ثلث الأميركيين تعزز إيمانهم بسبب الجائحة.. هل يعيد كورونا الدول الصناعية إلى الدين؟

دراسات سابقة أظهرت حدوث ارتفاع طفيف في ممارسة الشعائر الدينية بعد أن يعاني الناس من كارثة (شترستوك)
دراسات سابقة أظهرت حدوث ارتفاع طفيف في ممارسة الشعائر الدينية بعد أن يعاني الناس من كارثة (شترستوك)

مع أن الدين أصبح شأنا شخصيا في كثير من الدول الصناعية، لكنّ الأزمات المتعددة التي تعيشها البشرية لا تنفك ترفع المسألة الدينية إلى مستوى الشأن العام؛ لما يمكن أن يضطلع به الدين من أدوار في التخفيف من آثار المصائب البشرية.

وإذ ألقى وباء فيروس كورونا بظلاله على كل الجوانب الحياتية للأفراد بما فيها الدين، مع محاولات الأنظمة السياسية والاقتصادية الحديثة تحييده وعزل تأثيره، فقد ظهر أن الدين لا يزال حاضرا على المستوى الفردي والمجتمعي رغم المد العلماني الطاغي في تلك الأنظمة.

فكشفت دراسة استقصائية نشرها "مركز بيو للأبحاث" (Pew Research Center) نهاية يناير/كانون الثاني الماضي عن أن عدد الأميركيين الذين يقولون إن تفشّي مرض كورونا عزّز إيمانهم الديني أكثر من عددهم في البلدان الأخرى المتقدمة اقتصاديا.

وأفادت الدارسة التي أجريت في 14 دولة متقدمة اقتصاديا بأن نحو 3 من 10 أميركيين (28%) تسبّب الوباء في تقوية إيمانهم الشخصي، في حين قال 10% فقط من البريطانيين إن إيمانهم زاد بسبب الوباء، وأقل منهم في اليابان حيث قال 5% من مواطنيها إن الدين يؤدي الآن دورا أقوى في حياتهم.

ومع أن الاستطلاع أشار إلى أن الأغلبية في جميع البلدان التي شملها الاستطلاع لا تشعر أن الإيمان الديني قد تعزز بسبب الوباء، إلا أن نسبا معتبرة أثبتت أن الدين لا يزال حاضرا في حياة تلك الشعوب ولو بنسب متفاوتة.

وأشار المركز -المتخصص في أبحاث الدين والحياة العامة- إلى دراسات سابقة أظهرت حدوث ارتفاع طفيف في ممارسة الشعائر الدينية بعد أن يعاني الناس من كارثة، وجاء في تقرير صادر عن المركز نُشر في أكتوبر/تشرين الأول 2020 أن ما يقارب ثلث الأميركيين (35%) يقولون إن الوباء يحمل درسا أو أكثر من الله.

وتتباين ردود الشعوب على الأسئلة المتعلقة بالمعتقد الديني، مما يعكس الاختلافات في الطريقة التي ينظر بها الناس في البلدان المختلفة إلى دور الدين في حياتهم الخاصة والعامة.

باحثون يؤكدون أن التجمعات الدينية لا غنى عنها في مكافحة الأزمات المختلفة (الأوروبية)

ففي أوروبا التي شهدت علمنة سريعة بدءا من القرن الـ19، يقول عدد قليل نسبيا من الناس إن الدين مهم جدا في حياتهم؛ في إيطاليا 25%، وفي هولندا 17%، وفي السويد 9% فقط.

ورغم أن الولايات المتحدة شهدت أخيرا بعض الاتجاهات نحو العلمنة، بما في ذلك نسبة متزايدة من السكان الذين لا يعتنقون أي دين، وانخفاض نسبة الأشخاص الذين يرتادون الكئانس أو دور العبادة بانتظام، فإن الدين لا يزال يضطلع بدور قوي في الحياة الأميركية، إذ يقول ما يقارب نصف الأميركيين (49%) إن الدين مهم جدا في حياتهم، مقارنة بـ20% في أستراليا، و17% في كوريا الجنوبية و 9% فقط في اليابان.

وعلى النقيض من الولايات المتحدة، فإن في إسبانيا وإيطاليا، وهما من أكثر الدول الأوروبية تديّنا، يرى واحد من كل 6 أشخاص تقريبا أن عقيدتهم الدينية قد نمت بسبب الوباء.

وتعزو دراسة مركز بيو دور الدين المتنامي نسبيا في حياة الأميركيين إلى ارتفاع نسبة المتدينين في المجتمع الأميركي مقارنة مع مجتمعات أخرى ذوات طابع غربي.

ورغم أن من قالوا إن إيمانهم قد تعزز في ظل جائحة كورونا أكثر نسبيا ممن قالوا بضد ذلك، فإن الناس، وبوجه عام، لا يلمسون في البلدان المتقدمة كثيرا من التغيير في عقيدتهم الدينية نتيجة هذا الوباء، إذ يقول 10% فقط إن إيمانهم الديني أصبح أقوى نتيجة تفشي فيروس كورونا، في حين أن 85% يرون أن عقيدتهم الدينية لم تتغير كثيرا.

وترتبط التصورات إزاء تأثير الوباء في الدين بمستوى التزام الناس أساسا بمعتقداتهم؛ فالأشخاص الأكثر تدينا هم أكثر عرضة من أقرانهم الأقل تدينا للقول إن فيروس كورونا عزز إيمانهم وإيمان الآخرين في بلدانهم.

 الثروة والتعليم

وللثروة والتعليم أيضا أدوار مهمة في بعض البلدان؛ فالأشخاص ذوو الدخل المنخفض والتعليم الأقل أكثر ميلا إلى حد ما من غيرهم إلى القول إن الوباء قد عزز إيمانهم الديني.

وقد أجرى مركز بيو هذا الاستطلاع في المدة من 10 يونيو/حزيران إلى 3 أغسطس/آب 2020، على 14 ألفا و276 بالغا في 14 دولة هي الولايات المتحدة، وإسبانيا، وإيطاليا، وكندا، وأستراليا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، وكوريا الجنوبية، وبلجيكا، وهولندا، وألمانيا، واليابان، والسويد، والدانمارك.

وفي خضم الجدل عن تأثير الدين والمجتمعات المتديّنة، والأدوار التي يمكن أن يؤديها الدين في ظل الأزمات، نشر "معهد الحرية الدينية" (Religious Freedom Institute) مقالا لمتخصصين أكاديميين يبرز كثيرا من الأمثلة والدراسات التاريخية التي تثبت أن المجتمعات والمنظمات الدينية لا غنى عنها في مكافحة الأزمات المختلفة ومن بينها أزمة "كوفيد-19″، بما تقدمه من دعم مادي ومعنوي للأفراد في مواجهة الأزمة.

وأشار المقال إلى عدد من الدراسات والمنشورات التي تربط الحضور الديني في حياة الأشخاص بجوانب مختلفة من الصحة العقلية والجسدية، فضلا عن النتائج الإيجابية الأخرى، مثل انخفاض الجريمة والانحراف، وتقليل تعاطي المخدرات، وإصلاح الجناة.

وذهب المقال إلى أن الحضور المنتظم للناس في الطقوس والمناسبات الدينية يظهر مستويات أعلى من الرفاهية الذاتية، وأكد أن المجتمعات والوزارات الدينية ضرورية في أوقات الأزمات، بما في ذلك هذا الوباء الذي لا تزال تعانيه البشرية كافة في الوقت الحاضر.

المصدر : مواقع إلكترونية

حول هذه القصة

تفيد دراسة إحصائية جديدة بأن التحول الصناعي وانتشار المعرفة العلمية المعاصر لم يتسببا في اختفاء الدين، لكن التحولات الهائلة منذ عام 2007 كانت بمثابة انقلاب في مسار ازدهار الأديان في العصر الحديث.

26/6/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة