تجدد أزمة المناهج الدراسية في مصر بدعوى مواجهة التطرف

جدل بعد تصريحات نائب وزير التعليم في مصر عن توجيهات بتقليص آيات القرآن في المناهج (مواقع التواصل)
جدل بعد تصريحات نائب وزير التعليم في مصر عن توجيهات بتقليص آيات القرآن في المناهج (مواقع التواصل)

امتدت قضية تجديد الخطاب الديني المثيرة للجدل في مصر، والتي أخذها الرئيس عبد الفتاح السيسي على عاتقه قبل سنوات، إلى المناهج الدراسية في المدارس؛ باعتبارها المدخل الأسهل لتطبيق رؤية السلطة فيما تريده من "تنقيح" لمناهج التربية الدينية والتاريخ واللغة العربية على وجه الخصوص.

وناقشت لجنة الدفاع والأمن القومي بالبرلمان -قبل أيام- خطة وزارة التربية والتعليم في مواجهة التطرف والإرهاب، بحضور رضا حجازي نائب وزير التعليم، حيث تم الترحيب بتدريس مادة جديدة تتعلق بالقيم المشتركة بين كل الأديان ومبادئ التسامح والمواطنة والعيش المشترك.

إلى هنا كانت الأمور تسير بشكل طبيعي، إلى أن صرح نائب وزير التعليم بأن "هناك توجيهات (دون أن يحدد مصدرها) لاقتصار النصوص الدينية على مادة الدين فقط"، ردا على سؤال بوجود أمثلة لنصوص دينية في مناهج غير منهج الدين، حسب صحيفة اليوم السابع وغيرها.

ووصف عضو لجنة الدفاع والأمن القومي النائب فريدي البياضي وضع نصوص دينية في مواد اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا بأنه يشكل "خطورة كبيرة"، ويعطي مجالاً لمدرسين غير مؤهلين لتفسير تلك النصوص تفسيرات متطرفة وهدامة، على حد زعمه.

هذه التصريحات أثارت انتقادات واسعة من قبل خبراء ومتخصصين وسياسيين، إلى جانب استغرابهم مناقشة القضية في لجنة الدفاع والأمن القومي، وليس في لجنة التعليم المنوط بها مسألة مراجعة المناهج الدراسية مع مسؤولي الوزارة.

وبعد يومين من الجلسة، نفى حجازي (نائب وزير التعليم) ما تردد على مواقع التواصل الاجتماعي بشأن حذف الآيات القرآنية والأحاديث النبوية من مادة اللغة العربية والتاريخ، بذريعة أن ذلك يعمل على نشر الأفكار المتطرفة.

مسألة تجديد الخطاب الديني التي تبناها الرئيس السيسي وتداعت لها المؤسسات الدينية الرسمية والصحفية والإعلامية، لم تغفل النصوص الدينية في المناهج الدراسية، ووضعتها ضمن أولوياتها في معركتها التي تقول إنها تستهدف الإرهاب ومنابعه.

وكان تطوير المناهج الدراسية بدعوى تنقيحها من المواضيع والنصوص الخاطئة، ضمن توصيات منتدى الوسطية الذي عقد في مايو/أيار 2015 بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية بوزارة الأوقاف تحت عنوان "تجديد آليات الخطاب الديني"، حيث طالبت الوثيقة "بتطوير المناهج الدراسية، وطريقة تكوين الدعاة، فضلا عن الدعوة لتعاون مؤسسات وقطاعات الدولة لإنتاج خطاب يتناسب مع ظروف العصر".

ويرى مراقبون أن القضية تتعلق أيضا بمواجهة أفكار تيارات إسلامية سياسية بعينها، ولكنها تظل حكرا على مراجعات السلطة والتيارات الليبرالية، وكذلك المؤسسات الدينية الرسمية، ومن بينها الأزهر الذي فضل التريث والتحرك وفق آلياته الخاصة، التي لم ترق للسلطة إلى حد بعيد.

وكان لافتا ما حدث قبل سنوات، وبالتحديد في أبريل/نيسان 2015، عندما قامت وكيلة وزارة التربية والتعليم بمحافظة الجيزة بثينة كشك بحرق عشرات الكتب في فناء إحدى المدارس، في واقعة جاءت بعد دعوة الرئيس السيسي إلى تجديد الخطاب الديني، وتفنيد كتب التراث مطلع عام 2015، بدعوى أنها تحرض على العنف والإرهاب.

لكن منظمات حقوقية -من بينها المنظمة المصرية لحقوق الإنسان (محلية)- أعربت عن قلقها البالغ إزاء الواقعة، واعتبرتها انتهاكا صارخا لحرية الإبداع الفني والأدبي المكفولة بموجب الدستور المصري والمواثيق والاتفاقيات الدولية المعنية بحقوق الإنسان.

ودعا السيسي في خطاب بثه التلفزيون الرسمي في يناير/كانون الثاني، أمام حشد من رجال وعلماء الأزهر بمناسبة الاحتفال بذكرى المولد النبوي؛ إلى "ثورة دينية"، مشيرا إلى أنه لا يقصد ثوابت الدين، لكن الأفكار المتشددة التي اكتسبت قدسية على مدى عدة قرون.

محاولات قديمة متجددة

وفي معرض تعليقه، تساءل البرلماني المصري وعضو لجنة التعليم سابقا الدكتور محمود عطية: "ما علاقة لجنة الدفاع والأمن القومي بمناقشة قضايا المناهج الدراسية في المدارس؟" وأضاف أن "القرآن منهاج حياة وليس مادة تدرس، وهناك ارتباط وثيق وقوي بين اللغة العربية ومادة الدين".

وأوضح في حديثه للجزيرة نت أن الأمر ليس جديدا، فقد كانت هناك محاولات سابقة لتدريس مادة تسمى "الأخلاق" في المدارس للطلاب، ولكنها فشلت بسبب وجود معارضة برلمانية وقتها ونواب غير مسيطر عليهم، أما الآن فلا أتوقع أن يعارض أحد أي مقترح في هذا الصدد.

طمس الهوية الإسلامية

أما وكيل اللجنة الدينية بالبرلمان المصري سابقا الدكتور محمد الصغير، فقد انتقد ما اعتبره محاولات دؤوبة منذ سنوات لطمس الهوية الإسلامية لمصر، وقال إن "هناك محاولات تبذل منذ 7 سنوات تمثل كل حلقة من حلقاتها عدوانا على الدين الإسلامي عقيدة وشريعة".

وحذر في تصريحات صحفية للجزيرة نت من أن المرحلة المقبلة قد تشهد استبدال كتاب التربية الدينية بكتاب الأخلاق أو القيم المشتركة، وتصبح هي المادة الأساسية، كما هي الحال في البلدان الأوروبية، وتصبح مادة مستقاة من جميع الأديان السماوية، مما يعني تمييع الإسلام لدى النشء".

وأكد الصغير أنه لا يمكن فصل اللغة العربية عن النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، وأي توجه بفصلهما يهدف إلى تقليص أثرهما في نفوس الناس، كما أنه عدوان على اللغة العربية، واتهام صريح للنصوص الدينية بأنها تغذي التطرف والإرهاب، مضيفا أن الملفت في الأمر مناقشة الموضوع في لجنة الأمن والدفاع القومي، في ظل صمت لجنة التعليم واللجنة الدينية وحزب النور ذي التوجه السلفي.

مقصلة تعديل المناهج

مسألة مراجعة المناهج الدراسية في مصر مستمرة منذ سنوات، ليس وفق مقتضيات تطوير التعليم وإنما هوى النظام، حسب الخبير التربوي والتعليمي علي اللبان، الذي أشار إلى أن من شروط اتفاقية كامب ديفيد الموقعة بين مصر وإسرائيل عام 1978؛ تعديل المناهج لتصبح أكثر قوة وإيجابية تجاه السلام، وبناء عليه تمت مراجعتها وصياغتها بما يتفق مع متطلبات السلطة.

وأضاف للجزيرة نت أنه منذ ذلك الوقت والأمور تسير على نهج التخفف من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية، والمواضيع المرتبطة بهما، وعمدت وزارة التعليم في مصر عام 2015 إلى حذف دروس كاملة عن صلاح الدين الأيوبي وعقبة بن نافع، بدعوى أنها تحرض على العنف.

وكانت وزارة التربية والتعليم شكلت لجنة من الخبراء التربويين في مارس/آذار 2015 لمراجعة مناهج مراحل التعليم "لتنقيحها من كافة الأفكار التي تدعو إلى العنف والتطرف"، وكذلك الأفكار السياسية والدينية التي يمكن إساءة فهمها، بالإضافة إلى إزالة الحشو والتكرار، طبقا لبيان وزاري.

وأعرب اللبان عن مخاوفه من تحول الدين في المناهج الدراسية إلى مجموعة من القيم المشتركة؛ بهدف طمس الهوية الإسلامية للطلاب المسلمين، معتبرا أن ذلك يخالف القانون، ودور الدولة، فقانون التعليم 139 لسنة 1981 ينص على تكوين الدارس تكوينا ثقافيا وعلميا وقوميا، ولا يتأتى ذلك إلا بالقيم الإسلامية.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة

حول هذه القصة

السجال الأخير في مؤتمر الأزهر عن “تجديد الفكر الإسلامي” يحكي الكثير بشأن مضمون خطاب التجديد الديني بمصر السيسي، والصراع الذي يدور بين المؤسسة الدينية والمؤسسة السياسية، وتصور السلطة للشأن الديني.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة