مقالات "إعلام البغال".. هل انتصر مذيعو السلطة على الأكاديمي المصري؟

الدكتور أيمن منصور ندا يرأس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام بجامعة القاهرة (مواقع التواصل)
الدكتور أيمن منصور ندا يرأس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام بجامعة القاهرة (مواقع التواصل)

يبدو أن أزمة ما باتت تعرف بسلسلة مقالات "إعلام البغال" في مصر قد أوشكت على النهاية بعدما قال ناشطون إن صاحب المقالات التي أثارت جدلا كبيرا أغلق حسابه على موقع فيسبوك.

وتابع المصريون خلال الأسابيع الماضية سلسلة مقالات لأستاذ الإعلام في جامعة القاهرة أيمن منصور ندا، والتي خصصها لتقييم أداء عدد من نجوم الإعلام الحالي، وتضمنت انتقادات حادة لوسائل الإعلام المصرية، وهو ما أثار ردود فعل عاصفة من مشاهير المذيعين المقربين من النظام المصري، وتحويل ندا إلى التحقيق في النيابة، كما أوقفته الجامعة عن العمل.

وفي أول تعليق له بعد إيقافه عن العمل بالجامعة وإحالته للتحقيق بقرار من النائب العام المصري نشر ندا مقالا جديدا أمس الأربعاء قال إنه المقال الأخير، ووجهه للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وذلك قبل أن يغلق حسابه على فيسبوك، حيث اقترح في هذا المقال عودة وزارة الإعلام واستبعاد معظم الوجوه الإعلامية الحالية.

وقال ندا -الذي يرأس قسم الإذاعة والتلفزيون في كلية الإعلام بجامعة القاهرة- في مقاله الأخير إنه في المقالات السابقة قدم تشخيصا لمشكلات الإعلام المصري، وتوصيفا لبعض أعراض أزمته، مضيفا "والآن، أقدم بعض تصوراتي عن كيفية حل هذه المشكلة حتى يكون العرض كاملا".

بداية الأزمة

وقد توقع نشطاء مواقع التواصل مصير ندا بعدما حذف في وقت سابق مقالا ناقدا للضابط أحمد شعبان مسؤول مكتب مدير المخابرات المصرية، والذي يقول صحفيون إنه يعد رئيس التحرير الفعلي لكل وسائل الإعلام المصرية.

بعدها بأيام كتب ندا مقالا ناريا بلغة ساخرة تحت عنوان "إعلام البغال"، قال فيه إن الإعلام المصري "كائن مسخ وظيفته أن يكون مطية لمن يملك المال والحكم، أو هما معا"، مشيرا إلى أن "إعلام البغال يمثل أحيانا دور الحمار الطموح الذي يبغي تحقيق أهداف لا يقدر عليها، فيرجع في الغالب مهزوما جريحا".

وتحدث المقال عن رئيس المجلس الأعلى للإعلام كرم جبر الذي اتهمه بالتقاعس في استخدام صلاحياته ضد من تعرضوا له من الإعلاميين بالسب والقذف في وقت سابق، ووصفه بأنه "نموذج مكتمل لمسؤولي إعلام البغال، طريقة قيامه بوظيفته وأداؤه يؤكدان ذلك، الرجل أسد حين يتكلم ونعامة حين يتخذ القرار، لا حول له ولا قوة".

وكانت البداية قبل نحو شهر بعدما نشر ندا تدوينة مطولة انتقد خلالها غياب المهنية في برامج بعض الإعلاميين مثل أحمد موسى، ونشر الأستاذ الجامعي تدوينة مطولة بعنوان "زمن أحمد موسى" انتقد خلالها نمط وأداء الإعلام المصري القائم على تلقي الأوامر والتلقينات، الأمر الذي يضر بصورة السلطة بدلا من تجميلها.

ومنذ ذلك الحين اشتعل فتيل المعركة بين إعلاميين محسوبين على السلطة وبين الأستاذ الجامعي الذي حرص على توضيح أنه مؤيد للسلطة، وظلت برامجهم -التي تذاع على الهواء- حكرا على صوت واحد، فيما لجأ الأخير لصفحته المتواضعة على فيسبوك، مما آثار حملة تضامن واسعة في الداخل والخارج مع الصوت الذي "غرد خارج السرب".

حملة ممنهجة

كان وقع هذه الفقرات مثل سكب البنزين على النار بالنسبة لمؤسسات الإعلام المصرية، فأصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (رسمي) بيانا الخميس الماضي أعلن فيه تقدمه بشكوى جنائية إلى النائب العام المصري ضد ندا بدعوى أن ما كتبه يمثل جرائم سب وقذف.

وبعد سويعات قليلة هبت الهيئة الوطنية للصحافة في مصر (رسمية) ولحقت بالأعلى للإعلام، وأصدرت بيانا اتهمت فيه "ندا بارتكاب تجاوزات تجاه عدد من الإعلاميين والصحفيين المصريين".

وزعمت الهيئة أن ما نشره ندا يتضمن سبابا "دون أي وازع من قيم وأخلاق"، داعية عضو هيئة التدريس في كلية الإعلام إلى "الالتزام بمعايير المهنية ومواثيق الشرف الإعلامي التي يدعي بهتانا غيابها عن المشهد الإعلامي المصري".

ودخل المجلس القومي للمرأة على الخط، وأصدر بيانا على صفحته في فيسبوك، وذلك بعد تلقيه شكوى من إحدى الإعلاميات -لم يسمها- (رانيا هاشم) تشتكي من أن المقال يتضمن إهانات وتشهيرا بها، مما يشكل جريمة طبقا لقانون تقنية المعلومات.

جانٍ أم مجني عليه

هذا التحرك الجماعي لمؤسسات الدولة الإعلامية ودخول البعض الآخر على الخط، والزج بالمرأة في معركة لا ناقة لها فيها ولا جمل تحت مسمى النيل من المرأة، واستخدام عبارات من قبل التشهير والإهانات والحرمة بل والمساس بشرفها يأتي في إطار منظم لإسكات ندا، وفق متابعيه ومؤيديه على وسائل التواصل الاجتماعي.

وسأل ندا عن دور تلك المؤسسات وحديثها عن المهنية وجرائم السب والقذف عندما هاجمه المذيع نشأت الديهي ووصفه بـ"المتخلف الكذاب التافه المتحرش المزور الإخواني، الخنزير المرتزق"، كما اتهمه ببيع الدرجات العلمية للطلاب.

وتساءل ندا موجها سؤاله إلى كرم جبر "هل تتابع ما يقوم به الأستاذان أحمد موسى ونشأت الديهي من خرق لكل قواعد وأخلاقيات الإعلام فيما يتعلق بالعبد لله؟ هل تستطيع اتخاذ قرار بشأن هذه الانتهاكات؟ أم أنه لم تصل إليك تعليمات حتى الآن؟ هل يمكنك استعجال هذه التعليمات حتى يتضح لنا الأمر؟".

وأضاف متهكما "أعتذر عن خدشي لاستقلالية المجلس الموقر، وعن تحرشي بوطنيتكم الفائقة، وعن تحميلك ما لا تطيق، وعن طلبي أشياء تقع خارج نطاق صلاحياتك المحدودة والمحددة"، واختتم حديثه بمطالبة جبر بالاستقالة.

نقد من داخل المعسكر

وفي هذا الصدد، يقول الأمين العام السابق للمجلس الأعلى للإعلام قطب العربي "نحن أمام نظام نجح في تأميم الإعلام بحيث أصبحت الأغلبية العظمى من الصحف والقنوات والمواقع تابعة لملكيته المباشرة، وبالتالي فإن هذه المنظومة الإعلامية بمؤسساتها ومذيعيها ومديريها تشعر أنها جزء لا ينفك عن النظام، بل هي الآن أهم أجزائه، ولا تقبل أي نقد يأتيها من أي طرف".

مقالات الدكتور ندا تكتسب أهميتها -وفق قطب- كونها تمثل صوتا معارضا لهذه المنظومة من داخل مصر، بل من داخل نفس المعسكر، وهو صوت يقدم نفسه باعتباره مدافعا عن النظام أساسا، لكنه يرفض أداء منظومته الإعلامية، ويعتقد أنها تسيء إلى هذا النظام الذي يدافع عنه.

وأكد العربي في حديثه للجزيرة نت أن إدارة هذه المنظومة الإعلامية (المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام) لا تعتبر نفسها مسؤولة عن حرية الإعلام كما ينص الدستور وقوانين تأسيسها، ولكنها تعتبر نفسها مسؤولة عن حماية رجالها مهما أخطؤوا، بل وتسارع لنصرتهم حين يتعرضون لأي نقد.

المصدر : الجزيرة + مواقع التواصل الاجتماعي

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة