لوموند: جيش ميانمار.. دولة داخل الدولة

Soldiers parade to mark the 70th anniversary of Armed Forces Day in Myanmar's capital Naypyitaw, March 27, 2015. Myanmar's powerful army chief Min Aung Hlaing and his deputy are slated to extend their terms for another five years, a local newspaper said on February 13, 2016, as the military and democracy champion Aung San Suu Kyi negotiate the terms of transition.  Picture taken March 27, 2015. REUTERS/Soe Zeya Tun
استعراض عسكري في نايبيداو عاصمة ميانمار (رويترز)

قالت صحيفة لوموند (Le Monde) الفرنسية إن استيلاء جيش ميانمار (بورما) على السلطة في 1 فبراير/شباط الجاري يعبر عن عقيدة أيديولوجية عسكرية متجذرة في البلاد منذ الاستقلال يؤمن من خلالها العسكر بأن لهم دورا مركزيا مكلفين به وهو ضمان الوحدة الوطنية للبلاد.

وذكرت الصحيفة -في تقرير لمراسلها في جنوب شرق آسيا برونو فيليب- أن مؤسسة الجيش في ميانمار كانت منذ استقلال البلاد عام 1948 "دولة داخل الدولة" حتى خلال السنوات القليلة التي لم تحكم فيها البلاد بشكل مباشر.

وفي الفترة الممتدة من عام 1962 إلى 2011 شهدت البلاد عددا من الانتفاضات الشعبية قمعها الجيش بوحشية، وانقلابا، وحملة تطهير عرقي.

ورغم تسليم السلطة إلى حكومة منتخبة ديمقراطيا في عام 2015 -وهي أول انتخابات منذ عام 1961- فإن القوات المسلحة البورمية ظلت مؤسسة تهيمن عليها طبقة من الضباط المناوئين للسلطة المدنية.

وفي عام 2017 شهدت البلاد أسوأ موجة قمع في تاريخها عندما قتل الجيش وشرد آلافا من مسلمي أقلية الروهينغا.

وقد اتهمت الأمم المتحدة جنرالات المؤسسة العسكرية -من بينهم قائد الجيش مين أونغ هلينغ (64 عاما)- بارتكاب جرائم "إبادة جماعية"، واليوم يتولى هذا الأخير مقاليد السلطة في البلاد.

وقد تحدث هلينغ في 22 ديسمبر/كانون الأول الماضي عن عقيدة الجيش البورمي قائلا إن "الجيش والدولة مؤسستان حيويتان، ووجود "التاتماداو" (القوات المسلحة البورمية) ضروري للدفاع عن الدولة"، مشيرا إلى أن هذه القوات مسؤولة عن الدفاع عن "السياسات الوطنية والديانة البوذية والتقاليد والعادات والثقافة".

ويرى الباحث في معهد ميانمار للسلام والأمن أمارا تيها أن هذا التعريف يؤكد أن العسكريين "لا يضعون أنفسهم تحت الدولة أو فوقها، بل يشكلون مؤسسة موازية تركز على واجب الدفاع (عن الأمة)".

حروب داخلية

جيش ميانمار كان يضم 6 كتائب فقط حين حصول البلاد على استقلالها، أي حوالي 3 آلاف جندي، ومع الوقت أصبحت "التاتماداو" قوة مجهزة بمعدات متطورة تضم فرقة مشاة خفيفة وتمتلك مروحيات هجومية روسية ومقاتلات وفرقاطات صينية ومدفعية ثقيلة وأنظمة دفاع جوي حديثة.

لكن الجيش لم يحقق -وفقا للصحيفة- نجاحا كبيرا في مواجهة المليشيات المسلحة المحلية التي يواجهها منذ 7 عقود، وآخرها الخيبات التي مني بها في ظل صراعه مع "جيش إنقاذ روهينغا أراكان"، وهي مليشيا تدافع عن أقلية الروهينغا وتطالب باستقلال إقليم أراكان.

وقد لقي حوالي 3 آلاف عنصر من قوات الجيش البورمي حتفهم خلال العمليات الداخلية الجارية منذ عام 2011.

ويتساءل الكاتب عما إذا كان استخدام السلاح والأساليب القمعية السبيل الوحيد الذي يمكن أن يضمن به جيش ميانمار وحدة البلاد.

ويؤكد أن أحداث الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي والمواجهات مع الجماعات المسلحة العرقية كشفت اعتماد الجنود النظاميين العنف الممنهج سبيلا لهم، قبل أن يتكرر الأمر بارتكاب جرائم التطهير العرقي ضد مسلمي الروهينغا عام 2017.

بدوره، تساءل أنتوني ديفيس الخبير في الشؤون العسكرية ومراسل مجلة "جينز ديفنس ويكلي" (Janes Defence Weekly) البريطانية في بانكوك -في أحد مقالاته- عن "ماهية المرض الغريب الذي يجعل قوات التاتماداو تميل إلى العنف غير المبرر واستهداف المدنيين بشكل متعمد".

وفي تفسيره للأمر، يرى ديفيس أن العنف الذي يمارسه الجيش يتعلق أساسا بالعرقية التي تمثل الأغلبية في البلاد، مؤكدا أنه "يمكن تفسير سلوك جنود التاتماداو بالشوفينية العرقية المتجذرة في الوعي الجماعي لشعب بورما، وعلى الرغم من المشاكل المتعلقة بنقص المجندين والاضطرار إلى تجنيد الأطفال فإن الجيش ظل يعتمد أساسا على المتطوعين من عرقية البرماويين البوذية، والتي تمثل 68% من سكان بورما البالغ عددهم 52 مليونا".

قومية متطرفة

وفي كتابهما "الجنود والدبلوماسية في بورما"، يرى الباحثان المتخصصان في الشؤون البورمية رينو إيغريتو ولاري جاغان أن الجنرال ني وين -الذي حكم ميانمار من 1962 إلى 1988- "أقام نظاما عسكريا يرتكز على أساس أيديولوجية قومية متطرفة مشوبة بالعنصرية وكراهية الآخر".

وتؤكد لوموند أن قوة جيش ميانمار ليست عسكرية فحسب، بل اقتصادية أيضا، ورغم أن الجيش يحصل رسميا على 14% من مجموع الميزانية العامة للدولة فإن حجم الأموال التي يملكها يتعدى الأرقام المعلنة، كما أن مصادر تمويله "مشبوهة".

وتحصل مؤسسة الجيش البورمي على مداخيل من تعدين أحجار "اليشم" وتجارة المخدرات، كما تجني أموالا طائلة من خلال مؤسسة ميانمار الاقتصادية القابضة المحدودة التي وصفها دبلوماسي أميركي ذات مرة بأنها "واحدة من أقوى المنظمات نفوذا وفسادا في البلاد".

المصدر : لوموند

حول هذه القصة

أزيلت الأقنعة الآن، ووضع الجنرال مين أونغ هلينغ في خضم جائحة كوفيد-19 نهاية حاسمة لملهاة الديمقراطية التي كان جيش ميانمار يقوم بتمثيلها بمهارة منذ عام 2011 مع “سيدة يانغون” لإرضاء الغرب ومستثمريه.

2/2/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة