في الكويت.. سجال سياسي وقانوني بشأن إلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي

الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة شهدت أداء الحكومة اليمين وقاطعها معظم النواب (الجزيرة)
الجلسة الأخيرة لمجلس الأمة شهدت أداء الحكومة اليمين وقاطعها معظم النواب (الجزيرة)

في اجتماعه الأخير الاثنين الماضي، وافق مجلس الوزراء الكويتي على تعديلات قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية رقم 17 لسنة 1960 والتي قضت بإلغاء الحبس الاحتياطي في قضايا الرأي.

وجاءت الموافقة على التعديلات بعد أن أقرها مجلس الأمة في مداولتيه الأولى والثانية في جلسة 30 مارس/آذار الماضي.

وقد اكتسبت هذه الجلسة زخما كبيرا، حيث شهدت أداء الحكومة الجديدة القسم أمام البرلمان، وإقرار عدة قوانين ذات طابع شعبي، وإسقاط عضوية النائب السابق بدر الداهوم على خلفية صدور حكم من المحكمة الدستورية ببطلان عضويته، وهي الجلسة التي قاطعها 30 نائبا من معارضي إسقاط العضوية.

وبموجب التعديلات الجديدة لقانون الإجراءات الجنائية، أضيفت للمادة 69 من القانون فقرة أخيرة نصت على أنه "في جميع الأحوال لا تسري أحكام الحبس الاحتياطي على من يمارس حقه في التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو الرسم أو غير ذلك، بما في ذلك أن يكون التعبير عن الرأي عن طريق وسائل الإعلام أو التواصل الاجتماعي".

ولم يلق إلغاء الحبس الاحتياطي قبولا لدى قطاعات واسعة من فقهاء القانون والنشطاء، الذين رأوا أنه لم يضف جديدا وأنه جاء في سياق رغبة حكومية في تخفيف الضغوط السياسية عبر إقرار بعض القوانين ذات الطابع الشعبوي.

في المقابل، ذهب المؤيدون للتعديلات إلى التأكيد على كونها خطوة مستحقة ومطلوبة تجاه دعم حرية الرأي والتعبير.

وتعتمد مدة الحبس الاحتياطي في القانون الكويتي على نوع الجريمة، فإذا كانت جنحة كانت مدة الحبس الاحتياطي 10 أيام مقابل 21 يوما في جرائم الجنايات، علما بأن جرائم الرأي -وفق التشريع الكويتي- يصنف بعضُها جنحا والبعض الآخر جنايات.

تعديل ناقص

ويرى بعض الخبراء أن التعديل كان لا بد أن يتوسع ليشمل حظر الحبس الاحتياطي في الجرائم ذات الجسامة البسيطة التي يمكن تحديدها وفق نصاب العقوبة المقررة في القانون، كأن يلغى في حالة الجرائم التي يعاقب عليها بالحبس لمدة تتراوح بين عامين و3 أعوام، إذ إن القصد من الحبس الاحتياطي هو المحافظة على أدلة الجريمة من العبث أو الخوف من هروب المتهم، وهي أمور يمكن أن تعالج في مثل هذه القضايا عبر تدابير أخرى كالمنع من السفر أو التعهد المصحوب بكفالة.

وبحسب عميد كلية القانون الكويتية وأستاذ القانون الجزائي الدكتور فيصل الكندري، فإن التعديل لم يضف جديدا، إذ لا يزال يترك مجالا واسعا لسلطات التحقيق والقضاء لإقرار ما إذا كان المتهم يمارس حرية التعبير عن رأيه، وبالتالي لا يستوجب حبسه احتياطيا، أم أنه تجاوز حرية التعبير فيحبس رغم كون الفعل متعلقا بإحدى جرائم الرأي.

ويرى الكندري في حديث للجزيرة نت أن ثمة تساؤلا كبيرا حول ما إذا كانت ممارسة حق التعبير عن الرأي جريمة في الأساس حتى لا تسري أحكام الحبس الاحتياطي على من يمارسها، مشيرا إلى أن أسباب الإباحة في جرائم الرأي منصوص عليها في قانون الجزاء (المواد من 213 وحتى 216)، والتي تعتبر أن الأقوال والعبارات مباحة ولا جريمة فيها إذ توفر حسن النية، و"بالتالي نحن لسنا أمام جريمة أصلا بموجب القانون ذاته حتى يتقرر الحبس الاحتياطي ومن ثم لا مجال لتطبيق التعديل الجديد".

ويتفق أستاذ القانون الجزائي في جامعة الكويت الدكتور محمد التميمي مع الرأي السابق، إذ يؤكد أن التعديل لم يلغ جريمة الرأي التي بقيت موجودة، فضلا عن كونها مصطلحا غير قانوني.

ويضيف التميمي للجزيرة نت أنه لا يوجد تحديد واضح لمفهوم جرائم الرأي، مما يفتح الباب لاختلاف جهات التحقيق بشأن ماهيتها، فضلا عن أن جزءا منها جرائم أمن دولة في الداخل والخارج.

ويرى أن النص على تحديد مواقع التواصل في التعديل غير موفق أيضا كونه مصطلحا غير قانوني، وأن الغاية التي ابتغاها المشرع لم تتحقق كونه يلغي الحبس ويبقي الجريمة، في حين يفترض أن يكون التعاطي مع الآراء السياسية والاجتماعية بشيء من التسامح لأهمية هذا النوع من الانتقاد في تحقيق التطور والاستقرار، مع الإقرار ببعض المحاذير المرتبطة باستقرار البلاد.

وتوجد مواد تتعلق بجرائم الرأي في الكويت في قوانين: الإعلام المرئي والمسموع والمطبوعات والنشر، والإعلام الإلكتروني والجرائم الإلكترونية، وقانون هيئة الاتصالات وتقنية المعلومات.

الدستور وحقوق الإنسان

أما عضو الديوان الوطني لحقوق الإنسان علي البغلي فيؤيد التعديل الذي طرأ على قانون الإجراءات الجنائية، مشيرا إلى أن هذا القانون صدر قبل نصف قرن.

ويرى أن التعديل الجديد يتفق مع مواد الدستور التي تؤكد على حرية الرأي والتعبير وكذلك مبادئ حقوق الإنسان، مشيرا إلى أن حرية الرأي مطلقة في الدول الديمقراطية باستثناءات بسيطة.

ويضيف أن المشرع أوجب الحبس الاحتياطي في الجرائم الخطيرة، وهو أمر لا ينطبق على قضايا الرأي التي لا تستوجب الحبس في الأساس. لكن على أرض الواقع تتشدد القوانين الكويتية في تلك الجرائم، إذ تجاوز إجمالي سنوات السجن لأصحاب الرأي 800 عام.

مطالبة بتشريع جديد

بدوره اعتبر النائب مبارك زيد المطيري -أحد مقاطعي الجلسة- أن التعديل خطوة ومكسب لحرية التعبير، "رغم الإيمان بأهمية إلغاء الحبس في جرائم الرأي البعيدة عن الثوابت الوطنية".

وأضاف المطيري أنه كان من أوائل المطالبين بإلغاء الحبس الاحتياطي، وأنه عمل ومجموعة من النواب على إدراج التعديل ضمن الأولويات المطلوب من الحكومة التعاون بشأنها خاصة وأن اللجوء إليه أثناء التحقيق كان يمثل عقوبة لا تتناسب والجرم المرتكب، فضلا عن التعسف في استخدامه أحيانا.

ويذهب الكاتب والمحلل السياسي عبد الخالق الخطيب للقول بأهمية إلغاء الحبس في قضايا الرأي، واستحداث تشريع يقر الخدمة المجتمعية كعقوبة بديلة، انطلاقا من أن العقوبات المادية أو المعنوية قد تكون أكثر تأثيرا وأن التشدد في عقوبات جرائم الرأي تسبب في ظهور الحسابات الوهمية على مواقع التواصل.

رفض مطلق

في المقابل، يرفض المحامي بسام العسعوسي خطوة التعديل برمتها، واصفا الموقف الحكومي بأنه جاء تحت ضغوط الرأي العام وبعض النواب، ومشيرا إلى أن صاحب الرأي ينبغي أن يتبنى وجه نظر قابلة للتداول وألا يتخفى وراء حسابات وهمية.

ويضيف أن البعض لا يفرق بين حرية الرأي والتعبير وبين السب والقذف، فكما أن الرأي حق دستوري، فإن اللجوء إلى القضاء حق أيضا لأن للناس كرامات وأعراض يجب أن تحفظ.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أجواء سياسية ساخنة عاشتها الكويت استباقا لجلسة مجلس الأمة التي التأمت اليوم، بعد شهر من تعليق الجلسات وفقا لمرسوم دستوري أصدره أمير البلاد، لكن التئامها جاء وسط مقاطعة 31 نائبا من المعارضة.

30/3/2021
المزيد من سياسي
الأكثر قراءة