العراقيون يستذكرون طرد بلاك ووتر الأميركية التي ارتكبت جرائم ضد المدنيين

بعد عدم معاقبة القضاء الأميركي مرتزقة بلاك ووتر لقتلهم 17 مدنيا عراقيا

مهمة شركة بلاك ووتر في العراق يفترض حماية الشخصيات الدبلوماسية الأجنبية (الأوروبية-أرشيف)
مهمة شركة بلاك ووتر في العراق يفترض حماية الشخصيات الدبلوماسية الأجنبية (الأوروبية-أرشيف)

تعد مجزرة ساحة النسور في بغداد عام 2007، واحدة من أفظع جرائم الشركات الأمنية الأميركية العاملة في العراق، والتي كشفت استهانة المحاكم الأميركية بالدم العراقي عندما لم تعاقب مرتكبي المجزرة رغم القضايا المرفوعة ضدهم.

وفي مثل هذا اليوم عام 2010، قررت الداخلية العراقية طرد 250 عنصرا من شركة بلاك ووتر الأمنية الأميركية، وجاء القرار العراقي ردا على تبرئة المحكمة الأميركية 5 من أفراد بلاك ووتر اتهموا بقتل 17 مدنيا عراقيا في بغداد عام 2007، قبل استئناف محاكماتهم في وقت لاحق.

البياتي: الشركات الأمنية التي دخلت العراق قاسية ولا تتردد في القتل (الجزيرة)

مرتزقة الأمن

بعد عام 2003، أصبح العراق مفتوحا للكثير من الشركات الأمنية وغيرها، فدخلت بلاك ووتر بعقد مع القوات الأميركية، بحسب الخبير الأمني والضابط السابق سرمد البياتي.

ويبيّن للجزيرة نت، أن واجب هذه الشركة هو حماية الشخصيات الدبلوماسية، ولكن مشكلتها أنها تعتمد على متقاعدين وضباط مرتزقة، خاضوا حروبا في مختلف دول العالم، وهمّها الرئيس هو المال.

ويضيف البياتي أن عناصر هذه الشركات تتصف بالقساوة وتنفيذ القتل، مستذكرا ما قاموا به في ساحة النسور، عندما ادعوا تعرضهم لكمين فأجهزوا على 17 مدنيا عراقيا، بينما المنطقة لا يمكن أن يكون فيها أي كمين، لأنها قريبة من دوائر رسمية مهمة.

عراقي ينظر إلى سيارة محترقة في مكان المجزرة بساحة النسور (الفرنسية-أرشيف)

مذبحة النسور

ويفيد الكاتب والمحلل بهاء خليل، بأن ما قامت به بلاك ووتر في ساحة النسور كان أشبه بحفلة قتل، وهو ما يخالف المعمول به في الشركات الأمنية.

ويضيف للجزيرة نت، أن عناصر الشركة كان بإمكانهم -حتى لو فعلا شعروا بالخطر- عدم استخدام القوة القاتلة، والاكتفاء بإصابة الشخص وتحييده.

وينوّه بأن مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي أقرّ بأنه من مجموع 17 قتيلا مدنيا يوجد 14 شخصا قتلوا من دون أي سبب.

ويدلي خليل بشهادته على إحدى جرائم بلاك ووتر والتي حدثت أمام عينه بمنطقة حي السلام في بغداد، حيث قتلوا طفلا عمره 9 سنوات، كان جالسا في مقدمة السيارة مع والده.

ويروي الأكاديمي والباحث السياسي فاضل البدراني للجزيرة نت كيف استهدفه عناصر بلاك ووتر عندما أطلقوا النيران على سيارته التي كان يستقلها في إحدى مناطق غرب العراق ولكنه نجا من الحادث.

خليل وصف جريمة بلاك ووتر في ساحة النسور ببغداد بأنها كانت "حفلة قتل" (الجزيرة)

محاكمات شكلية

وفي 11 أكتوبر/تشرين الأول 2007، رفعت قضية رسمية في محكمة أميركية ضد بلاك ووتر تخص حادثة ساحة النسور نيابة عن الضحايا العراقيين، إلا أن المحكمة انتهت إلى أن حراس الشركة كانوا وقتها يتمتعون بالحصانة، بحسب أستاذ السياسة الدولية الدكتور خضر عباس عطوان.

ويضيف للجزيرة نت أنه تمت إعادة التحقيق بالموضوع انطلاقا من وجود وجهة النظر القانونية الخاطئة في تكييف الواقعة من قِبَل المحكمة السابقة، وصدر الحكم في أكتوبر/تشرين الأول 2014 بتوجيه تهم القتل العمد بحق 4 من الحراس، وحكم على آخر بالسجن مدى الحياة، وعلى 3 آخرين بالسجن 30 عاما.

ويشير البدراني إلى أنها كانت محاكمات صورية، بدليل أنها استؤنفت عدة مرات، وتواصلت عمليات التخفيف الأحكام حتى مجيء الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي أعلن الإفراج عنهم بطريقة تمثل استخفافا بحقوق الإنسان.

هاشم اعتبر أن قرار عفو ترمب عن مرتزقة بلاك ووتر مستفزا وأثار غضب العراقيين >(الجزيرة)

ويؤكد للجزيرة نت أن العراقيين فقدوا الثقة بالقضاء الأميركي، لأنه مسيس، والمذبحة تمثل وصمة عار في جبين الإدارة الأميركية.

من جانبه، يلقي الباحث في الشأن العراقي رعد هاشم مسؤولية هذا الحادث على الحكومة العراقية، لأنه في بدايات وجود هذه الشركة لم تتمكن الحكومة من ضبط وحسم المسألة ومعالجتها مع الجانب الأميركي.

ويضيف للجزيرة نت أن الحكومات العراقية اللاحقة لم تطالب بحقوق الضحايا، حيث إن تغيير اسم الشركة لا يسقط الحق بالتقادم.

البدراني اعتبر أن محاكمة عناصر بلاك ووتر كانت محاكمات صورية ومجاملة (الجزيرة)

عودة بقناع جديد

وعلى إثر حادثة النسور طالبت الحكومة العراقية بلاك ووتر بوقف فوري لأعمالها في العراق مؤقتا، بحسب عطوان.

ويضيف أنه بعد عدة تحقيقات طلب العراق من الشركة في فبراير/شباط 2010 الخروج من البلد باستثناء المتورطين في الحادث الذين يراد محاسبتهم.

ولم تمارس الشركة مهام أمنية في العراق، لحين صدور تشريع رقم 52 الذي ينظم عمل الشركات الأمنية داخل أراضيه، في مستهل 2017.

ويكشف عطوان أن العراق وافق على تسجيل شركة تحت اسم (فرونتير لوجيتيكس كونسالتنسي) ومقرها الإمارات بموجب الوثيقة (دائرة تسجيل الشركات، وزارة التجارة، بالرقم 5228 في 8 فبراير/شباط 2018)، وهي شركة فرعية ترتبط بمجموعة فرونتير سيرفيسز ومقرها في هونغ كونغ وتملك فروعا في عدة دول، وهذه المجموعة تعود إلى (إريك دين برنس) مالك بلاك ووتر.

ويوضّح أنه بعد تتبع ارتباطات الشركة تبين أنها تمثل إعادة إنتاج لبلاك ووتر تحت غطاء تسمية جديدة، وقد تسلمت عدة مهام في العراق، وبرز من الشركات العاملة تحت ظلها (شركة الزيتونة للخدمات الأمنية) وتعرف دوليا باسم (شركة أوليف)، وينفي البعض الصلة بينها وبين بلاك ووتر، كون الأخيرة تلاحقها اتهامات جنائية.

التميمي: قرار ترامب بإطلاق سراح مرتكبي مجزرة ساحة النسور كانت تغلب عليه السياسة والعاطفة (الجزيرة)

عفو ترامب

وحول القرار الذي اتخذه ترامب في ديسمبر/كانون الأول الماضي بإطلاق سراح مرتكبي مجزرة ساحة النسور، يقول الخبير القانوني علي التميمي إنه قرار تغلب عليه السياسة والعاطفة والتفرد، وهو يخالف الاتفاقية الثنائية بين العراق وأميركا عام 2008، المادة 28، والتي اشترطت أن يكون هناك تعاون قضائي واقتصادي وسياسي في كافة المجالات.

وفي حديثه للجزيرة نت، يلفت التميمي إلى إمكانية اعتراض العراق لدى الأمم المتحدة، والإدارة الأميركية الحالية لإعادة النظر في هذا القرار الخاطئ.

في حين اعتبر هاشم، عفو ترامب عن المسجونين بهذه القضية قرارا مستفزا أثار غضب العراقيين ولم يأبه لحقوق الضحايا.

وطالب الخارجية العراقية بأن تعمل على تفعيل هذا الملف وتحريكه، خدمة لمواطنيها العراقيين الذين قضوا في مجزرة ساحة النسور.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

نحو ألف طفل مشوّه يولدون سنويا في الفلوجة، وآثار الدمار ماثلة ببعض أحيائها، وعشرات العوائل لا تزال مشردة، رغم مرور 16 عاما على استهداف الجيش الأميركي للمدينة بمختلف أنواع الأسلحة لفرض السيطرة عليها.

9/11/2020
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة