توجه حكومي لتحديد النسل.. هل يقبل المصريون بطفل واحد للأسرة؟

قالت وزيرة التخطيط المصرية إن الحكومة تستهدف أن يصبح عدد المواليد للأسرة 1.8 طفل، فرد عليها الرئيس بأن المستهدف يجب أن يكون أقل من طفل واحد لكل سيدة.

الأطفال عبء من وجهة نظر السلطة لكنهم ثروة بشرية من وجهة نظر كثير من المواطنين (الجزيرة نت)
الأطفال عبء من وجهة نظر السلطة لكنهم ثروة بشرية من وجهة نظر كثير من المواطنين (الجزيرة نت)

يبدو أن مخاوف الحكومة المصرية من الزيادة السكانية في البلاد تجاوزت حدود التصريحات الرسمية المحذرة ممّا تراه خطرا سكانيا، وتجاوزت أيضًا بعض الإجراءات الحكومية المحدودة، وذلك لتصل إلى خطط بعيدة المدى تستهدف فرض تقليص شديد لعدد أفراد الأسرة الواحدة.

الخطة الحكومية المستهدفة لتقليص عدد الأسرة الواحدة كشفت عنها، أمس الثلاثاء، وزيرة التخطيط هالة السعيد، عندما قالت إن المرجو من قبل الحكومة ألا يزيد عدد المواليد للأسرة الواحدة عن معدل 1.8 طفل لكل سيدة عام 2042 و1.6 طفل عام 2052.

وأوضحت السعيد، خلال افتتاح مجمع للخدمات الطبية بمحافظة الإسماعيلية، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن معدل الإنجاب الكلي عام 2017 بلغ 3.4 مواليد لكل سيدة.

ورغم أن خطة الحكومة تبدو صارمة، فإنها لم تنل رضا السيسي، حيث عبر عن اعتقاده بأن المعدل الإنجابي المستهدف غير ملائم لخطط التنمية، وعلق على حديث وزيرة التخطيط، مؤكدا ضرورة أن يكون المعدل المستهدف أقل من طفل لكل سيدة.

 

 

وأعلن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أول أيام العام الجاري، وصول عدد السكان إلى نحو 101 مليون و375 ألف نسمة، بنسبة زيادة بلغت مليونا و375 ألفا و894 خلال 10 أشهر.

وبالنظر إلى الموروث المصري تجاه الإنجاب وما أسفر عنه تاريخ حملات تحديد النسل في البلاد، يصبح التساؤل معروضا حول إمكانية تنفيذ المواطنين الرغبات الحكومية، ومدى قدرة مؤسسات الدولة خلال الفترة المقبلة على تحويل الرغبات إلى واقع عبر إجراءات قانونية مشددة.

جهود حكومية

منذ عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر انتبهت الدولة للزيادة السكانية، وتعاملت معها باعتبارها خطرا لا ثروة، وعلى ذلك تمّ -على مدار عقود- تأسيسُ العديد من الكيانات الرسمية التي ينطوي عملها على إقناع المواطنين بتنظيم النسل أو تحديده.

وانطلقت الحملات القومية من أجل تحديد النسل، وتم تكثيف عملها في العقدين الأول والثاني من حكم الرئيس المخلوع حسني مبارك، وربما ظهر أثرها في معدلات النمو السكاني، لكن النجاح ظلّ في إطار ضيق لا يُرضي السلطة الحاكمة.

وبحسب الإحصاءات الرسمية، فإن التعداد السكاني عام 1950 لم يتجاوز 20 مليون نسمة، وخلال 28 سنة زاد 20 مليونًا مرة أخرى، وخلال 21 سنة أخرى زاد 20 مليونًا ثالثة، وخلال 14 سنة زاد 20 مليونًا رابعة، وخلال 8 سنوات زاد 20 مليونًا خامسة.

وخلال السنوات الأخيرة حاولت الدولة استعادة تاريخ حملات تحديد النسل، فأطلقت الحكومة عدة مبادرات مثل "2 كفاية" التي تستهدف أن يكون عدد أطفال الأسرة الواحدة طفلين، ومبادرة "حقك تنظمي" التي تسعى للتباعد في أعمار مواليد الأسرة، ومشروع "تسريع الاستجابة المحلية للقضية السكانية" الذي يستهدف السيطرة على الزيادة السكانية وتحسين خصائصها.

إلى جانب ذلك، أقرت مؤخرا الجامعات مناهج توعوية بقضية الزيادة السكانية، وتكثف وزارة الأوقاف جهودها من أجل إقناع المواطنين بأنّ تحديد النسل أمر مشروع دينيًا.

تلويح بالحرمان

خطط تحديد النسل لم تقف عند حدود المبادرات، بل امتدت إلى حدود التلويح بالحرمان من مزايا تقدمها الحكومة للمواطنين، حيث تقدمت مؤخرًا رانيا الجزايرلي عضو مجلس النواب عن حزب "مستقبل وطن" صاحب الأغلبية البرلمانية بمشروع قانون لتنظيم النسل.

تنص بعض موادِّ التشريع المعروض على تقليص الدعم الحكومي الذي تستفيد منه الأسر، حسب عدد الولادات، وأن تتمتع الأسرة التي لديها طفلان بدعم كامل يشمل مجانية التعليم، والتأمين الصحي، وخدمات التموين. في حين يتم خفض الدعم بـ 50% حال إنجاب الطفل الثالث، ومنع الدعم بالكامل بعد إنجاب الرابع.

موقف الأسر

مع شروع الحكومة في التلويح بالمزايا وتطبيق العقوبات، يظل مدى تقبل الأسر لتحديد النسل هو العامل الرئيس في نجاح أو إخفاق المستهدف الرسمي.

جورج إسحاق عضو مجلس حقوق الإنسان (حكومي) عبّر عن تفاؤل بخصوص التقبل الشعبي لتحديد النسل، لكن من وجهة نظره يتوقف النجاح في ذلك على الدور الرسمي.

في مقال بعنوان "الزيادة السكانية.. إلى أين؟!" رأى إسحاق أن مصر كانت تمتلك، خلال حقبة الثمانينيات، نظاما فعالا لعملية تنظيم الأسرة في كل القرى والمدن، لكنها الآن فارغة تماما من أي جهد.

واستطرد في سرد التحديات التي تواجه الدولة ومنها انخفاض نسبة اللاتي يستخدمن موانع الحمل، والزواج المبكر، وارتفاع معدلات الأمية، والموروث الثقافي الخاص بأن الأبناء عزوة، وأنهم سيساعدون الأب في توفير النفقات بتشغيلهم وهم صغار السن.

ودعا عضو المجلس القومي الحقوقي إلى تعاون الحكومة مع منظمات العمل الأهلي في هذا الصدد، مؤكدا ضرورة وضع برنامج زمني محدد لخطة تحديد النسل، ومتوقعا النجاح في ذلك طالما توفّرت عناصر الجهد والمثابرة والاقتناع بما نقوله، حسب قوله.

الإجبار غير ممكن

وجهة نظر مغايرة عرضها مصطفى خضري مدير المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام، حيث رأى أن النظام المصري لن يستطيع إجبار الأسر على تحديد النسل، إلا إذا قام بتغيير أنماطها المعيشية.

وأوضح للجزيرة نت أن هناك تصورًا شائعًا بأن معدلات الإنجاب العالية مقصورة على الفقراء، وهذا تصور خاطئ، فمعدل الإنجاب مرتبط ارتباطا وثيقا بالمدى الإنجابي للمرأة، ولذلك تزيد معدلات الإنجاب عند من تتزوجن بعمر صغير، مما يزيد من المدى الإنجابي.

بناء على ذلك، يرتفع معدل الإنجاب في القطاعات الجغرافية الزراعية بالريف والصعيد ومناطق الرعي، مثل سيناء ومطروح وقرى الصيادين والمناطق القبلية، بسبب انخفاض عمر زواج الفتيات في تلك المناطق، أما في المدن فترتفع أعمار الزواج عند الفتيات، فتقل خصوبتهن وينخفض المدى الإنجابي المتاح لهن، حسب تحليل خضري.

إذن فإن العوامل التي تساعد في زيادة الإنجاب ليست ثقافية فقط، ولكنها بيولوجية أيضا، ومرتبطة بالنمط المعيشي.

أجندة غربية

وبالنسبة للمسار التاريخي لحملات تحديد النسل ولجوء الحكومة الحالية إليها، قال الباحث خضري إن فكرة تحديد النسل تولدت بعد شعور أوروبا وأميركا بخطورة ارتفاع الخصوبة في دول آسيا وأفريقيا، بما يهدد بحدوث تغيرات ديموغرافية مؤثرة في مصالحها ونفوذها بالنظر إلى انخفاض حاد في الخصوبة ومعدلات الإنجاب لديها.

تحركت أوروبا وأميركا على صعيدين: الأول يخص اتفاقية "سيداو" (CEDAW) -التي أقرتها الأمم المتحدة عام 1979 بزعم "القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة"- ونشر الثقافة النسوية والمساوة بين الجنسين لتغيير الأنماط السلوكية والمعيشية للشرقيات، وذلك لتقليل معدلات الزواج، أو على الأقل رفع سن الزواج، بما يقلل من فرص الإنجاب.

والصعيد الثاني -والحديث لخضري- يتمثل في ربط قروض التمويل التي يمنحها البنك الدولي لأنظمة الدول الشرقية بفرض خطط تحديد النسل عليها، موضحا أن خطط تحديد النسل، التي يحاول السيسي فرضها، مفروضة عليه من البنك الدولي، كونها أحد شروط الإقراض غير المعلنة.

وعن توقعات فرض إجراءات مشددة لتحديد النسل، رجح خضري أن تلجأ السلطة إلى ذلك، مضيفا "لكنها ستكون إجراءات صورية لا يمكن تنفيذها، فنظام السيسي هش ولن يستطيع فرض مثل تلك الإجراءات بالقوة، خاصة أنه يمر بحالة من انعدام الوزن نتيجة الظروف الداخلية والخارجية التي تهدد استمراره".

وبدوره، أكد أحمد مصيلحي رئيس شبكة الدفاع عن حقوق الطفل أن التوعية هي الأساس لحل أي مشكلة مجتمعية.

وأضاف -في تصريحات متلفزة- أن القانون الخاص بتحديد النسل، والذي عرض أمام البرلمان، لن يؤدي دوره بشكل منفرد، وأردف "بجانب القانون يجب توفير قوة في التنفيذ ووعي بخطورة المشكلة السكانية".

وأوضح أن الإستراتيجية الخاصة بالقانون الجديد قد حددت أدوار كل وزارة على حدة، وكيفية التنفيذ على أرض الواقع، وتابع "المشكلة أننا عندنا قوانين متطورة، لكن تطبيقها ضعيف على أرض الواقع".

رفض سريع

على مواقع التواصل الاجتماعي يمكن لمس رد فعل سريع تجاه حديث السيسي عن تحديد النسل، والخطة الحكومية لتقليص عدد الأطفال ليصبح أقل من طفلين خلال الأعوام المقبلة.

كثير من الانتقاد المغلف بالسخرية واجه الخطة الحكومية على الإعلام الاجتماعي، وأصحاب هذا الرأي يجدون أن الإخفاق في إدارة الدولة يقع على النظام، وليس على عدد أبناء المواطن، في حين أيد البعض التوجه الحكومي كونه حلًا وحيدًا للأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد.

 

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أثار خطاب الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بشأن تسويغ تقصير نظامه في مجال التعليم غضب المنصات المصرية، خاصة بعد أن طالب المصريين بتحديد النسل قبل أن يسألوا عن جودة التعليم.

لا يتوقف حديث السلطة المصرية حتى أعلى مستوياتها، عن انتقاد الزيادة السكانية واعتبارها سببا أساسيا في تدهور الأوضاع بمصر، فهل حقا ستكون حال البلاد أفضل إذا توقفت هذه الزيادة أو حتى إذا تناقص عددها؟

9/2/2021

يبدو السؤال عن كيفية تقييم الرئيس عبد الفتاح السيسي لأداء المصريين بعد 6 أعوام من بداية حكمه معكوسا وساخرا، إلا أن المتابع لمسار إدارة السلطة لكثير من الملفات والقضايا قد يجد في هذا التساؤل ما يبرره.

18/6/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة