق يحتفل بمئوية تأسيس دولته، وأرشيفه الوطني ليس بحوزته، بكل ما يحتويه من وثائق مهمة تتعلق بالأنظمة السابقة وتأريخ الأسر العراقية وكذلك الأرشيف اليهودي للأسر التي كانت تسكن العراق، وهو يحتوي على أكثر من ألفين و700 كتاب مهم وعشرات الآلاف من الوثائق ونسخة من التوراة، كما يقول عضو لجنة الثقافة النيابية علي الحميداوي.

وكان الأرشيف محفوظاً في صناديق وضعت في سراديب المخابرات العراقية، ونقل إلى أميركا عام 2005 لغرض "الصيانة" ولكنه لم يعد إلى هذه اللحظة رغم أن موعد عودته كان محددا عام 2018 وفقا لاتفاقية الخارجية العراقية مع السفارة الأميركية ببغداد، ولكن تم تأجيله عام 2021.

وكل مرة تؤجل أميركا التزامها بمبررات جديدة، كما يقول وزير الثقافة السابق عبد الأمير الحمداني، ويتساءل "بعد نفاد كل المبررات ماذا تنتظر أميركا لإرجاع الأرشيف؟ وماذا ينتظر العراق للحصول على أرشيفه؟ بعدما اكتملت كل أعمال الصيانة وتحول الأرشيف إلى صيغ رقمية وخصصت له بناية داخل المنطقة الخضراء وسط بغداد، والعراق مستعد تقنيا وعمليا وفنيا لاستلامه وحفظه، ولكنه مازال مغترباً في أميركا وتقع مسؤولية هذا الموضوع على عاتق وزارة الخارجية العراقية وفقا لاتفاقيتها مع السفارة الأميركية.

ويستبعد الحميداوي عودة الأرشيف الوطني إلى العراق كونه "كنزا" لن تعيده أميركا، فهي تصر على إبقائه لديها.

الحمداني أكد أن مهمة استعادة الآثار العراقية مسؤولية وطنية ودولية وإقليمية (الجزيرة)

نهب وتهريب

ويعتبر قطاع الآثار انعكاسا حقيقيا لحضارة الدولة وذاكرتها وعمق تاريخها، ويساهم بشكل مؤثر في وضعها بمواقع معنوية واعتبارية أمام العالم، وإذا تحدث العراق عن آثاره فهو يتحدث بفخر لأن حضارته هي الأولى في العالم.

ويشير النائب الحميداوي إلى وجود مئات الدعاوى القضائية التي أقامها العراق على أكثر من 36 دولة بتهمة سرقة أو تهريب أكثر من 15 ألف قطعة مهربة.

من جهته يبين مدير الهيئة العامة للآثار والتراث بوزارة الثقافة ليث مجيد حسين أن سرقة الآثار ليست بجديدة عن تاريخ الدولة العراقية، فقد نفذت العديد من عمليات السرقة المنظمة للقطع الأثرية، ومن أبرزها سرقة "الكنز اللورستاني" الذي له أهمية تاريخية كبيرة وهو يحتوي على أكثر من 25 قطعة أثرية نادرة ومهمة تعود لمنطقة لورستان في إيران، اختفى بطريقة "غريبة عجيبة" فبعد أن كان معروضا في المتحف الوطني العراقي أخرج من مكانه المخصص بحجة أنه موضوع في مكان لا يتطابق مع حقبته الزمنية التي يعود لها ثم نقل بطريقة ما ودخل غرفة الخزن بطريقة مجهولة وبعدها اختفى.

المتحف الوطني العراقي يضم كنوزا من التماثيل والآثار القديمة (رويترز)

يبين النائب الحميداوي بأن كاميرات المتحف كانت معطلة، ولم تخصص لجنة كالمعتاد لاستلام ونقل الكنز، كما أن الموظف المسؤول عن نقله ترك العراق بعد إحالته إلى التقاعد وسافر بعدها إلى أميركا، والغريب أن العاملين في المتحف لم يكتشفوا اختفاء الكنز إلا بعد مرور 9 أشهر، وما زال الموضوع معروضا أمام القضاء منذ عام 2013 وحتى الآن.

ويشير الحمداني إلى أن مهمة استعادة الآثار مسؤولية وطنية ودولية وإقليمية، فالعراق ومنذ عقود يتعرض لحملة منظمة لنهب آثاره وتراثه بهدف طمس الذاكرة العراقية، معتبرا أن بعض دول الجوار تحولت إلى ممر لتهريب الآثار، منوها إلى وجود الكثير من القطع الأثرية المهمة معروضة في متاحف دولية بعضها في أميركا واليابان.

يشار إلى أن الدولة العراقية الحديثة تأسست بموجب مؤتمر القاهرة الذي عقدته المملكة المتحدة في مارس/آذار 1921 لبحث ما أسمته وزارة المستعمرات البريطانية شؤون الولايات العراقية الثلاث بغداد والموصل والبصرة التي كانت متحدة تحت حكم الخلافة العثمانية، بعد ثورة الشعب العراقي ضد الاحتلال البريطاني عام 1920، والتي سميت بثورة العشرين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة