17 عاما على إعلانه.. يوم أقر أول دستور عراقي بعد الغزو الأميركي وهذه أبرز عيوبه

خلافات ونقاشات حادة رافقت إقرار الدستور حول العديد من المواد أبرزها الفدرالية والأحوال الشخصية والتشريع الإسلامي

الدستور المؤقت مثل النواة الأولى للدستور الحالي بالعراق (الفرنسية)
الدستور المؤقت مثل النواة الأولى للدستور الحالي بالعراق (الفرنسية)

في مثل هذه الأيام قبل 17 عاما، صوت ما كان يعرف بمجلس الحكم الانتقالي في العراق على الدستور المؤقت ليمثل النواة الأولى للدستور الحالي. وجاء التصويت عقب خلافات ونقاشات حادة بين أعضاء مجلس الحكم -الذي تشكل بعد الغزو الأميركي للبلاد عام 2003- حول العديد من المواد أبرزها الفدرالية والأحوال الشخصية والتشريع الإسلامي.

كما تباينت ردود الفعل حيال الدستور المؤقت بين الترحيب والرفض والتحفظ، وامتدت تلك المواقف إلى الدستور الدائم واستمرت حتى اليوم.

طه أكد أن هناك إشكالية في تنفيذ الكثير من مواد الدستور (الجزيرة)

آراء متباينة

وتباينت الآراء السياسية حول توقيع الدستور المؤقت الذي اعتبره الحاكم المدني للعراق آنذاك بول بريمر بأن لحظة توقيعه تمثل ميلادا للديمقراطية في العراق، في الوقت الذي قاطعه آخرون.

وفي هذا السياق، يقول النائب ريبوار طه إن القوى الكردية رحبت بالدستور لأن مواده "مهمة وممتازة" لكن هناك إشكالية في تنفيذ الكثير من المواد، لافتا إلى أن المكون الكردي غير راض على تنفيذ مواد الدستور.

ويبين طه -للجزيرة نت- أنه لا يوجد عمل حقيقي على تنفيذ بعض المواد، فهناك أكثر من 50 مادة في الدستور يجب أن تنظم بقانون (الأمر الذي لم يتم) حتى هذه اللحظة.

الجبوري انتقد فقرة المكونات داخل مواد الدستور واعتبرها تؤجج النعرات الطائفية (الجزيرة)

من جانبه أعرب النائب أحمد الجبوري عن تحفظه على (هذا) الدستور، منوها إلى أن بريمر كانت مهمته الأساسية أن يتم كتابة هذا الدستور بشروط، وهي ألا تأتي نخبة سياسية لاحقة وتستطيع تعديله، منتقدا فقرة المكونات التي تؤجج النعرات الطائفية في البلاد.

ويضيف الجبوري -للجزيرة نت- أن بريمر اعتبر هذا التوقيع لحظة "تاريخية" لتحويل العراق، الكبير والقوي بكل موارده البشرية والاقتصادية وموقعه الإستراتيجي، إلى بلد شعبه مقسم على أساس طائفي قومي مكوناتي، وتمت إذابة الهوية الوطنية لتنبثق هويات فرعية ومتعددة.

الزبيدي يرى أن المواد الإضافية على الدستور أدخلته في مشاكل قانونية كبيرة (الجزيرة)

إشكالات وخلافات

وينوه أستاذ العلوم السياسية طارق عبد الحافظ الزبيدي إلى أن مسودة الدستور التي وزعت على المواطنين العراقيين قبيل الاستفتاء كانت تتكون من 139 مادة، وفي يوم التصويت كانت تتضمن 144 مادة، وهذا يدخل الدستور ووجوده من الناحية القانونية في إشكالية كبيرة، حيث أضيفت 5 مواد دون علم الشعب.

ويبيّن -للجزيرة نت- أن الإضافات شملت مواد تتعلق بالثقافة والرياضة وإدارة الآثار، ولكن من أبرزها مادة تتيح تعديل الدستور، متسائلا عن مدى جواز التلاعب بمواد الدستور وتغييرها بعد التصويت عليه.

وقد اقتصرت كتابة الدستور فقط على ممثلي إقليم كردستان ووسط وجنوب البلاد، وسط مقاطعة ممثلي غرب العراق لكنهم حاولوا اختيار بعض النخب حتى يعطوا الدلالة للعالم بأن هذا الدستور كتب برغبة وطنية وشعبية وليس حسب رغبات مكونات معينة من الشعب، بحسب ما قال الزبيدي.

وجاء التصويت على الدستور في ظل ظروف ضاغطة محلية وإقليمية ودولية، ورافق ذلك مقاطعة القوى السنية لجلسات النقاش بشأن الدستور الذي صيغ على عجالة، بحسب المتخصص في النظم السياسية والدستورية الدكتور عبد العزيز العيساوي.

مشروع الدستور حمل الكثير من الثغرات التي بدأت مساوئها تنكشف اليوم بحسب محللين (الفرنسية)

ويضيف العيساوي -للجزيرة نت- أن الدستور حمل الكثير من الثغرات التي بدأت مساوئها تنكشف اليوم نتيجة لأسباب عدة، أبرزها تدخل سلطة الغزو في وقتها، وإصرار القوى السياسية المتنفذة على تحويل رغباتها إلى مواد دستورية، فضلا عن العامل الزمني الذي كان يدفع باتجاه الإسراع في وضع دستور.

وحول أبرز الخلافات على مواد الدستور، يبين العيساوي أن الفدرالية كانت من أكثر القضايا جدلا خلال نقاشات ما قبل إصدار الدستور، إذ أصر الكرد على تضمينها وسط تخوف كبير من بقية القوى التي رفضت هذه الفكرة جملة وتفصيلا في البداية، إلا أنها عادت بعد ذلك لتوافق عليها بهدف المضي قدما بالحوارات وكي لا يتحول الكرد إلى معارضين للدستور كما كان السُنة تلك الفترة.

ويتابع القول إن الدستور لم يتطرق بشكل مباشر إلى ما يتعلق بالأحوال الشخصية، وترك ذلك للبرلمان، إلا أنه شجع على التنافر العرقي بذكر المكونات في أكثر من مادة.

كما اندلع جدل آخر خلال النقاشات بشأن قضية الدين -حسب العيساوي- مبينا إصرار العرب على عده المصدر الأساس للتشريع، وهو أمر كان مرفوضا من قبل الأميركيين، وبعد حوارات مطولة تم التوصل إلى صيغة توافقية هي تضمين الدستور مادة تنص على "لا يجوز وجود نص يتناقض مع الشريعة الإسلامية".

ويلفت إلى وجود نص آخر يتناقض تماما مع النص السابق وهو "لا يجوز وجود نص يتعارض مع مبادئ الديمقراطية". وفتح هذا التناقض باب جدل كبير لم يغلق حتى اليوم، إذ يفسر الإسلاميون الدستور وفق المادة التي تروق لهم وكذلك الآخرون، كما يرى العيساوي.

البلداوي: الدستور العراقي واحد من أفضل الدساتير من ناحية الحقوق والحريات (الجزيرة)

أبرز البنود

ويعتبر الدستور الحالي واحدا من أفضل الدساتير الموجودة في المنطقة من ناحية الحقوق والحريات والمبادئ العامة، كما يقول النائب عن تحالف "الفتح" محمد البلداوي.

ويوضح البلداوي -للجزيرة نت- أن الدستور اعتمد بشكل أساس على توظيف مواده الـ 144 لتكون نصوصا تعطي الحريات لأبناء الشعب العراقي بعد سنوات مما وصفه بالحكم الدكتاتوري والحروب.

ويضيف أن الدستور أشار بشكل واضح وصريح إلى أن جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة وذات سيادة كاملة، ووضع فيها النظام البرلماني الديمقراطي كنظام لإدارة هذا البلد.

ويتابع القول إن الدستور التزم بالحفاظ على حقوق المكونات جميعها بما فيها الأقليات، كذلك بما يتعلق بتشكيلة المحافظات والأقاليم، والعمل باللامركزية، وحفظ التوازن، وغيرها من الفقرات والقوانين، والتأسيس إلى حقوق وحريات مدنية وسياسية، وتوزيع الثروات على أبناء الشعب، والكثير من الفقرات.

أبو رغيف اعتبر أن كتابة الدستور جرت بطريقة عاجلة وتضمنت أخطاء ونواقص (الجزيرة)

رفض وتحفظ

ويلفت الخبير الإستراتيجي فاضل أبو رغيف إلى أن كتابة الدستور جرت بطريقة عاجلة، وتضمنت أخطاء ونواقص كثيرة، من بينها أنه لم يميز بين المقترح والتشريع، كما وقعت أخطاء لغوية وإملائية ونحوية، فضلا عن النواقص البنيوية حيث توجد أكثر من 25 مادة ختمت بعبارة "وينظم ذلك بقانون" وهذا دليل على النقص الحاد في التشريعات التي جعل بعضها تشريعا سائبا.

وفي حديثه للجزيرة نت، يشير أبو رغيف إلى أن تحفظ المرجع علي السيستاني على الدستور المؤقت لأنه عادة لا يؤيد القضايا التي تكون محل نقاش وجدل، لذلك هو يؤيد في العموميات ولا يؤيد في بعض القضايا الخلافية، والدستور قضية خلافية بدليل أن الكثير من الأمور لم يعالجها لاسيما المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها التي ألحقت فيما بعد، فضلا عن 3 مواد أخرى ألحقت بالدستور بعد إقراره.

وحول الفخاخ التي تحدثت عنها القوى الرافضة للدستور، يؤكد أبو رغيف أنها كثيرة ومنها مثلا قضية توزيع الثروات والتشكيل الحكومي واختيار الرئاسات، وهي مواد قابلة للتأويل.

ويعود العيساوي ليذكر ألغاما وصفها بالخطيرة مثل معضلة الكتلة الأكبر، والمناطق المتنازع عليها، والتداخل بين سلطة بغداد وصلاحيات الإقليم والمحافظات، وآليات تعديل الدستور.

البدراني يعزو سبب مسارعة الإدارة الأميركية للترحيب بالدستور إلى مساهمتها في صياغته (الجزيرة)

الحفاظ على وجه أميركا

ويعزو الأكاديمي والباحث السياسي الدكتور فاضل البدراني سبب مسارعة الإدارة الأميركية للترحيب بالدستور إلى كونها ساهمت في صياغته، وكانت كل الخطوات تحت إدارة بريمر.

ويرى البدراني -في حديثه للجزيرة نت- أن هدفهم محاولة الحفاظ على وجه أميركا في العراق، وتشريع كل ما هو سلبي على أنه إيجابي، وهو نوع من التخدير للعراقيين وشرذمتهم على أسس طائفية وعرقية.

وفي الختام انتقد الباحث موقف الأمم المتحدة التي تغاضت عن إجراءات الغزو الأميركي واكتفت بالتنديد، وأعطت الشرعية للغزو، ولم تحذر من الألغام الموجودة بالدستور والسياسيات الأميركية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

مرر البرلمان العراقي قانونا يقضي بتشكيل لجنة لتعديل الدستور، وقرر وقف الامتيازات المخصصة لكبار المسؤولين في الرئاسيات الثلاث، وقال الرئيس العراقي برهم صالح إن تشريع قانون جديد للانتخابات بدل القانون الحالي يمثل مرتكزا أساسيا للإصلاح السياسي والاقتصادي. تقرير: وليد إبراهيم تاريخ البث: 2019/10/29

أعربت الأحزاب الكردية بإقليم كردستان العراق عن خشيتها من أن تشمل أي تعديلات دستورية -يطالب بها المتظاهرون ببغداد- الوضع الحالي للإقليم، وقالت الأحزاب الكردية إنها تؤيد جميع مطالب المتظاهرين، باستثناء ما يمس الأسس الفدرالية بالعراق. تقرير: أحمد الزاويتي تاريخ البث: 2019/11/7

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة