آلة إعلامية جديدة.. لمصر أم للسلطة؟

مؤشرات عديدة أظهرت عدم اهتمام الناس بإعلام السلطة سواء كان مكتوبا أو مشاهدا (الجزيرة)
مؤشرات عديدة أظهرت عدم اهتمام الناس بإعلام السلطة سواء كان مكتوبا أو مشاهدا (الجزيرة)

انتقد خبراء إعلام ومراقبون تصريحات وزير الخارجية، سامح شكري، حول ضرورة امتلاك مصر لآلة إعلامية قوية، باعتبار هذه التصريحات اعترافا بفشل الآلة الحالية، التي ابتلعت مبالغ طائلة بدون جدوى، ما يعني أن الأمر يحتاج لطريقة مختلفة.

وقبل أيام قال شكري إن مصر تحتاج آلة إعلامية نافذة تستطيع أن تصل للآخرين وتكون مؤثرة، وهذا يحتاج إلى جهد وإمكانيات، لافتا إلى أن "جماعة الإخوان الإرهابية لديها آلة إعلامية قوية تستهدف الاستقرار في مصر، وليس من مصلحتها إظهار الإيجابيات" على حد قوله.

وفي تصريحات صحفية خلال رده على انتقادات دولية للحكومة المصرية في ملف حقوق الإنسان، قال شكري إن وزارة الخارجية تبرز البيانات، التي توضح "الإنجازات والتطور الذي يحدث، ولا يستطيع أحد إنكار حجم الجهد المبذول في مجال حقوق الإنسان".

ورأى مراقبون في تصريح وزير الخارجية المصري اعترافا رسميا بفشل الإعلام المحلي في الوصول للناس وإقناع المصريين بـ"إنجازات" الحكومة، رغم الأموال الضخمة التي جرى إنفاقها على الإعلام المحلي.

ليس الأول

الجدير بالذكر أن تصريح شكري ليس الأول في سياق انتقادات مسؤولين بالدولة لأداء الإعلام المحلي؛ بل سبقه إلى ذلك قبل شهور وزير الإعلام نفسه أسامة هيكل، بتصريحات جلبت عليه هجوما حادا من الإعلاميين المقربين من السلطة، حيث قال فيها إن "الأعمار أقل من 35 سنة، وهم يمثلون حوالي 60% أو 65% من المجتمع، لا يقرؤون الصحف ولا يشاهدون التلفزيون"، مطالبا بـ"التفكير في نمط حياة هذه الفئات".

وفور نشر الوزير لمنشوره على صفحته الشخصية، شن مذيعون وصحفيون يعملون في صحف وفضائيات مملوكة للنظام أو مقربة منه هجوما حادا عليه معتبرين أنه يردد مقولات "إعلام الأعداء" في إشارة إلى الفضائيات المصرية المعارضة بالخارج، ويقدم لهم "مادة خصبة للنيل من سمعة الإعلام المصري"، وبلغ الأمر لوصف صحف مملوكة لجهاز المخابرات هيكل بأنه أداة في يد الإخوان.

ولم يكن وزير الإعلام هو أعلى مسؤول بالنظام المصري ينتقد إعلام النظام، حيث سبق لرئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي نفسه أن وجه انتقادات للإعلام عبر تصريحات في مناسبات متفرقة، مطالبا الإعلاميين المصريين بضرورة الاهتمام بالقضايا التي تهم الناس.

وأظهر السيسي اهتماما مبكرا بامتلاك ما أسماه "أذرعا إعلامية"، حيث تحدث عن ذلك منذ كان وزيرا للدفاع في عهد الرئيس الراحل محمد مرسي قبل أن يقود انقلابا عسكريا في 3 يوليو/تموز 2013 عطل الدستور وعزل الرئيس المنتخب.

 

 

ورغم هذه الانتقادات الرسمية لفشل إدارة ملف الإعلام المحلي، تستمر شركات مملوكة لأجهزة أمنية أو شخصيات مقربة من السلطة في الاستحواذ على وسائل إعلام محلية مكتوبة ومرئية، وكانت قناة "المحور" الخاصة آخر المحطات التي انتقلت ملكيتها مؤخرا لشخصيات قريبة من الدولة؛ إذ اشتراها نائب رئيس حزب "مستقبل وطن" محمد منظور.

وقالت مصادر صحفية بصحيفة "المصري اليوم" للجزيرة نت إن صفقة بيع الجريدة لصالح إحدى الشخصيات المقربة من الدولة في طور الانتهاء.

وتمتلك شركة المتحدة للخدمات الإعلامية، وهي مملوكة لجهاز أمني، عدة صحف وفضائيات منها "الدستور" و"الوطن" وقنوات "دي إم سي" (dmc) و"أون" (ON) والنهار إضافة إلى عدة مواقع خبرية منها "مبتدأ".

وعدّ الكاتب الصحفي سليم عزوز في منشور له بصفحته الشخصية تصريحات شكري اعترافا بالفشل أمام فضائيات مكملين والشرق، التي تبث من الخارج، مشيرا إلى أنه رغم كل الترسانة الإعلامية التي بحوزة السيسي يريدون نافذة إعلامية.

واعتبر مدونون تصريحات شكري اعترافا جديدا يضاف إلى تصريحات سابقة من مسؤولين آخرين في السياق نفسه، وهوجموا بسببها.

 

وبدورهم، تلقى مذيعو القنوات الفضائية المصرية المعارضة بالخارج تصريح وزير الخارجية بمزيد من الاهتمام، وعدّوه اعترافا بإهدار أموال ضخمة في إعلام فاشل، بينما الإعلام المصري الذي يهاجمه باعتباره إعلاما إخوانيا يدار بجهود ذاتية وبأقل الإمكانيات.

الأفعال أجدى من آلة الأقوال

وأوضح خبير الإعلام عاطف عبد الجواد أن المشكلة التي لا يلتفت إليها وزير الخارجية المصري، هي أن أفضل آلة للترويج لإنجازات الحكومة هي الأفعال لا الكلام أو التغطيات الإعلامية في مصر.

ولفت عبد الجواد في حديثه للجزيرة نت إلى أنه "من النادر أن يعتمد الإعلام الدولي أو الحكومات الأجنبية أو مؤسسات حقوق الإنسان أو العالم بصورة عامة على ما تقوله آلة الإعلام المصري"، مضيفا أنه "ربما كانت هناك إنجازات حقيقية في مصر؛ لكن هناك في المقابل سلبيات كبيرة تمحو جزءا كبيرا من الأثر الإيجابي لهذه الإنجازات".

وأكد خبير الإعلام أن أسلوب هذه الآلة الإعلامية خاطئ؛ لأنه يقوم على عنصرين يسهمان في إلحاق الهزيمة الذاتية بالرسالة الإعلامية، أولهما هو "التطبيل والتهليل" لمستويات الحكم العليا في البلاد، وفق عرف محلي يقول إن "الصحافة يمكن أن تكون صديقة الحكومة"، بينما المفترض أن الصحافة والحكومة "ليسا صديقين؛ بل إن الصحافة رقيب على الحكومة".

أما العنصر الثاني الذي يسهم في إلحاق الهزيمة الذاتية بالرسالة الإعلامية، فهو غياب مفهوم الاعتراف بالخطأ سواء على مستويات الحكم المختلفة أو على مستوى التصريحات الحكومية المختلفة أو توجهات وممارسات وسائل الإعلام، وفق تعبيره.

وتابع عبد الجواد قائلا إن الناس يعلمون أنه لا توجد ملائكة في الحكم، والتظاهر بوجود ملائكة لا تخطئ هو بحد ذاته إسهام في إلحاق الهزيمة الذاتية بالرسالة الإعلامية، والمبدأ الإعلامي الفعال بسيط جدا، ومفاده أنه إذا استطاع الناس أن يصدقوك في اليوم "الأسود"، فسوف يصدقونك في اليوم "الأبيض".

وما سبق يعني في تقدير عبد الجواد الحاجة إلى إعلام مستقل يمكن التعويل على كلامه، وإلى ضمان حماية الصحفيين، وإلى تغيير التربية الإعلامية ونشوء ثقافة الاعتراف بالخطأ علنا، ولو بصورة جزئية، مؤكدا أن المصريين محتاجون إلى اجتثاث الإعلام الراهن من جذوره، وغرس بذرة جديدة لا الاعتماد على إصلاحات سطحية تكررت عدة مرات منذ العام 1952.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة