مع استمرار أزمة المياه هل يدق النزوح الريفي باب المدن العراقية؟

نسوة يملأن القدور من نهر العز بمحافظة ميسان جنوب العراق الذي شهد انخفاضا بجريانه بسبب قطع إيران للمياه العذبة خلال السنوات الماضية (الجزيرة نت)
نسوة يملأن القدور من نهر العز جنوبي العراق الذي شهد انخفاضا كبيرا بمنسوبه بسبب قطع إيران للمياه عنه (الجزيرة نت)

بغداد- يواجه العراق أزمة متفاقمة متمثلة في تراجع المياه حتى بات مهددا بالجفاف، لتضاف لسلسلة أزماته السياسية والاقتصادية والصحية التي تنعكس بشكل مباشر على المواطنين، وفي هذه المرة تحديدا على الفلاحين والأراضي الزراعية.

وجراء انخفاض مناسيب المياه الواردة للعراق من كل من تركيا وإيران فضلا عن انحسار سقوط الأمطار منذ 3 أعوام، كانت وزارة الزراعة العراقية قد أعلنت مؤخرا عن تخفيض خطتها الزراعية للعام المقبل بنسبة 50%.

يذكر أن 90% من منابع الأنهار التي تجري في العراق تأتي من خارج أراضيه.

خلال العام الجاري الذي شارف على الانقضاء لم تراع الدول المشتركة مع العراق في مصادر المياه نظام تقاسم الحصص المائية حيث من جهة الشمال تركيا شيدت السدود على نهر الفرات آخرها سد أليسو أما من الجهة الشرقية إيران فقد قامت بقطع روافد المياه العذبة التي تغذي المحافظات العراقية حتى الوصول إلى الجنوب بمحافظة البصرة.

وتعليقا على ذلك، قال المدير الإقليمي لدائرة المشرق في البنك الدولي ساروج كومار جاه في تقرير عن ندرة المياه وتغير المناخ في العراق، إن الاستثمار في إدارة المياه المراعية للمناخ يوفر فرصة حقيقية لتحفيز النمو الاقتصادي الشامل والأخضر والتنمية بالعراق.

وأشار جاه في التقرير إلى أنه ودون اتخاذ إجراءات ملموسة، ستؤدي القيود التي يعاني منها قطاع المياه لخسائر كبيرة عبر قطاعات متعددة من الاقتصاد، وستؤثر على المزيد من الفئات الأكثر احتياجا بين العراقيين.

أزمة المياه وعوامل أخرى تسهم بزحف كبير من الريف نحو المدن.. نبحث عن الأجوبة في أسئلة وجهت إلى مختصين اقتصاديين ومسؤولين:

** الصورة ضعيفة للاستخدام الداخلي فقط - القيسي يحدد أسباب زيادة التصحر في الأراضي الزراعية بعموم العراق (الجزيرة نت)القيسي حدد سببين رئيسيين لزيادة التصحر في عموم العراق (الجزيرة نت)

ما أسباب زيادة تصحر الأراضي الصالحة للزراعة في العراق؟

من المشاكل التي تواجه قطاع الزراعة في العراق التصحر الآخذ بالاتساع حتى بات يهدد اعتبار العراق المعروف تاريخيا بـ" بلاد السواد".

ويتحدث مستشار وزارة الزراعة العراقية الدكتور مهدي القيسي عن سببين للتصحر، الأول نتيجة للتغير المناخي الذي حدث في العالم والعراق ضمن نطاق التغيير.

أما السبب الثاني فيعود -وفق القيسي- للاستخدام الجائر للتربة العراقية من ناحية الزراعة المتكررة ونظام الري الذي سبب تغدق وتملح التربة فأسهمت بتمدد التصحر.

وفي حديثه للجزيرة نت، كشف القيسي عن توجه بين وزارتي الزراعة والموارد المائية والهيئة الوطنية للاستثمار للبدء باستثمار الأراضي الزراعية في محافظات النجف والسماوة لوضع حد للتصحر في البلاد.

آثار الجفاف واضحة في الأهوار جنوبي العراق (الجزيرة)

كم يبلغ معدل استهلاك المياه في العراق وحجم المياه المقطوعة من إيران؟

وبلغة الأرقام يجيبنا عن هذا السؤال المهندس البحري العراقي علي كاظم بأن إجمالي معدل استهلاك المياه في العراق يبلغ نحو 53 مليار متر مكعب سنويا، في حين تقدر كمية مياه الأنهار في العراق في المواسم الجيدة سنويا بنحو 77 مليار متر مكعب، وفي مواسم الجفاف بنحو 44 مليار متر مكعب.

وفي حديثه للجزيرة نت، أشار كاظم إلى أن "نقص 7 مليارات متر مكعب سنويا من حصة العراق المائية القادمة من إيران يعني خروج 300 ألف دونم من دائرة الإنتاج الزراعي".

وحذر كاظم من انخفاض نصيب الفرد العراقي من المياه العذبة إلى نحو غير مسبوق يقدر بما يقارب 865 مترا مكعبا سنويا.

هل ستتعرض بغداد التي تشهد انفجارا سكانيا لأزمة جديدة متمثلة بالهجرة من الريف؟

في موازاة ذلك، تنطلق التحذيرات من مختصين في القطاع الزراعي من خطورة نزوح جماعي من أراضي الريف نحو العاصمة.

ويقول الخبير الزراعي عدنان عاشور للجزيرة نت إن انخفاض الأهمية النسبية للزراعة في الناتج المحلي الإجمالي من خلال عدم توفر مياه الري والدعم الحكومي يساعد في تحجيم النطاق الجغرافي الزراعي في العراق.

ولا يستبعد عاشور حدوث نزوح جماعي لطبقة الفلاحين من الأرياف الجنوبية والشمالية تحديدا بعد قطع المياه أو تقليل حصة العراق من قبل دول المنبع (إيران وتركيا).

كيف سيتم التعامل مع الهجرة المتوقعة من الريف إلى المدن؟

بهذا الموضوع يرى أصغر الموسوي الوكيل الأقدم السابق في وزارة الهجرة والمهجرين العراقية أن وزارة الهجرة والحكومة العراقية أمام تحد كبير في حال حدوث نزوج ريفي نحو المدينة نتيجة شح المياه.

وفي حديثه للجزيرة نت شدد الموسوي على ضرورة تحرك الوزارة مبكرا لتدارك هذا الملف كما فعلت سابقا على احتواء ملف النازحين والمهجرين بسبب الأحداث الأمنية والعسكرية.

** الصورة ضعيفة للاستخدام الداخلي فقط - الغزي يؤكد أن الهجرة الريفية ستؤثر سلبًا على البنى التحية والخدمات العامة والسلع في المدن (الجزيرة نت)الغزي أكد أن الهجرة للمدن ستؤثر سلبا على البنى التحتية والخدمات العامة (الجزيرة نت)

هل ستعجز المدن عن استيعاب الهجرة المتوقعة من الريف؟

الهجرة من الريف إلى المدينة يصفها الباحث الاقتصادي ناجي الغزي بالظاهرة الخطرة التي تهدد الوجود الريفي والمدني.

ويضيف الغزي للجزيرة نت أن الهجرة الريفية ستؤثر سلبا على البنى التحتية والخدمات العامة التي يتمتع بها سكان المدن وتولد أزمة في السكن والمواصلات وكثرة الازدحام في الشوارع العامة والطلب المباشر على الخدمات كالكهرباء والاتصالات والخدمات الصحية، إضافة إلى ارتفاع الطلب على السلع الاستهلاكية.

وستكون بغداد أولى المدن العراقية المتضررة التي يسكنها أكثر من 20% من سكان العراق حاليا أي نحو 8 ملايين نسمة، وهذا الرقم بحسب الباحث الاقتصادي كبير جدا على مدينة بغداد التي لم تشهد توسعا عمرانيا وبنى تحتية كالإنشاءات والطرق والجسور والمنشآت الخدمية والصحية.

** الصورة ضعيفة للاستخدام الداخلي فقط - جواد يحدد السياسات الحكومية المطلوبة لكبح جماح الهجرة الريفية إلى المدن (الجزيرة نت)جواد طالب الحكومة بانتهاج سياسات تدعم الزراعة والسكن في المناطق الريفية (الجزيرة نت)

ما السياسات المطلوبة لكبح الهجرة الريفية إلى المدن؟

يؤكد الباحث الاقتصادي رامي محسن جواد على ضرورة تنويع مجالات الاستثمار في الزراعة من خلال توفير قروض ميسرة بلا فوائد للمشاريع الزراعية الكبيرة والمتوسطة والصغيرة التي تستخدم التقنيات وأساليب المكننة الحديثة التي تضمن زيادة الإنتاج وتخفيض التكاليف لتجاوز مشكلة شح المياه.

ويضيف جواد للجزيرة نت أن هناك سياسات أخرى ضرورية من قبل الحكومة يجب اتباعها، منها سياسة الإسكان في المناطق الريفية بإنشاء مجمعات سكنية أفقية حيث تتوفر الأراضي الشاسعة التي من شأنها خلق أسواق تجارية وفرص عمل كبيرة تسهم بالحد من الهجرة الريفية.

ويختم الباحث الاقتصادي بأن الإستراتيجية الإسكانية تسهم أيضا بهجرة عكسية من المدن نحو الريف في حال قامت الحكومة بمنح أراض مجانية للمواطنين وتوفير قروض لبنائها بالمناطق الريفية، مع إنشاء مجمعات ترفيهية عن طريق الاستثمار.

ما خطة وزارة الموارد المائية العراقية للتعامل مع شح المياه؟

لم نستطع الحصول على تصريح من قبل المسؤولين في وزارة الموارد المائية العراقية للإجابة عن هذا السؤال، ولكن في مؤتمر صحفي عقده الوزير مهدي رشيد الحمداني، قبل أيام أكد أن الوزارة تمكنت من تفعيل مذكرة التفاهم الموقعة مع الجانب التركي والتي تضمنت حصول العراق على حصة مائية عادلة، إضافة إلى وجود تنسيق عالي المستوى مع الجانب السوري.

أما بخصوص المياه الواردة للعراق من إيران فقد لفت الوزير حينها إلى أن الوزارة تنتظر الجلوس على طاولة المفاوضات مع الجهات الحكومية في إيران للتوصل إلى اتفاقيات تضمن حق العراق بالماء.

3- منار العبيدي توقع زيادة أسعار النفط ستساهم بسد العجز بنسبة 70٪ "مصدر الصورة: منار العبيدي"العبيدي اعتبر الحكومات العراقية المتعاقبة قد فشلت بتنفيذ سياسات ناجحة لاستغلال الوفرات المائية  (الجزيرة نت)

ما مدى نجاح الإستراتجيات المائية الحكومية في العراق؟

بهذا الشأن اعتبر رئيس مؤسسة عراق المستقبل الاقتصادي منار العبيدي غياب تام للإستراتيجيات المائية خصوصا عندما بلغت إيرادات العراق الكلية من المياه عام 2019 بحدود 100 مليار متر مكعب فلم تستغل بالشكل الأمثل.

و يقول العبيدي للجزيرة نت إن الحكومات المتعاقبة للعراق فشلت بتنفيذ سياسات ناجحة لاستغلال الوفرات المائية من خلال إنشاء مخزون استراتيجي للمياه عن طريق السدود والخزانات بعموم العراق.

وأنتقد العبيدي الأصوات التي تصنف أزمة المياه التي يعيشها العراق بأنها مؤامرات خارجية، وتتناسى فشل الحكومات العراقية بإدارة ملف مهم يمس الأمن المائي والغذائي للعراقيين.

 

**** للاستخدام داخل الخبر فقط - الشيباني يشخص ضعفا كبيرا لدى المفاوض العراقي مع دول المنبع حول الحقوق المائية (الجزيرة نت)الشيباني يشخص ضعفا كبيرا لدى المفاوض العراقي للمطالبة بالحقوق المائية (الجزيرة نت)

ما قدرات المفاوض العراقي بالحوار؟

فيما يشخص الباحث الاقتصادي مقدام الشيباني ضعفا كبيرا لدى المفاوض العراقي مع دول المنبع للمياه بما يضمن توزيعا عادلا وحقوقا مائية مستدامة تشكل المحور الأساسي لتوسیع الرقعة الزراعیة.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقترح الشيباني على الجهات الحكومية العراقية الضغط على دول المنبع عن طريق الورقة الاقتصادية التي يصفها بـ"الرابحة" من خلال تقليل التبادل التجاري مع تركيا وإيران الذي يصل قرابة 30 مليار دولار سنويا، مما يؤدي لزيادة الإطلاقات المائية نحو البلاد والخلاص من أزمة جديدة.

المصدر : الجزيرة