تعرف على أول زعيم مسلم لحزب بريطاني في التاريخ

أنس سروار لم يكمل عقده الرابع (37 سنة) ويسير بخطى ثابتة على طريق والده محمد سروار الذي كان أول مسلم بريطاني يفوز بمقعد برلماني سنة 1997، و"من شابه أباه فما ظلم"

أنس سروار مع عائلته خلال حملة انتخابية لحزب العمال الأسكتلندي في 2017 (غيتي)
أنس سروار مع عائلته خلال حملة انتخابية لحزب العمال الأسكتلندي في 2017 (غيتي)

لا يجد حرجا في التصريح بخلفيته المسلمة وأصوله الباكستانية، وترافقه زوجته المحجبة في كل المناسبات الرسمية، إنه الشاب أنس سروار الذي بات حديث الأوساط السياسية والإعلامية، بعد أن أصبح أول مسلم في المملكة المتحدة يقود حزبا سياسيا في البلاد.

وتمكن أنس سروار من الفوز بقيادة حزب العمال في أسكتلندا، ليكون أول شخص من الأقليات يصل لهذا المنصب في تاريخ المملكة المتحدة، بعد أن حظي بتأييد 57.6% من أعضاء الحزب، مقابل 42.4% لمنافسته على المنصب مونيكا لينون.

لم يكمل سروار عقده الرابع (37 سنة)، ولكنه يسير بخطى ثابتة على طريق والده محمد سروار، الذي كان أول مسلم بريطاني يفوز بمقعد برلماني سنة 1997، و"من شابه أباه فما ظلم".

والواقع أن سروار لم يتكل أبدا على إرث والده السياسي، بل شق طريقه بشكل مستقل، وأثبت نفسه في الكثير من المحطات السياسية، وراكم تجربة من خلال الاحتكاك مع جهابدة العمل السياسي في المملكة المتحدة.

ذكريات الطفولة

بيد أن النجاحات التي حققها الشاب سروار لن تمحو من ذاكرته العديد من الذكريات المؤلمة التي عاشها في طفولته، حين كان أبوه يكافح بدأب ليرسم مساره السياسي، ويكتب قصة صعوده وسط تحديات كبيرة.

لم تكن الأخبار السارة هي فقط ما تصل مسامع العائلة المزهوة بالصعود السياسي لوالدها؛ فقد كانت رسائل من نوع آخر تصل بيت العائلة وتثير القلق والخوف.

ويتذكر ابن مدينة غلاسكو على نحو خاص أن والدته تلقت في تلك الأثناء مغلفا عليه صورتها وصورة مسدس يوجه إليها، ورسالة تقول إن قتلها سيكون سهلا، وذلك ردا على فوز زوجها بمقعد في البرلمان، ولا تزال تلك الذكرى عالقة في ذهن أنس، ولهذا كان أول ما أكده بعد فوزه بمنصبه الجديدة "الوحدة والاحتفاء بالتنوع ونبذ العنصرية".

أنس سروار يفوز بسباق القيادة العمالية الأسكتلندية (غيتي)

من الطب إلى السياسة

غير أن "رسائل" العنصرية وأنواع المضايقات لم ينالا من عزيمة أنس، الذي قرر سنة 2010 ترك وظيفته طبيبا للأسنان، ليقتحم عالم السياسية، ويفوز بمقعد في البرلمان البريطاني، وهو المقعد نفسه الذي سبق أن فاز به والده محمد، ولكن طعم الفوز لم يكتمل، حيث تزامن فوزه بالمقعد مع خسارة حزب العمال الأغلبية وخروجه من الحكومة للمعارضة.

استفاد أنس من خلال عمله البرلماني لمدة 5 سنوات من العمل عن قرب مع قيادات في حزب العمال، وكان له دور مهم في حملة رئيس الوزراء البريطاني الأسبق غوردن براون من أجل اختيار قيادة جديدة لحزب العمال، في المقابل لم يكن زعيم الحزب السابق جيرمي كوربن يثير إعجابه.

استغل أنس كل خبرته في قيادة الحملات الانتخابية، لتكريسها خلال الاستفتاء المصيري الذي عرفته أسكتلندا سنة 2014 من أجل الانفصال، وكان حينها من المؤيدين للبقاء، وعرف بأنه من مهندسي حملة الدفاع عن البقاء في المملكة، واشتهر في تلك الأثناء بقيامه بجولة في كل أسكتلندا عبر حافلة يقودها وحده ترويجا لخيار البقاء.

ولمع نجم أنس أكثر عام 2014 عندما لعب دورا كبيرا في قيادة الحزب، بعد استقالة زعيم العمال في أسكتلندا، ولكنه مع ذلك فقد مقعده البرلماني سنة 2015 لصالح الحزب الوطني الأسكتلندي.

لم يستسلم أنس، بل رفع التحدي من جديد، وعاد للبرلمان الأسكتلندي في العام التالي، بل ورفع سقف التحدي عاليا عندما خاض لأول مرة المنافسة على قيادة حزب العمال الأسكتلندي، وحينها لم ينجح في نيل الأغلبية الكافية، في مواجهة منافسه ريتشارد ليونارد، الذي خاض حملة شرسة ونجح في اللعب على ورقة كانت محرجة لأنس، وهي الكشف عن شركة تابعة لعائلته كانت تدفع للعاملين أجورا أقل من الحد الأدنى القانوني.

فرض الرجل نفسه بوصفه واحد من قيادات حزب العمال في أسكتلندا، وبات له صوت مسموع ورأي راجح في السياسة، وأصبح المسؤول عن الشؤون الصحية في الحزب، ثم بعد ذلك المتحدث في الشؤون الدستورية داخل الحزب.

ودخل في معركة حقيقية مع قيادة حزب العمال في أسكتلندا، التي كانت توصف بأنها قيادة يسارية تابعة لزعيم الحزب في بريطانيا جيرمي كوربن، بل إن أنس قام بكتابة رسالة مفتوحة يعلن فيها صراحة اعتراضه على إعادة ترشيح جيرمي كوربن لقيادة الحزب.

منحت تلك المعارك مع قادة حزب العمال أنس تجربة سياسية وظفها بشكل جيد، للظفر بمنصب زعيم الحزب في أسكتلندا، لكن طريقه لن تكون مفروشة بالورود، بل بالكثير من التحديات.

امتحان الانتخابات

تنتظر الزعيم الجديد لحزب العمال معركة حقيقية؛ فالانتخابات البرلمانية في أسكتلندا على بعد أسابيع فقط، وأغلب استطلاعات الرأي تتوقع خسارة مهينة جديدة للحزب، كما أن الحزب الوطني الأسكتلندي ينزل بكل ثقله للحصول على أغلبية مريحة لخوض حرب الحصول على استفتاء انفصال جديد.

ويجرّ حزب العمال خلفه سلسلة من الخسائر الانتخابية منذ سنة 2007، والكثير من التغييرات في قيادة الحزب، وانعدام الاستقرار التنظيمي، ويعلم أنس أنه لم يتسلم حزبا قويا، حيث أضعفته ضربات كثيرة والعديد من الخيبات الانتخابية.

وتظهر استطلاعات الرأي أن الحزب الوطني الأسكتلندي سيتصدر الانتخابات المقبلة، يليه حزب المحافظين، ثم العمال في المركز الثالث، وفي حال نجح أنس في قلب المعادلة أو على الأقل احتلال المركز الثاني سيكون ذلك بمثابة إنجاز يحسب له، ويقوي موقفه السياسي في أسكتلندا.

ومن المتوقع أن يستفيد من دعم زعيم حزب العمال في بريطانيا كير ستارمر، الذي رحب في تغريدة له بانتخاب أنس، وأكد تحمسه للعمل معه.

وبلغة واقعية تحدث سروار عن وضع حزب العمال، حيث أكد -في أول تصريح له- أن الأسكتلنديين لم يحصلوا على حزب العمال الذي يستحقونه، مؤكدا أن أولويته ستكون محاربة انعدام المساواة وغياب العدالة الاجتماعية، ومواجهة العنصرية وخطاب التقسيم.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة