بين سعيد والمشيشي.. حرب كلامية مستعرة بين رأسي السلطة التنفيذية التونسية

تضمنت الصواريخ اللفظية للرئيس التونسي تجاه رئيس الحكومة وحزامه السياسي استعارة للجملة الشهيرة لطارق بن زياد، متوعدا بالقول "الشعب أمامكم وأنا واحد من الشعب، والدستور وراءكم وأنا حريص على تطبيق الدستور، فأين المفر؟".

جانب من اجتماع سابق بين سعيد (يمين) والمشيشي (مواقع التواصل)
جانب من اجتماع سابق بين سعيد (يمين) والمشيشي (مواقع التواصل)

يبدو أن الصواريخ اللفظية والحرب الكلامية التي يشنها الرئيس قيس سعيد على رئيس الحكومة هشام المشيشي لم تقنع الأخير بالاستقالة لتستمر معركة كسر العظام بين رأسي السلطة التنفيذية في تأجيج نيران الأزمة السياسية غير المسبوقة بالبلاد.

وفي تصريح إعلامي علق المشيشي أمس الجمعة على محاصرته من قبل قيس سعيد -الذي عينه بنفسه في هذا المنصب- بأنه يرفض الاستقالة من منصبه، مستعملا اللهجة العامية التونسية للرد بقوة "أنا جندي في خدمة البلاد، والجندي ما يزرطيش (أي لا يهرب)".

هذا التصريح يأتي في أعقاب رد المحكمة الإدارية على مراسلة رئيس الحكومة، لاستشارتها برأيها في رفض قيس سعيد أن يؤدي وزراؤه المقترحون بالتغيير الوزاري اليمين الدستورية بحجة أن 4 منهم ذوو شبهات فساد "مما عطل دواليب الدولة".

سعيد خلال زيارة غير معلنة إلى وزارة الداخلية وسط العاصمة تونس (مواقع التواصل)

حرب كلامية

وكان الرئيس التونسي نعت ضمنيا أول أمس الخميس المشيشي خلال اجتماعه مع نواب بالبرلمان بالجاهل، ملمحا بقوله "الجاهلي لم يكن يعرف الحقيقة، أما من يعرف الحقيقة ويتجاهلها فهو جاهل ومتجاهل يتظاهر بالعلم ويصر على التظاهر بالمعرفة".

وليس هذا فحسب، بل تضمنت صواريخه اللفظية تجاه رئيس الحكومة وحزامه السياسي استعارة للجملة الشهيرة لطارق بن زياد متوعدا بالقول "الشعب أمامكم وأنا واحد من الشعب، والدستور وراءكم وأنا حريص على تطبيق الدستور، فأين المفر؟".

وتعليقا على مضمون كلام الرئيس التونسي وما يستعمله من أدوات اتصالية في حربه المستعرة ضد رئيس الحكومة، يرى الناشط السياسي إسكندر الرقيق أن قيس سعيد يقود لواء الشعبوية المقيتة في العالم العربي عاصفا بالتجربة الديمقراطية في تونس.

ويقول الرقيق للجزيرة نت إن قيس سعيد لم يستطع رغم تبوئه منصب رئاسة الجمهورية أن يتخلص من عباءة "الجامعي"، معتبرا أنه يختار مفردات من القاموس الديني أو الأدبي "ليظهر في مظهر الأستاذ المتعالي الذي يتكلم بغرور وبخطاب فوقي مع طلابه".

وشارك الرقيق ضمن الحملة الانتخابية الرئاسية لقيس سعيد، لكن من وجهة نظره ينطبق القول على الرئيس التونسي "دعونا الله بإمام عادل فطلع لنا عادل إمام"، مستنكرا ما يقوم به من ترذيل للأحزاب والبرلمان مستعملا أدوات الاستهزاء والازدراء.

وكان الرئيس التونسي خلال اجتماعه مؤخرا بالأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل استذكر ما جاء في رسالة الغفران للمعري للتهكم على سعي هشام المشيشي وحزامه لتمرير التغيير الوزاري والضغط عليه لتنظيم موكب تأدية اليمين أمامه.

وقال "ذكرني موقفهم بموقف ابن القارح برسالة الغفران للمعري: ستِّ إن أعياك أمري فاحمليني زقفونة، فقال: ما زقفونة؟ فرد: أن يحمله وراء ظهره فضربه ضربة دخل بها الجنة. هذه المرة يريدون أن يضربوا ضربة يدخلون بها إلى باردو أو القصبة".

خطأ اتصالي

ويرى المختص في علوم الاتصال رضا الكزدغلي أن هناك تحولا في خطاب قيس سعيد من مرحلة الحملة الانتخابية حينما كان بمستوى التواصل الذاتي إلى مرحلة الانكفاء على النفس إبان فوزه بالرئاسة وأخيرا إلى التواصل مع الآخر بنظرية الضحية.

ويقول الكزدغلي للجزيرة نت إن الذات الأنا لقيس سعيد بدأت تتشبع بمقومات السلطة فبات يشعر بأن له السلطة التقديرية ليس كأستاذ وإنما كرئيس أعلى، ومن هنا تجاوز مفهوم الانطلاق العكسي في السلطة من القاعدة إلى القمة، وناقض قناعته في اللامركزية.

ويرى أن الرئيس قد بدأ تدريجيا في كيل التهم المجانية لرئيس الحكومة عبر الاستعارات والإيحاءات ويحولها إلى عناصر مواجهة في صراعه مع المشيشي، منتقدا استحواذه على أدوات الاتصال الرسمي برئاسة الجمهورية من خلال كتابة نصوصه بمفرده.

لكن الأكاديمي والباحث في الاتصال الصادق الحمامي يرى أن قيس سعيد نجح في خلق ضجة كبرى على وسائل التواصل الاجتماعي بفضل أسلوبه الخاص في خطاباته وبفضل شخصيته كشخص يراه الناس متزهدا في السلطة نظيف اليد ونزيها.

ويقول الحمامي للجزيرة نت إن أسلوبه لا يخضع إلى نواميس الاتصال السياسي للسياسيين الذين نشؤوا أو تدربوا داخل الأحزاب، مبينا أن له خطابا فريدا يتواصل به مباشرة مع الشعب "فحين يستدعي السياسيين أمامه ليتحدث معهم هو يخاطب مباشرة الشعب".

الشواشي: سعيد له أسلوب خاص في تبليغ رسائله على طريقة الأستاذ المتخصص بالقانون الدستوري والمتمكن من اللغة العربية (الجزيرة)

نزع الشرعية

ووفق رأيه، فإن قيس سعيد بصدد نزع الشرعية عن خصمه رئيس الحكومة وحزامه السياسي باتهامه بمحاولة انتهاك الدستور، مستعملا أدوات اتصالية متنوعة كالاستعارات والإيحاءات والسخرية، مما صنع منه شخصية الزعيم لدى أنصاره.

وتعج مواقع التواصل الاجتماعي بصفحات مناصرة للرئيس قيس سعيد الذي يلقبونه بالإخشيدي بعدما استعمل هذا الاسم في قوله "لا نريد أن تكون وعودنا شبيهة بوعود كافور الإخشيدي للمتنبي"، منتقدا إمعان السياسيين في إيهام الناخبين بوعود كاذبة.

بدوره، يرى الأمين العام للتيار الديمقراطي غازي الشواشي أن قيس سعيد له أسلوب خاص في تبليغ رسائله على طريقة الأستاذ المتخصص بالقانون الدستوري والمتمكن من اللغة العربية والمتشبع بالثقافة الأدبية، مما جعل رسائله تجد تفاعلا جماهيريا عاليا.

ويقول الشواشي للجزيرة نت إن "رسائله على مستوى تقبلها من الجمهور ناجعة، لكن في الحقيقة لم نر نجاعة في حلحلة الأزمة السياسية"، مطالبا الرئيس بالخروج من مرحلة القول إلى الفعل، لوقف نزيف الأزمة التي ألقت بضلالها على الأوضاع الاجتماعية.

وقد حمّل غازي الشواشي رئيس الحكومة مسؤولية اندلاع الأزمة بسبب انقلابه على رئيس الجمهورية الذي يعينه في ذلك المنصب، مشيرا إلى أنه لا توجد مجرد معركة كلامية بين رأسي السلطة التنفيذية إنما أزمة سياسية حادة عطلت أجهزة الدولة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

بينما تتواصل فصول التجاذبات السياسية بتونس مع بلوغ الصراع بين رأسي السلطة التنفيذية ذروته على خلفية أزمة التعديل الحكومي، اختارت أحزاب نقل المعركة إلى الشارع بدعوة الجماهير للتظاهر، بذرائع مختلفة.

13/2/2021
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة