على هامش أزمة تامر أمين.. كيف يقبع صعيد مصر بمؤخرة قطار التنمية؟

مدن وقرى الصعيد من بين الأكثر فقرا في مصر (الجزيرة)
مدن وقرى الصعيد من بين الأكثر فقرا في مصر (الجزيرة)

مخدرات وتجارة آثار وأسلحة غير مرخصة ومطاريد وعادة الأخذ بالثأر.. هكذا تجسد الدراما والسينما المصرية صعيد مصر، نراها في كلاسيكيات الدراما المصرية الشهيرة مثل "ذئاب الجبل"، و"حلم الجنوبي"، أو الإنتاجات الأحدث مثل مسلسل "طايع" وفيلمي "الجزيرة".

وعلى نفس الخط، يستمر الإعلام في تشويه صورة الصعيد، ومؤخرا أثارت تصريحات الإعلامي تامر أمين ردود فعل واسعة بعد اتهامه أهل الصعيد بالسعي لإنجاب الأطفال كي ينفق هؤلاء الأطفال -أبناء وبنات- عليهم، فضلا عن اتهامهم بعدم اهتمامهم بتعليم أبنائهم، وإرسال بناتهم للعمل خادمات في القاهرة، على حد تعبيره.

وبعيدا عن تصريحات الإعلامي الشهير -التي لقيت نقدا كبيرا واضطرته للتراجع والاعتذار- فإن الواقع يشير إلى أن صعيد مصر غاب لعقود من الزمن عن خريطة مشروعات التنمية والتطوير الحكومية، ليسوده الفقر والجهل وتعاطي المخدرات وغياب الخدمات الصحية باعتراف الحكومات المصرية المتتابعة، فهل من جديد على هذا الصعيد؟

الصعيد الأكثر فقرا

ارتفعت معدلات الفقر في مصر بين عامي 2016 و2018 بنسبة 4.7%، بسبب تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي وما صاحبه من تعويم الجنيه المصري في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، مما تسبب في تكلفة على المجتمع والدولة المصرية.

وكان الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر قد أعلن ارتفاع معدلات الفقر إلى 32.5% من عدد السكان بنهاية العام المالي 2018/2017، مقابل 27.8% لعام 2016/2015.

وتعتلي محافظات صعيد مصر قمة ترتيب المحافظات الأكثر فقرا، حيث تأتي محافظة أسيوط في الصدارة بنسبة فقر تبلغ 66.7%، ثم محافظة سوهاج 59.6%، والأقصر بنسبة 55.3%، ثم المنيا 54%، ثم قنا 41%.

ويشير تقرير الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى أن نحو 64 قرية في محافظتي أسيوط وسوهاج تتراوح نسبة الفقر بين سكانها بين 80 و100%، كما تعاني نحو 236 قرية في سوهاج من الفقر بنسبة 87% من قرى المحافظة، مسجلة النسب العليا بين القرى الألف الأكثر فقرا في مصر.

أطفال يتخذون من حضن الجبل بمحافظة أسوان جنوبي مصر ملعبا لكرة القدم (الأوروبية)

الأكثر تعاطيا للمخدرات

ولا يقتصر الأمر على الفقر، بل تتصدر محافظات الصعيد قائمة المحافظات الأكثر تعاطيا للمخدرات والتدخين حسب دراسة قام بها صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطي والمركز القومي للبحوث الجنائية والاجتماعية والأمانة العامة للصحة النفسية.

ووفقا لوزيرة التضامن الاجتماعي الدكتورة نيفين القباج، فقد جاءت محافظة المنيا في المركز الأول في عينة الفحص للتدخين بنسبة 51.8% من سكانها، تليها محافظة سوهاج بنسبة 47.4% من السكان، كما احتلت سوهاج أيضا المرتبة الأولى في قائمة ترتيب المحافظات التي يتعاطى سكانها المواد المخدرة بنسبة 12.2%.

بدوره، يعدد الدكتور مصطفى عبد الخالق نائب رئيس جامعة سوهاج لشؤون البيئة وخدمة المجتمع الأسباب التي تجعل سوهاج مركزا لتعاطي المواد المخدرة وارتفاع نسبة المدخنين، موضحا أن من أهمها ارتفاع مستوى الفقر والأمية، وتدني المستوى الثقافي لأساليب التربية والتنشئة الاجتماعية.

نقص الخدمات

تتصدر محافظات الصعيد قائمة القرى المحرومة من التعليم الأساسي، حيث إن هناك العشرات منها محرومة تماما من وجود أي مدرسة.

كما يفتقر الصعيد إلى المستشفيات المتخصصة التي عادة ما تتركز في القاهرة والإسكندرية، مما يدفع أبناء الصعيد لشد الرحال إلى العاصمة لتلقي العلاج وإجراء الفحوصات الطبية.

كما تتصاعد شكاوى أهالي مدن كاملة في الصعيد من قلة عدد المستشفيات التي تخدم مدنا وقرى كبيرة، وافتقادها للخدمات الأساسية.

وخلال جلسة لمجلس النواب مع وزيرة الصحة الدكتورة هالة زايد هذا الشهر طالب نواب الصعيد بالاهتمام بالمستشفيات في محافظات الصعيد.

أطفال الصعيد مثل بقية أطفال مصر يعملون من أجل مساعدة آبائهم على كسب القوت (الأوروبية)

تطوير تأخر كثيرا

من جهتها، تقول الحكومة المصرية إنها تولي اهتماما خاصا بالصعيد وتطويره بعد سنوات طويلة من الإهمال، مطلقة عددا من المشروعات القومية التي تهتم بالصعيد، منها برنامج تنمية الصعيد الذي تنفذه وزارة التنمية المحلية بالاشتراك مع البنك الدولي باستثمارات تصل إلى نحو 18 مليار جنيه.

ويركز البرنامج على تنمية محافظتي سوهاج وقنا، لكونهما تحتلان مرتبة متدنية في مؤشرات الفقر ومعدلات التنمية.

ويشمل البرنامج تشييد محطات لمياه الشرب والصرف الصحي، وإقامة ورصف الطرق بين قرى ومدن سوهاج وقنا، ومشروعات أخرى لتغطية الترع وإنارة الشوارع وتوفير خدمات الإطفاء.

وبينما يركز برنامج تنمية الصعيد على محافظتين فحسب يحاول مشروع "حياة كريمة" الحكومي تطوير نحو 1400 قرية مصرية محرومة من الخدمات الأساسية في 20 محافظة، أغلبها في محافظات الصعيد.

وتشمل المبادرة -التي تستمر حتى العام المقبل- أفقر القرى المصرية، حيث تم اختيار أفقر 143 قرية في العام الأول 2019/2018، فضلا عن اختيار أفقر 232 قرية في العام الثاني 2020/2019.

وفي بني سويف -وهي إحدى محافظات شمال الصعيد- يستهدف مشروع حياة كريمة نحو مليون مواطن في 66 قرية بمركزي ناصر وببا.

ويشير محافظ بني سويف الدكتور محمد هاني غنيم إلى أن خدمات الصرف الصحي تصل إلى 13 قرية فقط من الـ66 قرية الموجودة ضمن المبادرة، وسيقوم المشروع الحكومي بتوصيل الخدمات لكل قرى مركزي ببا وناصر.

شبكة الطرق تمتد للصعيد

وتزامنا مع تنفيذ شبكة من الطرق -التي توليها السلطة الحالية اهتماما كبيرا- تنفذ الحكومة حاليا شبكة من المحاور في الصعيد، منها طريق الصعيد الصحراوي الغربي، ومحور ديروط على النيل، مع التخطيط لإنشاء نحو 14 محورا على نهر النيل في الصعيد، لربط شرق وغرب النهر تسهيلا لنقل المواطنين بتكلفة تبلغ 18.5 مليار جنيه.

والملاحظ أن البرامج الحكومية لتطوير محافظات الصعيد تأتي بعد نحو نصف قرن من الإهمال، مما ساهم في تزايد مشكلات الصعيد، وهو ما يجعل حلها صعبا ويتطلب المزيد من الوقت والجهد والمال والمثابرة.

كما تأتي البرامج الحكومية بالتعاون مع جهات أجنبية مثل البنك الدولي، أو ضمن برامج زمنية وجغرافية محدودة، ولا يمكن التنبؤ بدرجة استمرارها حتى تشمل جميع محافظات الصعيد.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

برزت في الانتخابات الأخيرة ظاهرة المال السياسي، سواء بدفع ملايين الجنيهات للالتحاق بقائمة السلطة، أو إنفاق ملايين أخرى على الدعاية والرشى وشراء الأصوات، فلماذا يسعى هؤلاء وراء كرسي البرلمان؟

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة