زيادة السكان بمصر.. ثروة حقيقية أم عبء على التنمية؟

يرفض الخبير الاقتصادي عبد النبي عبد المطلب كافة النظريات التي تتحدث عن كون الزيادة السكانية معوقا للتنمية، مؤكدا أن البشر مورد اقتصادي مهم

السكان في الداخل والخارج هم المصدر الأول لدخل الحكومة المصرية (رويترز)
السكان في الداخل والخارج هم المصدر الأول لدخل الحكومة المصرية (رويترز)

في بلد كمصر يتخطى عدد سكانه الـ100 مليون نسمة تطرح السلطة الحاكمة الزيادة السكانية باعتبارها خطرا يعيق خطط التنمية، في حين ترى أصوات اقتصادية أن المواطنين هم المنتجون والمستهلكون الذين يديرون عجلة السوق والاقتصاد ككل.

ومؤخرا، زادت التحركات الحكومية من أجل مواجهة الزيادة السكانية، وأصبح اعتياديا أن تشمل تصريحات المسؤولين الرسميين -وعلى رأسهم رئيس الجمهورية- كلاما عن أعباء تفرضها معدلات الإنجاب المرتفعة، وتبرر بالتالي الدعوات إلى تحديد النسل.

والأسبوع الماضي، تحدث الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي عن حاجة البلاد إلى تريليون دولار لتتناسب مع أعباء النمو السكاني، مضيفا أن ارتفاع معدلات التنمية يحتاج إلى انخفاض المعدل الإنجابي ليصبح "أقل من طفل للأسرة الواحدة".

لكن المثير أن ما يقوله السيسي وما ردده وراءه كبار مسؤوليه ورموز الإعلام التابع له بشأن العبء السكاني يتعارض في مضمونه مع ما صرح به مسؤولون في حكومته وكشفت عنه جهات رسمية من كون المواطنين هم أصحاب اليد العليا في تغذية إيرادات الدولة.

ففي ظل ما شهدته مصر في السنوات الماضية من تراجع في مجالات الصناعة والزراعة وحتى في إيرادات مرفق مهم كقناة السويس يبقى الناس أنفسهم هم مصدر الدخل الرئيسي للحكومة المصرية، سواء من يعيش منهم داخل البلاد أو من غادروها إلى الخارج.

فحسب تقرير لوزارة المالية، شكلت الضرائب التي يدفعها المصريون الأغلبية الساحقة لإيرادات الدولة المصرية، حيث وصلت نسبتها إلى 76.4% من إيرادات الدولة في العام المالي 2019-2020، أي نحو 601.4 مليار جنيه من أصل 787 مليارا.

أما من خرجوا للعمل خارج مصر فإن تحويلاتهم بالعملة الأجنبية تمثل المصدر الأول للدخل القومي، حيث بلغت قيمتها في العام المالي 2019-2020 نحو 27 مليار دولار حسب تقارير البنك المركزي كما ذكرت وزيرة الهجرة نبيلة مكرم للإعلام المحلي، علما بأن عدد المصريين العاملين بالخارج بلغ نحو 13 مليونا، بنسبة نحو 13% من إجمالي عدد السكان.

‎⁨عمال خلال افتتاح تفريعة قناة السويس التي افتخرت بها السلطة كثيرا (الجزيرة)

شعب شاب

قد تكون الحكومة في أزمة حقيقية إذا كانت النسبة الكبرى من شعبها في مراحل العجز التي تحتاج رعاية أكثر مما تقدر على المساهمة في الإنتاج، غير أن الإحصاءات الرسمية تقول إن قرابة نصف سكان مصر حوالي 47% في الفئة العمرية ما بين 15 و44 سنة، ونحو 26% أقل من 10 سنوات.

وذلك يعني أن مصر بلد شاب يمكن الاستفادة من ثروته البشرية في تسريع عجلة النمو حسب مراقبين اقتصاديين.

ووفق مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء، تصدّر الشباب المصريون المركز الأول في إنتاجية العامل على مستوى القارة الأفريقية بالكامل.

واعتمد المركز الحكومي في تقريره على مؤشر "معدل إنتاجية العامل في أفريقيا 2020" الصادر عن مجموعة البنك الأفريقي للتنمية.

لكن السلطة ترى أن هناك فجوة بين عدد السكان ومؤشرات التنمية، وحسب مسؤولين حكوميين فإن معدل النمو الاقتصادي لا بد أن يساوي 3 أضعاف معدل النمو السكاني.

وتقول البيانات الرسمية إن معدل النمو الاقتصادي المصري وصل في عام 2019 إلى 5.6%، فيما تراوح معدل النمو السكاني بين 2 و2.5%، مما يعني أن معدل النمو الاقتصادي يحتاج إلى أن يصل إلى قرابة 9%.

وأوضحت دراسة أعدها مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية التابع لحزب مستقبل وطن صاحب الأغلبية البرلمانية -الذي يعد بمثابة حزب السلطة- أن خطورة الزيادة السكانية تكمن في التوزيع الجغرافي غير المتوازن للمواطنين، حيث يقطن مجمل السكان في 7.8% فقط من مساحة مصر البالغة مليون كيلومتر مربع، مما يمثل ضغطا على المرافق العامة، ويؤدي إلى التكدس المروري وتدهور البنية التحتية.

وأضافت الدراسة أن الزيادة السكانية تشكل ضغطا على الموارد الاقتصادية للدولة، من زيادة النفقات العامة وانعكاس على عجز الموازنة، وضغط على الخدمات الاجتماعية الحكومية، بالإضافة إلى زيادة نسب الإعالة ومعدلات البطالة ونسب الفقر.

 

السكان مورد مهم للاقتصاد وفق خبراء اقتصاديين (الجزيرة)

ثروة سكانية

من جهته، وصف أستاذ الاقتصاد في جامعة أوكلاند الأميركية الدكتور مصطفى شاهين السكان بالقوى العظمى للاقتصاد، مضيفا أن النظريات العلمية تعتبر المواطنين أحد العناصر الأساسية لأي عملية إنتاجية.

وأوضح شاهين للجزيرة نت أن البشر هم أكبر سوق منتج ومستهلك، فكلما زاد عدد السكان زادت الحاجة لمزيد من بناء المصانع والاستثمار في الزراعة، مما يعني تشغيل الأيدي العاملة.

وبالقياس على حالة الاقتصاد المصري فإنه لا يلبي احتياجاته الأساسية من المنتجات الزراعية والصناعية، وبالتالي يزيد الاستيراد وترتفع نسبة البطالة، ثم تخرج التصريحات الحكومية لتتحدث عن انخفاض النمو ملقية اللوم على السكان، حسب قول شاهين.

وفي نفس الإطار، رفض الخبير الاقتصادي الدكتور عبد النبي عبد المطلب كافة النظريات التي تتحدث عن كون الزيادة السكانية معوقا للتنمية، مؤكدا أن البشر مورد اقتصادي مهم.

بل على العكس، فمصر تستمد أهميتها الاقتصادية من كونها سوقا كبيرا فيه ما يزيد على 100 مليون مستهلك، حسب قول عبد المطلب للجزيرة نت.

واستطرد "هذا الكم الهائل من المستهلكين يولد طلبا كبيرا على السلع والخدمات، والطلب الفعال هو المحرك الأساسي للإنتاج"، موضحا أن المشكلة تكمن في انعدام التخطيط، ومؤكدا أن المطلوب ليس تنظيم النسل، ولكن حسن إدارة الموارد.

وعن العمالة المصرية في الخارج، قال الخبير الاقتصادي إنها تحول لمصر أكثر من 26 مليار دولار سنويا، وهو أكبر مما تصدره البلاد في عام كامل.

طوق النجاة

على عكس النظريات التي تعتبر النمو السكاني ميزة وليست خطرا، رأى الكاتب الصحفي أحمد التايب أن الزيادة في عدد السكان تعمل على ارتفاع معدلات البطالة وتعوق الحركة داخل المجتمع وتشكل معوقا للأسرة المصرية في معيشتها اليومية ومستقبلها.

وفي مقال نشر بصحيفة اليوم السابع القريبة من السلطة تحت عنوان "تنظيم الأسرة طوق النجاة للحد من الزيادة السكانية" دعا التايب إلى ضرورة الاستجابة الشعبية للدعوات الحكومية بخصوص تحديد النسل.

ومع ذلك، رأى التايب أن انخفاض عدد السكان أو توقف نموهم ليسا دليلا على التقدم، وأضاف "ولهذا يجب على الحكومة وهي في حربها لمواجهة الظاهرة أيضا تكييف الاقتصاد مع الزيادة السكانية، واستغلال القوى البشرية".

وطرح الكاتب الصحفي أساليب لتكييف الاقتصاد مع الزيادة السكانية، منها تطبيق سياسات التوسع في كافة القطاعات، خاصة القطاع الزراعي، والاستفادة من تجارب دول كانت نموذجا في استغلال القوى العاملة، مثل الصين وماليزيا.

إحصاءات مغلوطة

المثير أن ثمة شكوكا بشأن التعداد السكاني في مصر، ثم حول الأهداف الحكومية من تبني خطط لتحديد النسل بناء على حسابات مغلوطة وفق خبراء، ومنهم المحلل الاقتصادي الدكتور وائل النحاس الذي يقول إن الساعة السكانية لا تعبر عن الواقع الحقيقي في مصر، معتبرا وصول عدد المصريين إلى 100 مليون نسمة أمرا غير محسوم حتى الآن.

وبرهن النحاس على رأيه -في تصريحات صحفية- من خلال الإشارة إلى ثبات استهلاك مصر من القمح من سنة 2011 حتى 2020 رغم زيادة التعداد السكاني أكثر من 20 مليون نسمة حسب البيانات الرسمية، فضلا عما يزيد على 5 ملايين وافد عربي خلال السنوات الأخيرة.

واستطرد "كان لدينا 8 ملايين فدان تم تبوير مليوني فدان منها بسبب التعديات على الأراضي الزراعية، ورغم ذلك لدينا فائض خضروات، وارتفاع في أرقام الحاصلات الزراعية"، موضحا أن أرقام التعداد السكاني المعلنة لا يتم حذف الوفيات منها.

وتساءل النحاس مستنكرا "كيف يكون لدى الحكومة حصر لعدد المصريين في حين أن وزارة التموين لا تستطيع حصر المنتفعين من البطاقة التموينية؟".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ليس جديدا أن تدعو السلطة المصريين إلى تحديد النسل، وليس جديدا أن تستعين في سبيل ذلك بفتاوى دينية، لكن يبدو أن المواطنين يتشككون في نوايا السلطة ويتشككون أكثر في تلك الفتاوى حتى وإن التزم بعضهم بها

22/2/2021

أثار خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن تسويغ تقصير نظامه في مجال التعليم غضب المنصات المصرية، خاصة بعد أن طالب المصريين بتحديد النسل قبل أن يسألوا عن جودة التعليم.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة