الاتفاق الصيني الإيراني.. لماذا يشكل مفاجأة من العيار الثقيل لواشنطن؟

تحاول الصين توسيع وجودها ونفوذها في الشرق الأوسط وأصبحت بالفعل الشريك التجاري الأول للعديد من دول المنطقة

وزير الخارجية الإيراني ظريف (يمين) ونظيره الصيني بعد توقيع الاتفاق الإستراتيجي (الأوروبية)

"سننظر ما إذا كانت هناك عقوبات يمكن تطبيقها بعد الشراكة بين الصين وإيران، لكننا لم نطلع بعد على تفاصيل الاتفاقية بين إيران والصين" بهذه الكلمات علقت جين ساكي المتحدثة الرسمية باسم البيت الأبيض على سؤال حول رد الفعل الأميركي على أنباء الاتفاق الأخير بين طهران وبكين.

وكانت الدولتان، اللتان تفرض عليهما واشنطن عقوبات اقتصادية في صورة مختلفة، قد وقعتا السبت الماضي على اتفاقية تعاون مدتها 25 عاما لتعزيز علاقتهما الاقتصادية والسياسية طويلة الأمد وتبلغ قيمتها 400 مليار دولار.

ورأى بعض الخبراء أن ازدياد اعتماد إيران على الصين، والتي تقدم لها شريان حياة اقتصادي حيوي وسط العقوبات الأميركية، يؤدي إلى تعميق نفوذ الصين في الشرق الأوسط وتقويض الجهود الأميركية الرامية إلى إبقاء إيران معزولة بسبب النزاع الذي لم يتم حله بعد بشأن برنامج طهران النووي.

ويُدخل الاتفاق إيران مبادرة الحزام والطريق الصينية، وهي خطة بنية تحتية تقدر قيمتها بتريليونات الدولارات، وتهدف الصين من خلالها لبناء شبكة واسعة من مشروعات البنى التحتية من شرق آسيا إلى أوروبا، وتعد حجر الأساس في تصور بكين لدورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

سنوات من التفاوض

أشارت خبيرة العلاقات الأميركية الصينية بمعهد ستيمسون (Stimson) يون صن -في حديث للجزيرة نت- أن هذه الصفقة "استغرقت فترة طويلة من المفاوضات قبل الإعلان عنها، كنا نعرف ورأينا ملامح الاتفاق المبدئي الصيف الماضي. وفي الواقع، يمكن إرجاع المفاوضات الأولية حول الاتفاق الإستراتيجي إلى يناير/كانون الثاني 2016، عندما زار الرئيس الصيني تشي جين بينغ إيران، تحسباً لفتح البلاد بموجب خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي) وقبل أن يلغيه الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب، كما أن إيران لم تكن متحمسة بشكل خاص لمتابعة الاتفاق مع الصين حيث كان لديها خيارات أخرى، ومع مرور الوقت أصبحت إيران أكثر حماساً".

آثار الاتفاقية على الاتفاق النووي

وعن تبعات الاتفاقية الصينية الإيرانية على مسار إحياء الاتفاق النووي وتخفيف العقوبات المفروضة على إيران، اعتبرت الخبيرة صن أنه إذا "عاد العمل بالاتفاق النووي، فإن تنفيذ الاتفاق الصيني الإيراني سيصبح أكثر صعوبة، حيث سيكون أمام إيران المزيد من الخيارات. ومن هذا المنظور، فإن الصين لديها حافز أقل لدعم إعادة التفاوض على إعادة العمل بالاتفاق النووي".

من جانبها عبرت باربرا سلافين، وهي خبيرة في الشؤون الإيرانية ومديرة مبادرة مستقبل إيران بالمجلس الأطلسي، في حديث مع الجزيرة نت عن اعتقادها أن "الصين يمكن أن تساعد في إحياء خطة العمل الشاملة المشتركة من خلال تشجيع إيران على العودة إلى الامتثال الكامل. ورغم العلاقات العامة المحيطة باتفاق الـ 25 عاماً، لا يمكن لإيران أن تستفيد حقاً من الاستثمار والتجارة مع الصينيين، والحصول على عملتها الصعبة من البنوك الصينية، دون تخفيف العقوبات".

اتخذت إيران خمس خطوات تقليصية حتى الآن تقول إنها تهدف لإنقاذ الاتفاق النووي (الصحافة الإيرانية)تنفيذ الاتفاق الصيني الإيراني الأخير سيصبح أكثر صعوبة في حال حل أزمة البرنامج النووي (الصحافة الإيرانية)

في حين عبر جون كاليبريس، خبير شؤون العلاقات الصينية الشرق أوسطية بالجامعة الأميركية بواشنطن -في حديث مع الجزيرة نت- بأن الصين تدعم عودة العمل بالاتفاق النووي حيث إنها "قد تكون أفضل فرصة لتجنب ظهور امتلاك دول جديدة للأسلحة النووية في منطقة معرضة للصراع وهشة من حيث الاستقرار، وحيث نمت حصص الصين بصور كبيرة من مصادر الطاقة والقطاعات الاقتصادية الأخرى بشكل كبير".

واعتبرت الخبيرة صن أنه يمكن أن يجادل البعض بأن "توقيع الاتفاق سيمثل دفعة للولايات المتحدة للعودة إلى خطة العمل الشاملة المشتركة. ولكن أعتقد أنه بغض النظر عما يحدث لخطة العمل المشتركة الشاملة، فإن الصين مهتمة بمتابعة هذا الاتفاق على أي حال".

مواجهة أميركا في مناطق نفوذها

تحاول الصين توسيع وجودها ونفوذها في الشرق الأوسط، وأصبحت بالفعل الشريك التجاري الأول للعديد من دول المنطقة، وربما وفر تفشي فيروس كوفيد-19 فرصة جيدة لها حيث استغلت دبلوماسية اللقاح لدعم نفوذها الإقليمي.

ومع ذلك، ترى الخبيرة أن "هدف الصين في المنطقة هو أكثر محدودية مقارنة بهدف الولايات المتحدة التي لديها حلفاء وشركاء، وتلتزم في الوقت ذاته بتوفير مظلة أمن إقليمي".

ودعم البروفيسور كاليبريس هذا الطرح، وأشار إلى أن واشنطن تتمتع بنفوذ عسكري ودبلوماسي واسع بالشرق الأوسط، لكن التحدي الحقيقي سيكون في لعب الصين دور مساعدة الخصوم الإقليميين من خلال إيجاد أرضية مشتركة، مع الاستمرار في تحقيق التوازن بين علاقاتها معهم.

الاتفاق الإستراتيجي بين بكين وإيران وضع إدارة بايدن في حيرة بشأن التعامل معه وتبعاته (وكالة الأنباء الأوروبية)

وذكر كاليبريس في حديثه مع الجزيرة نت أن "التحدي الذي يواجه واشنطن يتمثل في تجنب النظر إلى جميع أنشطة الصين في المنطقة من خلال عدسة التنافس بين القوى العظمى، وبالتالي المبالغة في رد الفعل عليها. وسيكون التحدي الذي يواجه بكين وواشنطن على حد سواء هو تقاسم مصالحهما المشتركة في الأمن والاستقرار الإقليميين" بدلاً من التعامل مع الأمر لمجرد أنه امتداد وضحية نهاية المطاف لخلافهما الثنائي.

ويرى كاليبريس أنه في الوقت الذي ترى فيه بكين الولايات المتحدة تبحث عن النفوذ في مناطق متاخمة لها سواء في بحر جنوب الصين أو مع تايوان أو هونغ كونغ، أو موقفها تجاه إقليم شينجيانغ، تحاول الصين من جانبها التسبب في بعض الصداع لواشنطن بالخليج، و"عندما يحين الوقت الذي يتم فيه كسر الجمود بشأن المسألة النووية، ستتذكر واشنطن أنه سيكون للصين مقعد على الطاولة، ولا يمكنك الفوز بدونها".

توقيت مثير لإعلان الاتفاق

تم التوقيع على الاتفاق خلال زيارة وزير الخارجية الصيني وانغ هيي لطهران قبل أيام، في وقت يزيد فيه اهتمام إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن بقضايا شرق آسيا والمحيط الهادي على حساب الشرق الأوسط. وجاءت الزيارة في ظل توتر علاقات واشنطن مع الرياض، وهو ما يمثل فرصة لبكين التي تسعى إلى توسيع نفوذها بأقاليم العالم المختلفة.

ولم تقتصر زيارة وزير خارجية الصين على طهران، بل امتدت لتشمل زيارة عدة دول، بما في ذلك السعودية والامارات والبحرين وعمان وتركيا.

وزير الخارجية الصيني ونظيره الإيراني وقعا الاتفاقية الإستراتيجية بين بلديهما بطهران السبت الماضي (الأوروبية)

وقالت الخبيرة صن إن هذه الاتفاقية تظهر تصميم الصين على مواجهة الولايات المتحدة في ضوء المنافسة المتزايدة بين القوتين الكبيرتين، لقد زار وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بكين، وتبادل الرئيس الصيني الرسائل مع نظيره زعيم كوريا الشمالية كيم جونغ أون، وزار وزير الخارجية وانغ طهران في غضون أيام بعد اجتماع ألاسكا "وهذه ليست مصادفة".

من جانبها رأت الخبيرة سلافين أن توقيت الإعلان عن هذه الاتفاقية -والذي جاء في الذكرى الخمسين لتأسيس العلاقات الحديثة بين طهران وبكين- ربما مثل مفاجأة للولايات المتحدة. ومع ذلك "تبقى إيران أقل شراكة للصين من حيث حجم التبادل التجاري مقارنة بالإمارات والسعودية، وهما من أهم حلفاء واشنطن".

واعتبر كاليبريس أن توقيت الاعلان عن الاتفاقية مثير للاهتمام من عدة جوانب، أولاً: يأتي بعد وقت قصير من لقاء "غير جيد" حظي بتغطية إعلامية واسعة بين كبار المسؤولين الصينيين والأميركيين في ولاية ألاسكا، فضلاً عن الهجمات الكلامية بين الرئيسين بايدن والروسي فيلاديمير بوتين. ويبدو أن التنافس بين القوى العظمى هنا ليبقي ويشكل السياق الأوسع للاتفاقية بين طهران وبكين.

وترى سلافين أن تمدد النفوذ الاقتصادي الصيني في دول المنطقة يعود "في أحد أبعاده من استفادة بكين من حرية الملاحة التي تؤمنها الولايات المتحدة، لذا فنفوذ الصين اقتصادي وتجاري في المقام الأول وليس إستراتيجياً بعد".

في حين اعتبرت الخبيرة صن أن بكين لا تزال تلعب "دوراً ضئيلاً للغاية، وقد تمكنت من اتباع دبلوماسية توازن بين كل الأطراف، السعودية وإيران، العرب والإسرائيليين، وبما أن الولايات المتحدة كانت توفر المظلة الأمنية الأساسية في المنطقة، فليس من العدل مقارنة النفوذ المتنامي للصين في الشرق الأوسط بحجم النفوذ الأميركي الطاغي بالمنطقة".

المصدر : الجزيرة