مسؤول أممي بالإغاثة يهندس اتفاقا سياسيا بالسودان.. من هو ديفيد بيزلي؟

ظهر اسمه في سماء السياسة السودانية مؤخرا كلاعب سياسي أكثر منه مسؤول برنامج الغذاء العالمي، وبدا تأثير ديفيد بيزلي واضحا في اتفاق المبادئ بين الخرطوم والحركة الشعبية – شمال، وفرض علمانية الدولة.. فمن هو ديفيد بيزلي؟

ديفيد بيزلي (الثاني يمين) إلى جانب حمدوك والحلو في كاود خلال يناير/كانون الثاني الماضي (مواقع التواصل الإجتماعي)

"إنه يوم عظيم، يوم سلام، لكن السلام لا يُصنع على الورق.. السلام يصنع في القلب، وقد اجتمع هؤلاء القادة حول قوة القلب.. هذه الروح هي الروح التي ستدفع جنوب السودان والسودان للأمام إلى مستقبل عظيم حيث سيكون جميع الأطفال سعداء، لأن القادة في هذا اليوم هم صناع السلام".

بتلك الكلمات اختار المدير التنفيذي لبرنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة ديفيد بيزلي تهنئة طرفي الحكومة السودانية والحركة الشعبية – شمال بقيادة عبدالعزيز الحلو على اتفاق إعلان المبادئ الذي جرى توقيعه الأحد الماضي في جوبا عاصمة دولة جنوب السودان.

وبرز المسؤول الأممي الأميركي في المشهد السوداني على نحو لافت في عام 2018 أثناء مفاوضات الحكومة السودانية مع الحركة الشعبية – شمال، على كيفية إيصال المساعدات الإنسانية للمناطق الخاضعة لسيطرة الحركة في النيل الأزرق وجنوب كردفان، حين وافقت الحكومة في سبتمبر/أيلول من ذلك العام على تولي الأمم المتحدة العملية الإنسانية بإقامة ممرات إغاثية.

وحينها وصل ديفيد بيزلي إلى الخرطوم وانخرط في اجتماعات مكثفة مع المسؤولين عن الملف الإنساني، لكن مفاوضي الحكومة، كما يقول مسؤول حكومي سابق شارك في تلك الاجتماعات، لاحظوا أن الرجل يتحدث بلغة سياسية أكثر من كونه موظفا أمميا يعنى بالشأن الإنساني.

ويقول المسؤول الحكومي السابق للجزيرة نت، إن بيزلي استفاد من خلفيته السياسية كعضو سابق في الكونغرس، علاوة على قربه في ذلك الوقت من الرئيس دونالد ترامب للعب دور أكبر من وظيفته كمدير تنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي. ويتابع "تيسرت مهمته بعد سقوط حكومة البشير، وبالتالي وجد دعما من الحكومة الانتقالية فتمدد في السياسة".

بيزلي لدى وصوله منطقة كاودا في أكتوبر/تشرين الأول 2019 وسط ترحيب الأهالي لتقديم المساعدات لهم (مواقع التواصل الإجتماعي)

لاعب محوري

ولفت بيزلي الانتباه حين تم الإعلان في 23 أكتوبر/تشرين الأول 2019 عن قيادته أول هبوط أممي في مناطق سيطرة الحركة الشعبية بجنوب كردفان، بعد تعذر ذلك لنحو 7 سنوات، ما أتاح نقل مساعدات غذائية لآلاف المدنيين.

ومع ذلك يعتقد عديد من خبراء الشأن الإنساني أن المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء يتجاوز مهامه الإنسانية إلى لعب دور سياسي كان جليا في ظهوره القوي خلال زيارة رئيس الوزراء السوداني عبدالله حمدوك إلى كاودا معقل رئاسة الحركة الشعبية خلال يناير/كانون الثاني الماضي، قبل أي اختراق في ملف السلام مع مجموعة الحلو.

وفي المقابل، يقول مسؤول في برنامج الغذاء بمكتب الخرطوم للجزيرة نت إن المدير التنفيذي لم يتجاوز مهامه وتفويضه حين سعى لتقريب الشقة بين الحكومة السودانية وجماعة الحلو، فالبرنامج الأممي الذي يعد أكبر عملية إنسانية في العالم ينهض أساسا على تقوية المجتمعات الضعيفة، وهو ما لا يمكن إلا بتحقيق السلام والاستقرار.

ويعد ديفيد بيزلي مهندس هذه الرحلة التي كانت الأولى لمسؤول حكومي رفيع لتلك الأصقاع وشوهد يومها على المنصة الرئيسة للاحتفال بجانب حمدوك والحلو، ليتكرر المشهد ذاته في جوبا هذا الأسبوع حين وقف إلى جانب كل من الحلو ورئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان شابكا يديه مع الرئيس الجنوب سوداني سلفا كير ميارديت، وسط تأكيدات أن الرجل لعب دورا محوريا في اتفاق المبادئ الموقع بين الحلو والبرهان، وقبلها ظهر في الصور التي التقطت لتوقيع عبدالله حمدوك وعبدالعزيز الحلو اتفاقهما في أديس أبابا في 4 سبتمبر/أيلول 2020.

ويعتقد محمد يوسف المصطفى أحد أبرز قيادات الحركة الشعبية بقيادة الحلو أن بيزلي، الذي كان شاهدا على توقيع اتفاق جوبا، نجح في تحويل البرنامج الأممي ليكون أداة لصنع السلام بدل أن يكون إغاثيا.

وتقول السيرة الذاتية لديفيد بيزلي إنه قبل مجيئه إلى منصبه في البرنامج الأممي قضى عقدا من الزمن في العمل مع زعماء بارزين ومديري برامج في أكثر من 100 بلد، ممسكا بدفة المشروعات فيها، وإنه ظل يوالي العمل في بناء الجسور عبر الحدود السياسية والدينية والاثنية مطبقا في البرنامج ما اكتسبه من مهارات على مدى 4 عقود لحشد مزيد من الدعم المادي وإذكاء الوعي العام من أجل مكافحة الجوع في العالم، وحظيت جهوده بالتقدير بحصول برنامج الغذاء على جائزة نوبل للسلام لعام 2020.

ديفيد بيزلي عند تسلمه جائزة نوبل للسلام عن برنامج الغذاء العالمي لعام 2020 (غيتي)

خلفيات سياسية

والمؤكد كذلك أن بيزلي استفاد من خلفيته السياسية كحاكم لولاية كارولينا الجنوبية خلال الفترة من 1995-1999، حيث تقول سفيرة السودان السابقة لدى تايلند سناء حمد، إن الرجل هو من أعد الاتفاق بين البرهان والحلو، وأسسه على قاعدة فصل الدين عن الدولة، وإن بيزلي عرف بمحاربته ومنعه للقمار لأسباب دينية، وكان في الحزب الديمقراطي، ثم انتقل إلى الحزب الجمهوري قبل أن ينضم لركب المحافظين الجدد، وهو اليوم أحد الوجوه البارزة في التيار المسيحي المحافظ في الولايات المتحدة، وينشط  ضمن مجموعة الايفانجليكان المسيحية المتشددة، والتي تؤثر بشدة في صياغة السياسة الخارجية الأميركية، وهذه المجموعة (الإيفانجليكان) النافذة، بحسب كتاب وباحثين أميركيين، جعلت السودان منذ بداية التسعينيات ضمن أولوياتها المهمة لأسباب دينية، كما تقول سناء في مقال كتبته تعليقا على اتفاق المبادئ.

ويذهب الباحث المهتم بالشؤون الإستراتيجية عباس محمد صالح في سياق تعليقه على العلاقة الوطيدة بين الحلو وبيزلي إلى أنها جاءت نتيجة عدة عوامل بينها التاريخ الطويل للوبيات والشخصيات الأميركية المناصرة للمجموعات المسلحة في أطراف السودان.

ويشير في حديثه للجزيرة نت إلى التعاون الوثيق بين برنامج الأغذية العالمي، ومنظمة "ديناميكيات الصراع الدولي" التي تهتم بالوساطة وبناء قدرات التفاوض لعناصر وكوادر الجماعات المسلحة، خاصة تلك التي لم تنضم بعد عملية السلام، كما تهتم المنظمة بالتفاوض حول الوصول وإدخال المساعدات إلى مناطق النزاع.

ويلفت صالح إلى أن البرنامج الأممي ظل ينشط في مناطق عديدة في جنوب السودان، وتندرج في هذه الأنشطة معاقل حركة الحلو، قرب الحدود مع جنوب السودان، ويردف "من هنا ظلت خطوط التواصل مستمرة ومفتوحة مع حركة الحلو، وتحول اهتمام البرنامج عبر مديره التنفيذي من الإنساني إلى السياسي بعد تراجع المواجهات العسكرية".

ويرى أن بيزلي وظّف تركيز المجتمع الدولي على ضرورة شمولية العملية الانتقالية بعد سقوط البشير بإشراك كافة الأطراف المهمة، خاصة المجموعات المسلحة، والحاجة إلى إقناع الحلو، الذي يميز حركته عن بقية أطراف منبر جوبا الأخرى، بتمسكه بأجندة سياسية، ورفضه وضع الحركة في كفة الحركات الأخرى، مما جعل التفاوض معه صعبا.

ويتابع "من هنا برز بيزلي ليلعب دور المُيسر أو المسهّل بتبني أطروحات الحلو ومواقفه، ونقلها إلى المنظمة التي نقلتها إلى الوساطة الجنوبية".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

اتفاق المبادئ الذي وقعه رأس الدولة السودانية عبد الفتاح البرهان وقائد الحركة الشعبية-شمال عبد العزيز الحلو، تمهيدا لمفاوضات السلام، واجه انتقادات بسبب تبنيه فكرة علمانية الدولة حرصا على وحدة البلاد.

Published On 29/3/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة