5 سنوات من "الموت السريري".. ماذا قدم أبو الغيط للعمل العربي؟

MIDEAST ISRAEL EGYPT
أبو الغيط عندما كان وزيرا لخارجية مصر في لقاء مع وزيرة خارجية إسرائيل آنذاك تسيبي ليفني (الأوروبية)

استقرت مصر على إعادة ترشيح وزير خارجيتها السابق أحمد أبو الغيط، الأمين العام الحالي للجامعة العربية، لولاية ثانية مدتها 5 سنوات، في وقت تشهد فيه المنطقة العربية أوضاعا مضطربة تشمل تمييعا للقضية الفلسطينية التي طالما كانت القضية الرئيسية للعرب، وسيلا غير مسبوق من اتفاقيات التطبيع مع إسرائيل، خلافًا للعديد من الصراعات السياسية والعسكرية المتأزمة.

وقالت الرئاسة المصرية، السبت، إن الرئيس عبد الفتاح السيسي وجه رسائل إلى أشقائه القادة العرب عن اعتزامه إعادة ترشيح أبو الغيط أمينًا عامًا للجامعة لفترة ثانية، والتطلع لدعم القادة لهذا الترشح.

وفي الوقت الذي كان ترشيح أبو الغيط المرة الأولى قد لقي انتقادات كبيرة بالنظر إلى شخصيته ومواقفه السابقة، أكد محللون ودبلوماسيون أنه لم يكن خيارًا ناجحًا على رأس منظمة إقليمية تمت هندستها بحيث يكون من الصعب والمستحيل أن تتوافر لديها أية إنجازات.

وتميزت السنوات الخمس الماضية بعدم وجود مشاريع تنموية عربية مشتركة أو سياسة ومواقف موحدة، في ظل تهديدات إقليمية ودولية وضعت العالم العربي في بؤرة الحدث الدولي، خلافًا لتمزيقه جغرافيًا وأهليًا في أكثر من بلد.

وتنتظر مصر انعقاد الدورة العادية لمجلس وزراء الخارجية العرب في مارس/آذار المقبل، لإقرار انتخاب أبو الغيط الذي تنتهي ولايته آخر يونيو/حزيران المقبل، في وقت لم تعلن فيه أية دولة أخرى الدفع بمنافس له.

ومنذ تأسيس جامعة الدول العربية عام 1945 بالقاهرة، جرى العرف أن يشغل منصب الأمين العام شخصية دبلوماسية مصرية، باستثناء تجميد عضوية القاهرة 11 سنة في أعقاب توقيعها اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1979، الذي يعد أبو الغيط أحد مهندسيه إذ عمل مستشارًا سياسيًا وقانونيًا لوفد البلاد أثناء مفاوضات كامب ديفيد بالولايات المتحدة.

وحسب المعتاد، فإن منصب الأمين العام، الذي تعاقب عليه 8 شخصيات (7 مصريون وواحد تونسي) تغيب عنه المنافسة الانتخابية عادة، ويربطه مراقبون بكونه منصبًا بروتوكوليًا يفتقد لأدوات السلطة الفعلية، كما كان لافتًا أن جميعهم استقالوا أو طلبوا عدم الاستمرار بالمنصب رغم أنه لا يوجد رسميا ما يضع حدا أقصى لعدد فترات شغل هذا المنصب.

انحيازات ضد الشعوب

وبالنظر إلى خلفية الثمانيني أبو الغيط (مواليد 1942) فهو آخر وزير خارجية في عهد الرئيس السابق حسني مبارك الذي أطاحت به ثورة يناير/كانون الثاني 2011 بعد 30 عاما بالسلطة، وقد عرف بموقفه المعادي لهذه الثورة، فضلا عن مواقفه السلبية تجاه حركة المقاومة الإسلامية (حماس) والدول الداعمة للثورات العربية.

وتعرض أبو الغيط مرارًا لانتقادات شعبية بسبب علاقاته مع المسؤولين الإسرائيليين، علما بأن وزيرة الخارجية الإسرائيلية تسيبي ليفني أعلنت الحرب على قطاع غزة عام 2008 خلال مؤتمر جمعها بأبو الغيط بالقاهرة.

وخلال ولاية أبو الغيط الأولى، كان لافتًا استمرار تغييب دور الجامعة بصورة شبه كلية في مختلف الملفات والقضايا، على غرار الأزمة الخليجية والثورات والحروب الأهلية في سوريا واليمن وليبيا والعراق ولبنان، واكتفت باجتماعات وزارية ومؤتمرات قمة لم تحدث اختراقًا أو تقدم حلولا للواقع العربي المأزوم، وفق مراقبين.

كما شهدت القضية الفلسطينية، التي تعد أم القضايا التي قامت على أساسها جامعة الدول العربية، أزمة غير مسبوقة خلال ولاية أبو الغيط، حين اعترفت واشنطن صيف 2017 بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقلت لاحقًا سفارتها إليها، دون تحرك عملي يذكر من الجامعة العربية وسط اكتفاء ببيانات الشجب والإدانة.

يضاف إلى ذلك حالة مثيرة من عدم وضوح الرؤية أو الموقف لدى الجامعة العربية بشأن تطور خطير، هو ما عرف بصفقة القرن.

وفي حين وصفت الجامعة على مدار عقود بالعجز عن وقف الانتهاكات الإسرائيلية بحق فلسطين، اتسم أداء أبو الغيط -وفق مراقبين- بتغييب الإرادة العربية تمامًا في وضع حد لتغول الاحتلال في بناء المستوطنات بالأراضي المحتلة، أو القيام بدور الوساطة لحلحلة الانقسام الفلسطيني.

وفي الوقت ذاته، وبينما كان ينتظر من الأمين العام للجامعة التصدي لقطار التطبيع العربي مع إسرائيل الذي امتد لـ 4 محطات جديدة بعد مصر والأردن شملت الإمارات والبحرين والمغرب والسودان، نال أبو الغيط اتهامات شعبية وفلسطينية بالتواطؤ على الحق التاريخي لفلسطين، خاصة بعد فشل الجامعة في سبتمبر/أيلول الماضي في مناقشة مشروع قرار فلسطيني لإدانة التطبيع.

ولم يخف ناشطون ومواطنون عرب تذمرهم من دور الجامعة "المتواطئ" مع التطبيع، إذ شارك الآلاف في حملة افتراضية ساخرة لتحويل مقر الجامعة بالقاهرة إلى "قاعة أفراح" لتحقيق "استفادة كاملة من كيان عديم المنفعة".

كما غابت الجامعة أيضًا عن أية مساهمات إنسانية أمام تفشي وباء كورونا، مكتفية بوضع الجائحة على جدول أعمال الدورة العادية لمجلس وزراء الصحة العرب في فبراير/شباط 2020، وتعليق أعمالها خلال مارس/آذار وأبريل/نيسان من العام نفسه كإجراء احترازي.

 

رجل المرحلة

من جانبه اعتبر عبد الله الأشعل، أستاذ القانون الدولي ومساعد وزير الخارجية المصري السابق، أبو الغيط "الأمين العام المثالي لهذه المرحلة" لعدة أسباب أبرزها كون أبو الغيط "على علاقة بإسرائيل، وأن الحالة المزاجية للأنظمة العربية تتجه نحو إسرائيل، إضافة إلى أن الجامعة نفسها أدانت المقاومة واعتبرتها إرهابًا، وبالتالي أبو الغيط مثال جيد لها".

وأضاف الأشعل، للجزيرة نت، أن أبو الغيط كان وزير خارجية مصر إبان ثورة يناير/كانون الثاني 2011، وكان يكلف البعثات الدبلوماسية بأن تقول إن الثوار متمردون سيتم القضاء عليهم، مشددًا أن أبو الغيط يمثل الثورات المضادة في المنطقة العربية.

وذهب بالقول إن الجامعة العربية تعتبر "ناديا للحكام العرب، وهؤلاء الحكام ضد شعوبهم وبالتالي هذا النادي يعادي الشعوب العربية، ويروج للانقلابات العسكرية".

ووصف الأشعل الوضع العربي الراهن بأنه بيئة سيئة تنتج جامعة "عربية عبرية" يتخرج منها الكثير من أمثال أبو الغيط، مؤكدًا أنها مرحلة مؤقتة وسيبقى للعروبة رجالها.

سياق تاريخي

بدوره عزا الكاتب الصحفي المصري يحيى غانم ترشيح القاهرة أبو الغيط لولاية ثانية إلى السياق التاريخي الذي تواضعت عليه مصر والدول العربية، في أن يكون المرشح لمنصب الأمين العام مصري الجنسية، مستبعدًا في الوقت ذاته أن يكون للقرار أية علاقة بالكفاءة.

غير أنه استدرك بالقول إنه من الظلم الحكم على أبو الغيط، ومحاولة استكشاف إنجازاته في منظمة إقليمية تمت هندستها بحيث يكون من الصعب والمستحيل أن تتوافر لديها أية إنجازات.

وأضاف غانم أن الجامعة لم تقم بأي انجاز طوال تاريخها، سوى ما يتعلق بالسنوات الأولى لنكبة فلسطين والعقدين اللذين تليا تأسيس وقيام إسرائيل، مستدركًا أنه حتى هذا الإنجاز أو الموقف لا يمكن اعتباره فعالا لكن على الأقل كان يحافظ على شكل الجامعة.

أما عن الانتقادات التي وجهت لترشيح أبو الغيط أول مرة، فقد عزاها غانم إلى أنها كانت تدور حول الأسلوب الذي تعامل به، أثناء اضطلاعه بمهمة الخارجية بمصر، مع المسؤولين الإسرائيليين.

واعتبرها "اعتراضات لم تكن جادة كالعديد من الأشياء في العالم العربي" موضحًا أن هناك العديد من المعايير التي كان من الممكن تقييم الرجل بناء عليها بعيدًا عن هذه الشكليات.

وتابع أن الواقع العربي حاليًا وقديمًا، والذي أسفر عن تطبيع دول لم تخض حروبًا مع إسرائيل بشكل معيب، ينفي ويسقط كل هذه الانتقادات التي وجهت لأبو الغيط في ترشيحه الأول.

وشدد غانم على أن الجامعة العربية لا ينتظر منها أي شيء الفترة المقبلة، فتاريخها ينبئ عن مستقبلها حيث إن كيانا بهذا الشكل والنُصب لا يأمل منه خير لصالح ومستقبل الشعوب العربية.

كما توقع بعض الاعتراضات والتحفظات من جانب دول عربية على ترشيح أبو الغيط، قائلاً إنها منافسات تنحصر فقط في الأمور الشكلية، لكننا لن نرى أي تنافس على هذا الكيان المعطل بشكل عملي لإجراء إصلاحات هيكلية لكي يصبح أكثر فعالية.

 

 

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة