يطارده شبح دعم ترامب للقاهرة.. لماذا لم يقدم بايدن حلا لأزمة سد النهضة؟

تتأنى إدارة بايدن في تقديم تصورها لحل أزمة سد النهضة بسبب حرصها على تغيير الانطباع بانحياز إدارة ترامب إلى القاهرة في هذه الأزمة، كما أن مصر وإثيوبيا تنشطان لاستمالة واشنطن إلى موقفيهما.

أزمة سد النهضة لا تزال تنتظر تصورا أميركيا لحل الأزمة بين الدول الثلاث الحليفة لواشنطن (مواقع التواصل الاجتماعي)
أزمة سد النهضة لا تزال تنتظر تصورا أميركيا لحل الأزمة بين الدول الثلاث الحليفة لواشنطن (مواقع التواصل الاجتماعي)

تدخلت إدارة الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب في مفاوضات سد النهضة بصورة مباشرة، إلا أن إدارة الرئيس جو بايدن، وبعد 3 أشهر من تسلمها السلطة، لم يصدر عنها أي تصور لحل الأزمة المتصاعدة بين حلفاء واشنطن في منطقة القرن الأفريقي وشمال شرق أفريقيا: مصر والسودان وإثيوبيا.

ويعتقد عدد من المراقبين في العاصمة الأميركية أن فشل الإدارة السابقة في حلحلة الأزمة، على الرغم من تدخل ترامب الشخصي واستضافة واشنطن عددا من جولات التفاوض بين مصر والسودان وإثيوبيا، يدفع إدارة بايدن للتريث بشأن ما يمكن أن تقدمه من مقترحات، في حين أشار آخرون إلى عدم وجود رؤية أميركية واقعية لحل الأزمة المعقدة.

ولم تعبر إدارة بايدن عن موقفها من قضية بناء سد النهضة إلا من خلال عبارات دبلوماسية فضفاضة، مثل "نحن نعبر عن قلقنا المتزايد من التوتر حول مياه نهر النيل، ونناشد كل الأطراف العمل معا لحل الخلافات حول سد النهضة عن طريق التعاون فيما بينهم"، كما جاء في بيانات وزارة الخارجية عن القضية.

في حين عبر المتحدث باسم وزارة الخارجية نيد برايس عن تطلع "إدارة الرئيس جو بايدن إلى تجديد الجهود الأميركية للتوسط في النزاع طويل الأمد بين إثيوبيا والسودان ومصر حول تأثير السد على تدفق مياه النيل الأزرق".

موقف.. لا موقف

خلال حكم ترامب، نجحت ضغوط القاهرة في إصدار بيان رسمي أميركي نادى بضرورة التوصل لاتفاق بين الأطراف المعنية قبل ملء خزانات السد.

وأُجريت مفاوضات بإشراف أميركي وبمشاركة البنك الدولي نتيجة الدعوة المصرية، إلا أنها وصلت لطريق مسدود بعد رفض إثيوبيا المبادرة الأميركية التي قدمتها للأطراف بشأن قواعد تتعلق بفترة ملء السد وطريقة تشغيله.

وتتحرك إدارة بايدن ببطء شديد تجاه تطورات أزمة سد النهضة المتصاعدة، والتي وصلت لدرجة التهديد بالحل العسكري بين أطراف النزاع.

وأرسل الرئيس بايدن السيناتور كريس كونز لينقل مدى جدية واشنطن في مواجهة أزمات منطقة القرن الأفريقي بصفة عامة، ومن المقرر تعيين مبعوث خاص للقرن الأفريقي -تشير تقارير صحفية إلى أنه سيكون الدبلوماسي المخضرم جيفري فيلتمان – مما يمهد للعب دور أميركي متزايد في قضية السد وقضايا المنطقة الأخرى.

ويعتبر كاميرون هادسون، المسؤول السابق بوكالة الاستخبارات المركزية والبيت الأبيض والخبير حاليا في الشؤون الأفريقية بالمعهد الأطلسي، أن "إدارة بايدن لم تعلن بعد بشكل كامل عن تصورها لحل لأزمة سد النهضة، ولكن مع ذلك، لدى بايدن مصلحة في المشاركة وتصحيح التصور السابق في عهد ترامب بأن الولايات المتحدة تدعم الموقف المصري".

ويشير هادسون في حديثه للجزيرة نت إلى أنه "من حيث النتائج، فإن ما يشغل إدارة بايدن الآن هو تخفيف حدة الخطابات العدائية بين الأطراف، والمساعدة على تجنب أي نتائج سلبية من شأنها أن تؤثر على الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع".

ويتفق جود ديفيرمونت، رئيس برنامج أفريقيا بمركز الدراسات الإستراتيجية والدولية "سي إس آي إس" (CSIS) بواشنطن، في حديث له للجزيرة نت مع إلحاق موقف إدارة ترامب القريب من موقف القاهرة الضرر بمصداقية واشنطن للتوسط بين أطراف الأزمة، وقال "مواقف ترامب أضرت بالعلاقات الأميركية مع أديس أبابا التي اعتبرت واشنطن قريبة جدا من القاهرة في هذا النزاع".

وتجمع واشنطن علاقات طيبة بمصر وإثيوبيا، رغم الصورة السلبية بسبب سجلهما السيئ فيما يتعلق بحقوق الإنسان والممارسات غير الديمقراطية.

وتعد إثيوبيا حليفا قويا لواشنطن في شرق أفريقيا، فقد أشارت دراسة لخدمة أبحاث الكونغرس إلى أن "إثيوبيا تلعب دورا مهما في مواجهة تنظيم القاعدة والجماعات التابعة له في منطقة القرن الأفريقي"، وتعتمد إثيوبيا في الترويج لموقفها على البعد الإنساني الذي تدعمه تقارير رسمية صادرة عن البنك الدولي، والتي تشير إلى حاجة إثيوبيا الماسة للطاقة الكهربائية.

وفي الوقت ذاته، ترتبط القاهرة بعلاقات مهمة مع واشنطن نتيجة سياساتها في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لذلك، قد لا يكون هناك بديل عن توسط واشنطن بين الطرفين بصورة تتجنب معها سلبيات وساطة ترامب.

إدارة بايدن تحاول الابتعاد عن انحياز إدارة ترامب للقاهرة في أزمة سد النهضة (مواقع التواصل الاجتماعي)

تنافس للتقرب من بايدن

تروج إثيوبيا، من خلال كتابات بعض النشطاء الإثيوبيين الأميركيين، لضرورة تدخل واشنطن "من أجل إيجاد حل، إذ ينبغي على الولايات المتحدة أن تنظر في تزويد مصر بحلول زراعية ومائية لتخفيف أي مخاوف بشأن ندرة المياه، خاصة وأن القاهرة تُعد حليفا عسكريا قديما لواشنطن. ويجب أن تركز على تقديم المساعدات المالية لتحسين نظام الري في مصر"، كما جاء في مقال للناشطة الإثيوبية الأميركية فيكير زيليم نشره موقع إنترناشيونال بوليسي ديجيست (International Policy Digest).

وطالبت زيليم بتغيير طبيعة المساعدات الأميركية لمصر لتركز على الشق الإنمائي بدل العسكري، وقالت إن "واشنطن تمنح مصر حوالي 1.5 مليار دولار من المساعدات الخارجية سنويا، يذهب 89% منها للمساعدات العسكرية. وينبغي على الولايات المتحدة أن تحول تركيزها إلى تزويد البلاد بالمزيد من المساعدات الاقتصادية للأهداف الإنسانية والإنمائية. وربما من شأن تقديم المساعدة للقطاع الزراعي في مصر أن يقنع مصر بإعادة النظر في قبول قرار إثيوبيا بملء السد".

من جانب آخر، تزامن تفاقم أزمة بناء وملء وتشغيل سد النهضة بين مصر والسودان وإثيوبيا مع مضاعفة القاهرة وأديس أبابا جهودهما في واشنطن لدفع إدارة الرئيس جو بايدن للوقوف في صف كل منهما.

إذ لجأت الدولتان للترويج للرواية الرسمية التي تتبناها كل دولة تجاه الأزمة وسط الدوائر الأميركية، واستعانت الدولتان بعدد من شركات الضغط والعلاقات العامة لتلميع صورتيها ودفْع أركان الإدارة الأميركية وأعضاء الكونغرس لتفهم موقفها.

وكشفت وثائق وزارة العدل -التي اطلعت عليها الجزيرة نت- عن استعانة إثيوبيا بشركة ضغط جديدة للتواصل مع الكونغرس وإدارة بايدن، في الوقت الذي تخوض فيه البلاد أزمة دبلوماسية مع مصر حول السد.

ووقعت السفارة الإثيوبية في واشنطن عقدا بقيمة 35 ألف دولار شهريا مع شركة "فينابل" (Venable) للاستشارات القانونية مطلع شهر مارس/آذار الماضي، ولمدة 3 أشهر مبدئيا، مع إمكانية تمديده. وطبقا لبنود العقد، ستقدم الشركة الأميركية "خدمة العلاقات الحكومية التي قد تشمل الاتصال مع أعضاء الكونغرس، والوزارات وإدارة بايدن"، وسيشرف عليه المحامي توماس كوين والمستشار السياسي لورين آهو.

وتروج إثيوبيا في الدوائر الأميركية بأن مشروع بناء السد هو عمل تنموي تنتج عنه الطاقة الكهربائية اللازمة لإنارة منازل ملايين الإثيوبيين، الذين لم تدخل الكهرباء إلى قراهم بعد، وأن السد يشكل أولوية حيوية للتنمية.

وسبقت مصر إثيوبيا في التعاقد مع شركات ضغط جديدة استباقا لوصول بايدن للحكم، لإقناع إدارته بأن تحذو حذو إدارة ترامب في مساندة الموقف المصري.

وعقب هزيمة ترامب في الانتخابات، تحركت السفارة المصرية في واشنطن بسرعة لتوقّع عقدا مع شركة "براونشتاين حياة فاربر" (Brownstein Hyatt Farber) لمدة عام بقيمة 65 ألف دولار شهريا.

تجنّب بايدن التواصل مباشرة مع رؤوساء دول أزمة سد النهضة منذ توليه السلطة (الجزيرة)

خطوات متواضعة

لم يقم الرئيس بايدن بمهاتفة أي من زعماء أطراف أزمة سد النهضة الثلاثة منذ وصوله للحكم. ولم يشير بيان وزارة الخارجية الأميركية عن المحادثة الهاتفية الوحيدة التي جرت بين وزيري الخارجية المصري والأميركي في فبراير/شباط الماضي، إلى أي إشارة بشأن قضية سد النهضة.

ومع تطوير واشنطن علاقاتها بالسودان من خلال إعادة تطبيع العلاقات معها، تحدث وزير الخارجية توني بلينكن مع رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك في الخامس من أبريل/نيسان الجاري، مؤكدا على دعم الولايات المتحدة "مفاوضات سد النهضة وأهمية اندماج الأطراف في المفاوضات لحل الأزمة".

وبعد يومين هاتف مستشار الأمن القومي جيك سوليڤان نائب رئيس الوزراء الأثيوبي، وربط بين تخفيض حدة التوتر على الحدود السودانية الإثيوبية وبين الصراع في إقليم تيغراي ومفاوضات سد النهضة. لكن لم يعتبر المراقبون أن هذه الخطوات جادة وكافية كإشارة على اهتمام حقيقي من واشنطن وبايدن بملف أزمة سد النهضة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أكد مستشار الأمن القومي الأميركي جيك سوليفان أن الولايات المتحدة مستعدة لمساعدة إثيوبيا في معالجة أزمة سد النهضة، في حين استبعدت الخرطوم خيار الحرب وأكدت أن النقاش يدور حول الخيارات السياسية.

9/4/2021

قال الدكتور أحمد المفتي العضو السابق بالوفد السوداني في مفاوضات سد النهضة، إن أمريكا ستفرض تسوية على السودان ومصر لصالح إثيوبيا حتى يتم ملء السد وتمتلك إثيوبيا القنبلة المائية وبعد ذلك تفرض إرادتها.

10/4/2021

رغم طول فترة المفاوضات والوساطات الإقليمية والدولية، فإن كل هذا لم يفلح في توصل كل من إثيوبيا ومصر والسودان لاتفاق بشأن عملية ملء سد النهصة. وبلغ انسداد الأفق إلى حد تأكيد مصر أن كل الخيارات مفتوحة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة