حادث قطاري الصعيد.. ينكأ جراح مرفق السكك الحديدية بمصر

الإهمال وغياب الصيانة قد يتسببان في نحو 30% من حوادث القطارات (رويترز)
الإهمال وغياب الصيانة قد يتسببان في نحو 30% من حوادث القطارات (رويترز)

تقول الحكومة المصرية إنها أنفقت أكثر من 45 مليار جنيه (الدولار يعادل 15.75 جنيها) خلال الفترة بين 2014 – 2020، من أجل تطوير وتحسين مرفق السكك الحديدية، أحد أعرق المرافق في مصر، لكن الواقع يشير إلى أن ذلك لم يمنع من استمرار وقوع كوارث متتالية في هذا المرفق.

وتسبب حادث تصادم قطارين بشكل مروع قرب مدينة طهطا بمحافظة سوهاج في صعيد مصر، الجمعة، في وفاة ما لايقل عن 19 شخصا وإصابة أكثر من 185 آخرين، حيث أظهرت إحدى كاميرات المراقبة اصطدام قطار سريع بآخر من الخلف تحولت على إثره العديد من العربات إلى أشلاء.

وجيء بكامل الوزير وهو ضابط كبير بالجيش برتبة فريق، على رأس وزارة النقل خلفا لهشام عرفات الذي قدم استقالته من منصبه في فبراير/شباط 2019 إثر حادث قطار وقع بمحطة رمسيس الرئيسية في القاهرة، وأودى بحياة 21 شخصًا وإصابة 52 آخرين، لكن تغيير الوزير لم يمنع تكرار الحوادث حتى وقعت الكارثة الأخيرة.

كان كامل الوزير يتولى منصب رئيس الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، وبالتالي كان مسؤولا عن تنفيذ ومتابعة آلاف المشروعات التي ينفذها الجيش منذ عام 2014، وتوسم المصريون في الوزير الجديد -الذي يتسم بالانضباط والعمل الجاد على حد وصف الرئيس عبدالفتاح السيسي- القدرة على وقف نزيف حوادث القطارات.

وأشاد السيسي بالوزير، ووصفه خلال كلمة له في الندوة التثقيفية للقوات المسلحة للاحتفال بيوم الشهيد، في مارس/آذار 2019، بأنه من أكفأ ضباط الجيش، قائلا "أنا بأدي (أقدم) للمرفق ده (لهذا المرفق – السكك الحديدية) واحد (واحدا) من أحسن ضباط الجيش، وده مش (وهذا ليس) معناه أن اللي (الذين كانوا) قبله ماكانوش كويسين (ليسوا جيدين)".

وفي تعليقها على الحادث، قالت هيئة السكك الحديدية المصرية، بعد وقوع الحادث مباشرة، إن اصطدام القطارين كان نتيجة استخدام مجهولين كوابح الطوارئ بالقرب من مدينة سوهاج، في حين تتواصل تحقيقات الهيئات المكلفة وكذلك النيابة العامة التي أمرت اليوم بحبس 8 أشخاص على ذمة التحقيق بينهم سائقا القطارين ومساعداهما و4 من العاملين بأبراج المراقبة.

في الأثناء، يتواصل تساؤل المصريين، لماذا يظل هذا المرفق الحيوي، الذي يقل أكثر من 20 مليون راكب شهريا، وفق الجهاز الحكومي للإحصاء، غير قادر على التطوير، ولماذا لا تتوقف حوادثه ولا كوارثه، رغم ما تنفقه الحكومة المصرية من مليارات الجنيهات من أجل تطويره؟!

 

في تبريره، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال مؤتمر صحفي عقده في سوهاج، حيث وقع الحادث، إنّ الدولة أنفقت المليارات لتطوير السكك الحديدية التي وصفها بأنها متهالكة وطال عليها الزمن، مؤكدا أن التطوير سيأخذ وقتا لأنه ينفذ دون إيقاف خدمات السكك الحديدية، التي يعتمد عليها ملايين المصريين.

ووصف الإعلامي المصري، عمرو أديب، مرفق السكك الحديدية بحاصد أرواح المصريين ومقبرة الوزراء، واقترح، خلال برنامجه التلفزيوني المذاع على إحدى الفضائيات، إيقاف هذا المرفق تماما لحين الانتهاء من إحلاله أو تجديده، أو التسليم باستمرار الكوارث مع استمرار عمليات التطوير!

لكن عضو لجنة النقل في البرلمان المصري سابقا، المهندس محمد فرج، يرى أسبابا أخرى تتعلق باستمرار وقوع الحوادث، وهي "اختلال ميزان أولويات الإنفاق لدى الحكومة المصرية، وإهمال محافظات الصعيد والدلتا، وضعف الإنفاق على مشروعات إحلال وتطوير مرفق السكك الحديدية مقارنة بمشروعات أخرى تنفق عليها مبالغ طائلة".

ورغم أنه أقر بوجود مشروعات لتطوير المرفق المتهالك، فإنه أكد في حديثه للجزيرة نت أن هذا التطوير لا يشعر به ملايين المواطنين لأنه يسير ببطء، ونسبة الإنجازات ضئيلة، إلى جانب وجود قصور كبير في تدريب وتأهيل العمال والمهندسين.

وطالب فرج بمضاعفة الجهود المبذولة في عمليات الإحلال والتجديد، ومضاعفة الإنفاق على هذا المرفق، بدلا من تنفيذ منظومة قطارات جديدة (مكهربة) تخدم طبقات معينة، ومراقبة ومتابعة ما تم تطويره، لأن ما يجري هو تطوير دون متابعة، ما يعني استمرار التهديد بوقوع حوادث أخرى، مشيرا إلى أن الحادث الأخير وقع في جزء المفترض أنه تم تطويره، ولكن أين المتابعة؟!

وكانت الحكومة المصرية أثارت عاصفة من الجدل في الشارع المصري، في مطلع العام الجاري، بعد إعلانها توقيع اتفاق مع شركة سيمنز (Siemens) العالمية، لتنفيذ منظومة متكاملة للقطار الكهربائي السريع في مصر بإجمالي أطوال حوالي ألف كيلومتر، وبتكلفة إجمالية قدرها 360 مليار جنيه (نحو 23 مليار دولار).

وامتلأت وسائل التواصل بالأصوات الناقدة لموقف السلطة، معتبرين أنها تنفق ببذخ على المشروعات التي تهم الأثرياء في مقابل تقتيرها على المشروعات التي تخدم عموم المصريين.

 

إنفاق كبير وحوادث أكثر

في ثنائية متناقضة، زاد حجم الإنفاق بشكل كبير على التطوير والإحلال في المرفق العتيق، لكن في المقابل زاد عدد الحوادث والوفيات والإصابات الناجمة عنها بشكل أكبر.

مطلع العام الجاري، كشف وزير النقل خلال كلمته بالجلسة العامة لمجلس النواب أنه "تم التخطيط لتنفيذ مشروعات سكة حديد بإجمالي عدد 257 مشروعا بإجمالي تكلفة 220 مليار جنيه حتى عام 2024، مشيرا إلى أنه تم الإنتهاء من تنفيذ عدد 177 مشروعا بإجمالي 45 مليار جنيه.

إلا أنه بمراجعة الإحصاءات الرسمية عن حوادث القطارات على موقع الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، فإن أقل فترة شهدت حوادث قطارات هي الفترة ما بين 2006 و2016، حيث بلغت 12 ألفا و236 حادثا فقط، أقلها كان في 2012 بواقع 447 حادثا فقط!

لكن المفارقة أن عدد الحوادث ارتفع إلى 1793 حادثا في عام 2017، و2044 حادثا في عام 2018، و1863 حادثا في 2019، وهي السنوات التي شملتها عملية التطوير والتحديث، أو الإحلال والتجديد.

حسب تقرير أصدره البنك الدولي في ديسمبر/كانون الأول 2018، تعتبر مصر أنها بحاجة إلى إنفاق نحو 10 مليارات دولار على إصلاح السكك الحديدية، البالغ طولها نحو 10 آلاف كيلومتر، وذلك في الفترة بين عامي 2019 و2029.

للخلف در

في تعليقه على الأمر، اعتبر محافظ البحيرة الأسبق، أسامة سليمان، أنه "ما دامت الأنظمة التي تحكم مصر بمبدأ الولاءات للولاءات فهي (للخلف در)، لأن الأصل في معالجة أي مشكلة هي الشفافية، وإسناد الأمور إلى المتخصصين وأصحاب الكفاءات".

وأكد للجزيرة نت، أن الخطأ البشري في الحادث الأخير واضح للعيان، فكيف استمر القطار الثاني في السير حتى لحق بالقطار الأول الذي كان يتأهب للوقوف، لكن من الواضح أن تكرار حوادث الاصطدام يدل على وجود ظاهرة، وهي تعبر عن فشل في منظومة الإدارة على جميع المستويات من الموظف وحتى الوزير.

وانتقد سليمان صرف مليارات الجنيهات على منظومة تقف على رأسها إدارة فاشلة، لافتا إلى أنه لا توجد دراسة واحدة تم عرضها على البرلمان حول معالجة ورفع كفاءة السكك الحديدية المتهالكة والعمال والمسؤولين، وبالتالي فإن استمرار غياب الدراسات الحقيقية والخروج منها بحلول جذرية، والاعتماد على مسكنات ستظل معها المآسي تتكرر من وقت لآخر.

ضغوط وكوارث

ولمعرفة حجم الضغط البشري على هذا المرفق، الذي يعد ثاني أقدم مرفق في العالم بعد بريطانيا، وأنشئ في منتصف القرن التاسع عشر، فقد استقله 256.7 مليون راكب خلال عام 2018، مقابل 243.7 مليون راكب في 2017، وفق جهاز الإحصاء المصري.

وعلى مدى الأعوام الثلاثة الأخيرة سقط العشرات بين قتيل ومصاب في العديد من الحوادث، من بينها مصرع 41 راكبا وإصابة أكثر من 120 في اصطدام قطاري ركاب في مدينة الإسكندرية في أغسطس/آب عام 2017.

وفي فبراير/شباط 2018، قتل 12 راكبا وأصيب 39 في حادث تصادم قطاري ركاب بمحافظة البحيرة، شمال القاهرة.

وفي فبراير/شباط 2019، قتل 22 راكبا وأصيب العشرات إثر اصطدام قطار بحاجز خرساني بمحطة القطارات الرئيسية في القاهرة.

من جهته، قال السياسي المصري وأستاذ الهندسة الميكانيكية، عمرو عادل إن "مشكلة قطاع النقل في مصر لها مستويان، الأول هو عدم اقتناع الطبقة الحاكمة بمصر أن الشعب المصري له حقوق عليهم، والثاني هو انهيار الكفاءة الفنية للمجتمع بشكل عام، وتوغل الفساد، لذلك تعاني كل قطاعات مصر من انهيار كبير في المستوى التقني".

وانتقد في حديثه للجزيرة نت، إنفاق تريليونات الجنيهات على مشروعات كبيرة مثل العاصمة الإدارية والمدن الجديدة والقطارات فائقة السرعة وغيرها، والتي تتعلق بالطبقة الحاكمة، لا الشعب، وبالتالي فإن الأزمة أعمق من مجرد حصرها في الإنفاق والإصلاح، مؤكدا أن الأزمة في الإدارة والحكم.

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة