تزايد لصوص الكهرباء بمصر.. سرقات عادية أم تمرد صامت على الدولة؟

جهود حكومية للحد من سرقة الكهرباء في مصر (الجزيرة)
جهود حكومية للحد من سرقة الكهرباء في مصر (الجزيرة)

قلق حكومي متصاعد عبرت عنه وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة المصرية عبر سلسلة من التصريحات والبيانات، وذلك بسبب تنامي ظاهرة إقدام المواطنين على سرقة التيار الكهربائي.

وكشف المتحدث الرسمي باسم الوزارة أيمن حمزة أن محاضر سرقات التيار الكهربائي التي تم تحريرها بحق مواطنين من يناير/كانون الثاني وحتى 30 سبتمبر/أيلول 2020، بلغت أكثر من 3 ملايين محضر، تتخطى قيمتها 2.4 مليار جنيه (الدولار أقل من 16 جنيها). ويعني ذلك معدلا قدره مليون محضر مخالفة كل 3 أشهر، أي 4 ملايين كل عام، علما بأن حجم المخالفات الحقيقية يبقى بالطبع أكثر مما يتم اكتشافه.

تزايد الأمر على مدى السنوات الأخيرة دفع الدولة إلى إجراء تعديلات في قانون الكهرباء تغلظ عقوبة سارقي التيار، سواء في مدة الحبس أو الغرامة المالية المقررة.

فما طرق المواطنين المختلفة لسرقة التيار؟ ولماذا تزايدت الظاهرة مؤخرا؟ وما آليات وأدوات شرطة الكهرباء لكشفها؟

وهل تشكل الظاهرة تمردا صامتا على الدولة التي ألهبت ظهور المصريين بسياط الزيادات المستمرة في أسعار الكهرباء خاصة، والأسعار عامة؟

طرق سرقة الكهرباء

يعدد عادل جمعة الذي يعمل فني كهرباء، الطرق التي يلجأ إليها البعض لتقليل فاتورة استهلاك الكهرباء، وعلى رأسها توصيل الكهرباء من اللوحة الرئيسية للمبنى وليس من عداد الشقة، وبالتالي تصدر الفاتورة بأرقام أقل بكثير مما يتوجب دفعه طبقا للاستهلاك الحقيقي.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول جمعة إن خطورة هذا النوع تتمثل في سهولة كشفه من قبل محصلي الفواتير، حيث يجدون السلك خارجا من اللوحة، لذا يلجأ الكثيرون إلى ما يسمونه بـ"السكين الثلاثية"، وهي توصيل مفتاح للتحكم بالتيار بمكان خفي داخل الشقة يمنحهم الخيار بين تشغيل الكهرباء من خلال العداد أو عدمه.

ويقسم المواطن الاستهلاك خلال الشهر بين الخيارين السابقين كي لا ينكشف أمره ولا تبدو الفاتورة ضعيفة للغاية، مما يزرع الشك لدى إدارة الكهرباء، فترسل فنيين للتفتيش وكشف الأمر.

بدوره، يشير"عماد. م" أحد محصلي فواتير الكهرباء بمحافظة الجيزة، إلى وسائل أخرى يقوم بها بعض المواطنين، مثل نزع غطاء العداد للأسفل نحو أطراف الأسلاك الداخلة للمسكن، فيقف العداد عن الدوران لكن التيار الكهربائي لا ينقطع.

بيد أنه أكد للجزيرة نت أن هذه الطريقة يسهل ضبطها، حيث مع تكرار النزع غالبا ما يفشل مرتكبو هذه الفعلة في إعادة العداد لطبيعته، وهنا يقوم المحصل بإبلاغ الإدارة، وهذه الطريقة هي أكثر الحالات التي تم ضبطها.

كما أشار عماد إلى الطريقة التي يعتبرها أكثر احترافا في السرقة وأقل عرضة للكشف، وهي استخدام ما يشبه "ريموت كنترول" لفصل العداد عن اللوحة الرئيسية ثم توصيله وقت اللزوم.

وقد قبض على فني بشركة الكهرباء يقوم بتركيب دوائر إلكترونية للعدادات مسبقة الدفع، تتحكم فيه عن بعد بواسطة ريموت كنترول.

وأكد محصل الكهرباء أن معظم الحالات التي كشف فيها التلاعب وسرقة التيار كان بسبب بلاغات لشرطة الكهرباء جاءت من أقارب أو جيران المخالفين انتقاما منهم بعد خلافات أسرية أو بسبب الجيرة.

القبض على فني كهرباء عمل في سرقة التيار الكهربائي (مواقع التواصل الاجتماعي)

تعقيدات منح العداد

في هذا السياق، يرجع الخبير الاقتصادي عادل عامر سبب انتشار سرقة التيار الكهربائي إلى غلاء الأسعار، وارتفاع قيمة فاتورة الكهرباء المتتالي، مما زاد العبء على المواطنين خاصة محدودي الدخل.

وأضاف عامر، في تصريحات صحفية، أن وزارة الكهرباء حددت بعض الضوابط والشروط التي لا بد من الالتزام بها لتوصيل عداد كهربائي، لكن البعض يتحايل على القانون باعتبار أن ذلك تعقيدا، وليس في مقدوره تنفيذ تلك الإجراءات، خاصة وأن سرقة الكهرباء هي الطريقة السريعة للتوصيل دون تكلفة.

تمرد صامت

أما الصحفي والمحلل السياسي علاء رضوان فاعتبر سرقة التيار حالة من التمرد الصامت على الدولة التي ألقت بالمواطنين في لهيب أسعار لا يخبو، ليس في الكهرباء وحدها، بل في كل مناحي المعيشة.

فالمواطن -حسب كلام رضوان للجزيرة نت- يرى أنه ضرب عصفورين بحجر واحد بسرقته التيار الكهربائي ليخفف بعضا من الالتزامات الشهرية، ومن ناحية أخرى ينتقم من الحكومة باستخدام أحد أشكال التمرد المبتكرة، في ظل مصادرة النظام لكل أشكال التمرد والتعبير عن الرأي.

وأضاف أن فارق أجواء الحرية بين عهدي الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي والرئيس الراحل محمد مرسي يقف وراء عدم تنظيم حملات شعبية مثل "مش دافعين" التي أعلن فيها المواطنون أنهم لن يدفعوا فواتير الكهرباء إبان حكم الرئيس الراحل.

آليات مكافحة السرقة

وكثفت وزارة الكهرباء من حملاتها في مكافحة الظاهرة، ومنحت 600 من العاملين بقطاع التفتيش الدوري في الوزراة حق الضبطية القضائية في هذا الشأن، إضافة إلى جهود مباحث وشرطة الكهرباء.

وأكد مصدر مسؤول في وزارة الكهرباء أنه تم استحداث كارت جديد بجميع شركات التوزيع على مستوى الجمهورية للكشف عن التلاعب بالعدادات مسبوقة الدفع، للقضاء على سرقات التيار الكهربائي وتطبيق الغرامات والعقوبات الجديدة.

وأوضح المصدر في تصريحات لموقع اليوم السابع أن الوزارة بدأت في تنفيذ خطة بالتعاون مع شركة شعاع المسؤولة عن تسجيل قراءة عدادات الكهرباء، للقضاء على سرقات التيار الكهربائي ومخالفة شروط التعاقد لمستخدمي العدادات مسبوقة الدفع، والتي يبلغ عددها 9 ملايين و500 ألف عداد حتى الآن.

عقوبات مغلظة

ويعاقب القانون في تعديله الجديد -حسبما أعلن جهاز تنظيم مرفق الكهرباء- سارقي التيار الكهربائي بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة من 10 إلى 100 ألف جنيه، أو بإحدى العقوبتين، ويضاعف القانون العقوبتين حال تكرار السرقة لتبلغ مدة الحبس عاما على الأقل، والغرامة من 20 إلى 200 ألف جنيه.

وفي جميع الأحوال تقضي المحكمة بإلزام المحكوم عليه برد مثلي قيمة استهلاك التيار الكهربائي المسروق.

يذكر أن أسعار كهرباء المنازل زادت 7 مرات منذ تولى الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم في البلاد عام 2014، كان آخرها ارتفاع بنسبة 30% مطلع يوليو/تموز الماضي.

ووصلت مجموع الارتفاعات خلال السنوات الست الأولى لحكم السيسي إلى أكثر من 700%، حيث قفز سعر الكيلووات في الشريحة الأولى (التي تستهلك أقل من 50 كيلوواتا) من 5 قروش عام 2013 إلى 38 قرشا عام 2020، وزادت كذلك في الشريحة الثانية (أقل من 100 كيلووات) بنسبة 300%.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة

حول هذه القصة

كشفت جملتان سريعتان حاسمتان للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، كيف تُرفع الأسعار وينخفض الدعم، ومن يقف وراء تلك القرارات التي زادت معاناة ملايين المصريين من الفقراء ومحدودي الدخل والطبقات المتوسطة.

فاجأت الحكومة المصرية المصريين في منتصف شهر رمضان المبارك بقرارها رفع أسعار الكهرباء بنسبة 15%، وذلك استجابة لطلب صندوق النقد الدولي مقابل قرض بـ12 مليار دولار، وستصل نسبة رفع أسعار الكهرباء على محدود الدخل إلى نحو 35%. تقرير: وليد العطار تاريخ البث: 2019/5/22

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة