من أبو ظبي إلى باريس.. كفاح طالبة قطرية تجاوزت المضايقات والإهانات بعزيمة قوية

الطالبة القطرية جواهر المير أُجبرت على مغادرة أبو ظبي بعد الحصار الذي فُرض على بلادها في يونيو/حزيران 2017 (رويترز)
الطالبة القطرية جواهر المير أُجبرت على مغادرة أبو ظبي بعد الحصار الذي فُرض على بلادها في يونيو/حزيران 2017 (رويترز)

كانت الفتاة القطرية، جواهر المير، مفتونة دائما بفرنسا ولغتها وثقافتها، ولذلك أعلنت لوالديها عن رغبتها في الدراسة بالخارج، واختارت جامعة السوربون؛ إلا أنها أجبرت على مغادرة السوربون في أبو ظبي إلى باريس؛ بسبب الحصار السعودي الإماراتي المفروض على قطر.

وفي تقرير لمجلة "لوبوان" (Le Point) الفرنسية، تقول جواهر (26 عاما) "أردت أن أكون أول شخص في عائلتي يتابع دراسته خارج قطر، أردت أن أحقق شيئا مختلفا لنفسي ولبلدي. لقد سمعت الكثير عن جامعة السوربون".

في عام 2015 وجدت جواهر وعائلتها أن باريس ليست مناسبة؛ لأن فرنسا وقتها كانت تحت صدمة تفجيرات شارلي إيبدو، وبالتالي وقع الخيار على السوربون في أبو ظبي الأقرب ثقافيا وجغرافيا إلى قطر، لتسجل فيها الفتاة.

كانت جامعة السوربون قد افتتحت لها فرعا في الإمارات عام 2006 بعد اتفاق بين المؤسسة الفرنسية المرموقة ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي في أبو ظبي، لاستقبال ما يقرب من ألف طالب معظمهم من الخليج؛ مما يمنحهم ميزة الدورات المكثفة التي يقدمها مدرسو اللغة الفرنسية.

تتذكر الطالبة القطرية التي التحقت بالجامعة عام 2016 لمتابعة شهادة مزدوجة في علم الاجتماع والفلسفة، مقابل أجر قدره 40 ألف يورو لكل فصل "كنا 4 طلاب في كل فصل أثناء الدروس الموجهة، شيء يشبه الدروس الخصوصية، كل شيء أعد لتسهيل الفهم علينا، كانت الوتيرة أبطأ مما هي عليه في فرنسا".

550 طالبا قطريا

تعيش جواهر في شقة تستأجرها طوال العام في أبو ظبي، وهي مع ذلك قريبة من عائلتها، التي تزورها في غالبية العطلات؛ لأن قطر لا تبعد عن الإمارات إلا ساعة واحدة في الطائرة، كما يقول الكاتب.

وخلال أسبوع إجازتها في الدوحة بمناسبة شهر رمضان، علمت الفتاة صباح يوم 5 يونيو/حزيران 2017 أن بلدها أصبح محاصرا من جيرانه الخليجيين، وطُرد مئات المواطنين القطريين، واضطرت جواهر المير مع ما يقرب من 550 طالبا قطريا مسجلين في إحدى دول الحصار إلى قطع تعليمهم.

تتذكر الشابة التي ما تزال متأثرة للغاية أنها سمعت الخبر على التلفزيون، "في البداية لم آخذ الأمر على محمل الجد؛ لأنني اعتقدت أن الأمر يتعلق فقط بالحكومات، وليس على مستوى الشعب.. لم أتخيل للحظة أنه يمكن أن يصل إليّ".

غير أن الثقة والهدوء يتحولان فجأة إلى قلق، عندما تجد الفتاة أن أصدقاءها وزملاءها يحذفونها الواحدة تلو الآخر من فيسبوك، خوفا من قانون إماراتي جديد يعاقب على "التعاطف" مع قطر، وبعد أسبوعين وصلتها رسالة إلكترونية من جامعة السوربون بأبو ظبي تعطيها مهلة 20 يوما لنقل ملفها إلى جامعة السوربون في باريس، بدون أي تعويض.

تقول جواهر "لقد صُدمت ولم أعرف ماذا أفعل؛ لأنني أعلم أن كل أشيائي ما تزال في شقتي بأبو ظبي، ولم أستطع الاتصال بأي شخص هناك. اضطررت إلى استئجار شركة نقل وإعطائهم التعليمات عبر سكايب. كانت صدمة نفسية حقيقية".

واجهت جواهر المير صعوبات جمة في سنتها الأولى بباريس (الجزيرة)

الحياة الباريسية الصعبة

هذه المرة، دفعت خطورة الوضع والدي جواهر المير إلى عدم معارضة رحيلها إلى فرنسا -كما يقول الكاتب- ووصلت الفتاة إلى فرنسا في أغسطس/آب 2017، مستفيدة من منحة دراسية منحتها لها السلطات، وهي فرصة تحسد عليها بالمقارنة مع العشرات من مواطنيها الذين اضطروا للعودة إلى بلادهم؛ ولكن متاعبها لم تنته عند هذا الحد.

في البداية أقامت جواهر المير في فندق؛ لكن استئجار غرفة بملحقاتها كان مستحيلا بدون حساب مصرفي، كما أن أغراضها الشخصية التي ما تزال عالقة في جمارك مطار شارل ديغول لا يمكن الحصول عليها بدون عنوان ثابت، تقول "كان الانتقال الاضطراري المفاجئ إلى باريس أصعب ما لاقيت في حياتي. اضطررت إلى ترك المدرسة في منتصف النهار للذهاب إلى البنك ومحاولة فتح حساب. لم يكن لدي أي أصدقاء ولم يعرفني أحد في الكلية، وحتى المعلمين لا يعرفون شيئا عن وضعي".

بعد هذا الانتقال تهاوت النتائج الأكاديمية الجيّدة للطالبة -كما يقول الكاتب- من معدل 13 إلى 8 من أصل 20 في باريس؛ لكن الشابة لم تقبل بالهزيمة، وأصرت ألا تضيع سنتها، وأن تثبت لنفسها ولعائلتها أنها تستطيع أن تفعل ذلك بمفردها، كما تقول.

صعود المنحدر

جامعة السوربون (الجزيرة)

وعلى مدى الأشهر وبالقيام بالواجبات المنزلية الإضافية، تمكنت القطرية من صعود المنحدر، واستفادت أخيرا من تعليم أرقى في جامعة باريس "قد نكون 300 في المدرج، كانت جودة الدورات بالفعل أعلى من تلك الموجودة في أبو ظبي"، كما تقول.

في النهاية آتت جهود الطالبة أكلها وربحت عامها الجامعي في ربيع 2018 بمعجزة؛ إلا أن طعم هذا "النصر" ما يزال مرا، كما تقول "لقد صدمت لأنني حُرمت من التعليم بسبب جنسيتي. من غير المقبول استخدام الاسم المرموق لجامعة السوربون الفرنسية، لتلبية أجندة سياسية".

منتدى الأمم المتحدة

وحرصا منها على نشر قصتها، لجأت جواهر المير إلى وكالات للعلاقات العامة؛ مما سمح لها بالإدلاء بشهادتها على منصة البرلمان الأوروبي في فبراير/شباط 2019، وعلى منصة مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في الشهر التالي، وقالت إنها تعرضت لإهانات إماراتية على شبكات التواصل "زعمت الإمارات مرارا وتكرارا أنه لم يحدث شيء للطلاب القطريين أثناء الحصار؛ لكنني كنت دليلا على عكس ذلك، والسؤال الذي طرحته هو لماذا حرمونا من التعليم؟ ولم أتلق ردا عليه حتى الآن".

وفي هذا السياق، رفعت قطر الأمر إلى محكمة العدل الدولية في عام 2018 واستخلصت منها أنه يمكن لطلابها مواصلة دراستهم في الإمارات، ورغم ذلك، رفضت أعلى محكمة في الأمم المتحدة طلب الدوحة بإدانة أبو ظبي بسبب "التمييز العنصري على أساس الجنسية".

بعد 3 سنوات ونصف من الاضطرار إلى مغادرة السوربون في أبو ظبي على عجل، رحبت جواهر المير باستئناف العلاقات الدبلوماسية في 5 يناير/كانون الثاني بين قطر ودول الحصار.

وقالت الطالبة، التي لم تنه دراستها، بعد إن "السلام مفيد لجميع هذه البلدان، ومن الملائم للغاية رؤية كل هذه العائلات معا مرة أخرى. هذه المصالحة يجب ألا تجعلنا ننسى كل ما كان على الطلاب القطريين أن يمروا به؛ لأنني لا أريد أن يحدث ما حدث مرة أخرى في يوم من الأيام".

المصدر : الصحافة الفرنسية

حول هذه القصة

تستمر قطر باستثماراتها الاقتصادية، مبتعدة عن الإخفاق الاقتصادي الذي تعيشه دول الخليج، ومع توسع كشوفات الغاز، تتحول قطر لفاعل دولي لا يمكن كبحه، فالغيرة من قطر اقتصادية، وستظل موجودة ومتصاعدة.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة