إدلب ومأرب.. تشابه تحديات الحرب والنزوح واختلاف الحسابات الإقليمية والدولية

تعيش مدينتا إدلب ومأرب ظروفا خاصة في الحرب الدائرة في البلدين، وتتسلط عليهما الأضواء باعتبارهما ساحتي القتال الأشد، وتحتضنان 4 ملايين نازح في كل منهما

مليونان و231 ألف شخص نزحوا إلى مأرب أي ما نسبته 60% من عدد النازحين في البلاد (رويترز)
مليونان و231 ألف شخص نزحوا إلى مأرب أي ما نسبته 60% من عدد النازحين في البلاد (رويترز)

تواجه كل من مدينتي مأرب وسط اليمن وإدلب بشمال غرب سوريا حربا توصف بأنها "كارثية" فالمدينتان تضمان العدد الأكبر من النازحين، كما وصفت المعركة فيهما بالحاسمة للصراع بكلتا الدولتين، وهو نزاع تعقّده الحسابات الإقليمية والدولية.

فمأرب تشهد تصاعدا عنيفا في المواجهات المستمرة لـ3 أسابيع بين الجيش الوطني والحوثيين الذين يكثفون هجماتهم لاختراق دفاعات القوات الحكومية والتقدم نحو المدينة التي تعد معقل الحكومة الأخير في شمال البلاد.

قوات الجيش اليمني مسنودة برجال القبائل تواجه وحدها الهجوم الحوثي المتصاعد على مأرب (رويترز)

أكبر أزمة إنسانية

وتهدد سيطرة الحوثيين على مأرب بحدوث أكبر أزمة إنسانية في اليمن، إذ سيُجبر أكثر من نصف سكانها البالغ عددهم 2.5 مليون على النزوح، كون معظمهم معارضين للحوثيين، ونزحوا من المحافظات الخاضعة لسيطرتهم عام 2015.

وحسب بيان للوحدة التنفيذية للنازحين (حكومية)، فإن مأرب تعد المحافظة الأكثر استقبالا للنازحين، إذ نزح إليها مليونان و231 ألف شخص، أي ما نسبته 60% من عدد النازحين في البلاد.

وسبق أن نزح أكثر من 14 ألف شخص من 6 مخيمات الشهر الماضي، إثر تقدم الحوثيين بصورة محدودة في مديرية صرواح غرب مأرب، حسبما قال مدير إدارة المخيمات في مأرب خالد الشجني.

وقال الشجني للجزيرة نت إن المنظمات الإنسانية لم تقدم دعما للنازحين إلا بصورة محدودة، كما أن عراقيل كبيرة تعيق استقبالهم، أبرزها نفاد مخزون المساعدات لتضطر السلطات في استقدامها من عدن، وطالب الشجني بفصل عمليات الإغاثة في مأرب عن العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين، كونها تستقبل 60% من مجموع النازحين.

نحو 2.1 مليون نازح من أصل أكثر من 4 ملايين سوري يسكنون مناطق المعارضة السورية (الفرنسية)

قبلة النازحين

ومن جهتها، تمثل مدينة إدلب السورية وريفها قبلة النازحين السوريين القادمين من كافة أنحاء سوريا، على وقع عمليات التهجير القسري التي قام النظام بها خلال السنوات الخمس الماضية، إذ تحتضن المدينة وريفها أكثر من 4 ملايين سوري يجمعهم المعقل الأبرز للمعارضة السورية لنظام حكم بشار الأسد.

ومع حالة الفتور العسكري وتراجع حدة المعارك في سوريا، أصبحت هذه المدينة التي تلقب بإدلب الخضراء، لغناها بأشجار الزيتون، ملاذا للمدنيين الهاربين من جحيم المعارك التي شهدتها مناطق عدة أبرزها غوطة دمشق ومدينة حلب، وأخيرا درعا أقصى الجنوب السوري.

تفاهمات دولية

وتخضع إدلب الواقعة في شمال غرب سوريا لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في العاصمة الروسية موسكو بتاريخ 5 مارس/آذار 2020 بين الرئيسين التركي رجب طيب أردوغان والروسي فلاديمير بوتين، الذي نص أيضا على تسيير دوريات عسكرية مشتركة بين البلدين في الطريق الدولي المعروف باسم M4 الذي يربط بين حلب واللاذقية مرورا بجنوب إدلب.

لكن هذا الاتفاق الذي مضى على توقيعه عام تعرض لمئات الخروقات من قبل النظام السوري وحليفته روسيا، عبر قصف مناطق المعارضة السورية في محافظة إدلب بالطيران الحربي والمدفعية والصواريخ، بحسب ما وثقته منظمات وشبكات محلية.

رغم حالة الاستقرار الأمني والعسكري التي يعكر صفوها قصف النظام والقوات الروسية وتفجيرات سيارات مفخخة، فإن الأهالي من المدنيين يعيشون في حالة من القلق والخشية من محاولات النظام اقتحام إدلب وريفها، وإن كان الجانب التركي، الحليف الأبرز للمعارضة السورية، يقوم بكبح جماح هذه المحاولات، لكن السكان تسكنهم المخاوف من أي تفاهمات دولية تقلب حياتهم رأسا على عقب.

المدنيون في إدلب يعقدون الآمال على قوات المعارضة وتركيا كقوة عسكرية لمنع تقدم النظام (الجزيرة نت)

ويقول عدنان الأحمد -وهو من سكان مدينة إدلب- إن "معظم السوريين في إدلب وريفها لا يشعرون بالاستقرار والأمن في حياتهم اليومية، فحالة الخوف من عودة الحرب والقتال لا تفارق المزاج للعام للسكان".

ويضيف الأحمد في حديث للجزيرة نت أن المدنيين باتوا يعلقون آمالهم على القوة العسكرية لفصائل المعارضة السورية التي ترابط على خطوط القتال في ريف إدلب الجنوبي والشرقي، لمنع أي تقدم للنظام، إضافة إلى الثقة بتركيا كقوة عسكرية كبرى تمنع سقوط المنطقة بيد النظام السوري.

الجيش الحكومي يقاتل وحده على الأرض

وعلى خلاف الوضع في إدلب، تستميت القوات الحكومية المسنودة برجال القبائل في مأرب لصد هجوم الحوثيين الأشد ضراوة منذ اندلاع الحرب، بينما تقدم مقاتلات التحالف السعودي الإماراتي دعمًا من الجو.

ورغم أن القوات الحكومية تشير مرارا في بياناتها إلى دعم التحالف، فإن مصدرا في وزارة الدفاع يقول للجزيرة نت إن "الدعم الجوي لم يعد بالفاعلية التي كان عليها خلال انطلاق عملية عاصفة الحزم في مارس/آذار 2015".

ويوضح المصدر، مفضّلا عدم الكشف عن هويته، أن "الأولوية تتمثل في تكثيف الضربات الجوية، ودعم المقاتلين على الأرض بالأسلحة النوعية، لما من شأنه قلب المعادلة العسكرية على الحوثيين، والانتقال من الدفاع للهجوم، فالحوثيون يحشدون المزيد من القوات، ولن يتوقف هجومهم على مأرب، إذ ليس لديهم ما يخسرونه".

نقطة تحول

وينظر إلى المعارك في مأرب الغنية بالنفط بأنها مهمة لأي مفاوضات محتملة مستقبلا، فهي ستُؤَمن للحوثيين في حال سيطرتهم عليها وصولهم إلى منابع النفط والغاز، كما تسمح لهم بالسيطرة على ما عُرف تاريخيا باليمن الشمالي، كما يقول مراقبون.

يقول رئيس مركز باب المندب للدراسات الإقليمية والمعاصرة نبيل البكيري للجزيرة نت، "بالنسبة للحكومة فإن مأرب تمثل آخر معاقلها القوية، وصمودها يعني استعادة الحكومة اليمنية زمام المبادرة، بالإضافة إلى استعادة اليمنيين ثقتهم في قدرتهم على صنع تحول في المعركة".

ويرى البكيري أن القوات الحكومية والقبائل نجحت في امتصاص الهجمة الأولى للحوثيين، وصمودها على مدى شهر مثّل بداية مهمة في تحول المعركة من إطار الدفاع إلى الهجوم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

كثف الحوثيون هجماتهم لفرض حصار على مدينة مأرب آخر المعاقل التي تسيطر عليها قوات موالية للحكومة المعترف بها في الشمال تمهيدا لمحاولة اقتحامها، في معارك عنيفة خلّفت عشرات القتلى من الطرفين.

قتل 3 نازحين بريف إدلب. ووفقا للمعارضة، فإن الغارة تمت بطائرة روسية، وهو ما يراه محللون تهديدا بانهيار اتفاقية وقف التصعيد في إدلب بين روسيا وتركيا؛ وهذا سيزيد من معاناة اللاجئين بالمنطقة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة