بعد غياب الأحزاب وإعلام المعارضة .. هل باتت مواقع التواصل صوت المصريين؟

أظهرت العديد من الأحداث وتطوراتها في الفترة الأخيرة، تنامي دور منصات التواصل الاجتماعي حيث أجبرت السلطة على التراجع خطوات للخلف في عدة مواقف آخرها قانون الشهر العقاري.

السلطة المصرية أقرت عدة قوانين للحد من دور منصات التواصل الاجتماعي (شترستوك)
السلطة المصرية أقرت عدة قوانين للحد من دور منصات التواصل الاجتماعي (شترستوك)

رغم حجم القوانين المكبلة والعقوبات الرادعة التي تجعل المرء يفكر مرارا وتكرارا قبل الكتابة في مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، والتي تصل إلى السجن المشدد والغرامات المالية الكبيرة، فقد باتت هذه المواقع هي المنبر الأكثر شيوعا لتعبير المصريين عن آرائهم وآمالهم.

واكتسبت منصات التواصل الاجتماعي، رغم نظرة الريبة الدائمة لها من قبل السلطات المصرية، أهميتها في ظل غياب دور الإعلام وحتى الأحزاب ونواب الشعب، وتقاعسها عن نقل صوت المواطن وتمثيل مصالحه وإلقاء الضوء على الأزمات التي يواجهها.

ولم يعد أمام المصريين سوى وسائل التواصل الاجتماعي للتعبير عن آرائهم، علما بأن السلطة التي اعتادت على الشعور بالقلق تجاه أي تفاعل أو نية للتحرك على الأرض، باتت تشعر أيضا بالقلق إزاء أي تفاعل أو تصاعد للغضب بشأن أي قضية من أي نوع كانت، سواء سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو حتى إنسانية.

وأظهرت العديد من الأحداث وتطوراتها في الفترة الأخيرة، كيف أن هذا التفاعل الجماعي أصبح يؤتي أكله، حيث أجبر السلطة على التراجع خطوات للخلف في العديد من القرارات والقوانين التي يراها البعض جائرة، وأبرزها ما عرف بقانون التصالح في مخالفات البناء، وأخيرا القانون الخاص بالتسجيل بالشهر العقاري الذي أرجأته الحكومة لنهاية العام، ثم أجله الرئيس عبد الفتاح السيسي لمدة عامين.

الشعب يتحدث عن نفسه

ويعتقد مجدي حمدان، نائب رئيس حزب الجبهة الديمقراطية أن "معظم القضايا التي تثار بشكل جمعي على منصات التواصل هي محل مراجعة وتحقيق من قبل الحكومة المصرية".

ويضيف في تصريحات للجزيرة نت أن "هذه المنصات أصبحت بالتالي هي المنبر الإعلامي الوحيد المتحدث باسم الشعب المصري، نتيجة غياب دور البرلمان والمعارضة والصحف والإعلام من جهة، وغلق المناخ العام، وتكميم الأفواه من جهة أخرى".

وألقى حمدان باللوم على نواب الشعب في عدم القيام بدورهم تجاه العديد من القضايا والأزمات، ووصف مجلس النواب (الغرفة العليا بالبرلمان) بأنه ينوب عن الحكومة في الدفاع عن قراراتها والتصديق عليها، ولا ينوب عن الشعب في التعبير عن مشكلاته، وحل قضاياه.

وأرجع حمدان اتجاه السلطة في الفترة الأخيرة إلى متابعة ما يثار على منصات التواصل الاجتماعي إلى الدور التاريخي الذي قامت به هذه المنصات في خروج المصريين ضد نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك في ثورة 25 يناير، ولا يزال يمثل هاجسا قويا لأي حكومة أو نظام يحكم مصر، مشيرا إلى أن المؤسسات السيادية ترفع تقاريرها إلى الرئاسة عندما يتعلق الأمر بأي قضية مثيرة للرأي العام.

السجن والغرامة بالانتظار

ومع ذلك فإن النشر سواء بالكتابة أو الصورة على منصات التواصل غير مأمون تماما، حيث اعتقل بعض المصريين بسبب منشوراتهم في مواقع التواصل، بدعوى نشر أخبار كاذبة، وترويج الشائعات التي من شأنها تكدير الأمن العام، كما في حادثة أزمة نقص الأكسجين وانقطاعه داخل قسم العناية المركزة المخصص لمرضى كورونا بإحدى مدن محافظة الشرقية (دلتا مصر).

وحققت أجهزة الأمن مع الشاب أحمد ممدوح الذي صور مقطع فيديو مطلع العام الجاري من داخل قسم العزل بالعناية المركزة بمستشفى مدينة الحسينية بالمحافظة، وظهر فيه انهيار الطواقم الطبية نتيجة وفاة بعض مرضى فيروس كورونا بسبب نقص الأكسجين.

وأدركت السلطات المصرية دور وسائل التواصل الاجتماعي، وأصبحت أحد أهدافها خلال الأعوام الماضية، وسعت بقوة للسيطرة على المحتوى المتداول عليها من خلال إصدار العديد من القوانين التي تحد من تأثيرها وتتوسع في فرض عقوبات غليظة على ما تعتبره "أخبار كاذبة"، و"إشاعات مغرضة" تستهدف إثارة الرأي العام.

وللحد من دور وتأثير منصات التواصل الاجتماعي، أقرت الحكومة المصرية نحو 4 قوانين تضمنت عقوبات قاسية لمواجهة ما أسمته معاقبة مروجي الشائعات والأخبار الكاذبة وحتى المشاركين فى نشرها، تصل للسجن المشدد، وهي قوانين "العقوبات، مكافحة الإرهاب والكيانات الإرهابية، تنظيم الصحافة والإعلام ومكافحة جرائم تقنية المعلومات".

ثورة الاتصالات نعمة أم نقمة؟

نعمة ونقمة هكذا يراها أستاذ الاتصال الجماهيري ورئيس قسم الصحافة في كلية الإعلام بجامعة القاهرة سابقا الدكتور سليمان صالح، قائلا "إن "ثورة الاتصالات نعمة على الدول الديمقراطية، ولكنها قد تكون نقمة في الدول الاستبدادية".

وفيما يتعلق بإجراءات الحكومة ومراصدها بدعوى مكافحة الشائعات، أكد وكيل لجنة الثقافة والإعلام بمجلس الشعب سابقا، في تصريحات للجزيرة نت، "لو أن الحكومة تفكر في مصلحة شعبها لقامت بإنشاء مراكز بحوث ورصد لتحليل مضمون ما يكتبه المواطنون والاستجابة لقضايا الرأي العام لتعزيز شرعيتها وإرضاء الشعب".

ولو حللنا مضمون ما يكتب على مواقع التواصل الاجتماعي، وفق أستاذ الإعلام، سوف نجد أن غيوم الغضب والسخط تتجمع في سماء المنطقة العربية ومن الممكن اشتعال ثورات جديدة خلال السنوات القليلة القادمة.

وأشار صالح إلى أن الدولة الشمولية لا يمكن أن تستفيد من ثورة الاتصالات وتوابعها؛ لأنها لا تتمتع برضا الشعب عنها وكثير من الدول وخاصة مصر سنجد مضمون محتوى وسائل التواصل عبارة عن غضب عارم جراء الكثير من القرارات والقوانين الجائرة.

أجهزة رصد أم ملاحقة؟

إلى جانب القوانين، قامت الحكومة بإنشاء جهاز دائم يتبع مجلس الوزراء لرصد الشائعات واتخاذ الإجراءات القانونية حيالها، سواء داخليًا أو حتى خارجيًا، ويضم في عضويته ممثلين عن العديد من قطاعات الدولة بما فيها العسكرية والأمنية، بدعوى الحد من ظاهرة انتشار الشائعات.

وحول هذا الوضع قالت "المفكرة القانونية"، وهي منظمة غير ربحية للأبحاث والمناصرة، مقرها بيروت، إنه "مع غياب تداول حقيقي للمعلومات بالنشر وإتاحة بيانات دورية صادرة عن الهيئات المختلفة بالشكل الذي يسمح للصحافة والمواطنين بأداء دورهم الرقابي، ستظل مركزية الحقيقة في أيدي المؤسسات الرسمية فقط، وهو ما سيؤدي بطبيعة الحال إلى التعامل مع أي رأي مخالف لها باعتباره شائعة أو خبرا كاذبا".

الوعي الجمعي للمصريين

المدير العام لقناة "مكملين" الفضائية المعارضة أحمد الشناف، اعتبر أن "ارتفاع مستخدمي الإنترنت في مصر إلى أكثر من 62 مليون مصري وفق وزارة الاتصالات، ساهم في زيادة عدد جمهور السوشيال ميديا، وهم يمثلون قوة ضغط كبيرة، قادرة على منع بعض القرارات أو تعديلها، أو محاسبة بعض الأشخاص، كما في أزمة الإعلامي تامر أمين عندما أساء إلى نساء صعيد مصر".

واعتبر الشناف في تصريحات للجزيرة نت، أن دور منصات التواصل طغى على دور النواب والمعارضة والأحزاب، بسبب التفاعل الكبير إزاء بعض القضايا والقرارات، فالمصريون يغردون يوميا ما يقارب من 3 ملايين تغريدة على تويتر تصدر عن 7.5 ملايين حساب، التي تمثل 18‎% من تغريدات الجمهور العربي في اليوم الواحد.

إضافة إلى أن عدد مستخدمي فيسبوك في مصر بلغ 45.5 مليون مستخدم، بحسب الخبير الإعلامي، وهي أرقام كبيرة إذا تحركت أو تجمعت حول قضية معينة فإنها بكل تأكيد سيكون صوتها مدويا ومسموعا لدى أي نظام وستكون مؤثرة، لأنها تعكس رغبة الشعب بكل أطيافه.

ويقول مراقبون إن التفاعل الكبير حول قضية ما هو إنذار مبكر للحكومة المصرية والجهات التشريعية، يختلف كثيرا عن الآراء الشخصية لبعض رواد التواصل الاجتماعي، وبالتالي لا تستطيع السلطات ملاحقة ملايين الأشخاص، لذلك لابد من احتوائه والاستجابة له.

لكن عادة ما تختلط الأمور على منصات التواصل الاجتماعي، وتتضارب المعلومات، ومرد ذلك هو غياب الحقائق والبيانات الرسمية، مما يفتح الباب أمام عدد لا يحصى من التفسيرات والتأويلات كما هو الحال في قانون تسجيل الوحدات السكنية بالشهر العقاري الذي أثار جدلا واسعا في الشارع المصري.

 

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة