روسيا.. انخفاض قياسي في عدد السكان وتحذيرات من كارثة ديمغرافية

مع انخفاض الدافع على الإنجاب عند الروس، وعدم توقّع حل النقص الديمغرافي في المستقبل المنظور، يرى المختصون أن سياسة الهجرة واستقبال العمالة هي الحل.

Russia's coronavirus cases exceed 942,000
عدة أسباب وراء الانخفاض القياسي في عدد السكان بروسيا، من بينها ارتفاع معدلات الوفيات الطبيعية وكورونا (الأناضول)

موسكو- على الرغم من بدء التطعيم ضد فيروس كورونا على نطاق واسع في روسيا، فإن السنة الثانية من الوباء شهدت خسائر في الأرواح، وصلت لحد وصفها بـ"الكارثة الديمغرافية".

وارتفع معدل الوفيات في البلاد مع تزايد الانخفاض الطبيعي في عدد السكان، رغم تعافي المؤشرات الاقتصادية وفقا للحكومة وبيانات البنك المركزي.

ووفقا لدائرة الإحصاءات الحكومية "روسستات"، وصل عدد الوفيات في البلاد في الفترة بين يناير/كانون الثاني وأكتوبر/تشرين الأول 2021 إلى نحو مليوني شخص، متجاوزا الرقم في الفترة ذاتها من عام 2020 بنحو 20%، وفي عام 2019 بأكثر من 30%، مما أدى إلى انخفاض قياسي في عدد السكان منذ عام 2005.

علاوة على ذلك، بلغ الانخفاض الطبيعي في عدد السكان (الزيادة في عدد الوفيات على عدد المواليد) أكثر من 800 ألف شخص من بداية 2021 حتى الشهر العاشر منها.

وهو ما يزيد 1.7 مرة عن نفس الفترة من عام 2020، و3 مرات أكثر مما كان عليه في نفس الفترة من 2019.

24,439 new COVID-19 cases in last 24 hours in Russia
في عام 2021 تسبب فيروس كورونا بوفاة 315 ألف مواطن روسي (الأناضول)

"نخسر سكان البلاد"

يُشار إلى أن عام ما قبل الجائحة (2019)، سجّل انخفاضا كبيرا في عدد السكان أيضا. وقالت نائبة رئيس الوزراء تاتيانا غوليكوفا، في ذلك الوقت: "نحن نخسر سكان البلاد بشكل كارثي"، و"معدل المواليد لدينا آخذ في الانخفاض، مقابل ارتفاع معدلات الوفيات".

ووفقا لبيانات "روسستات" لهذا العام (في الفترة من يناير/كانون الثاني إلى أكتوبر/تشرين الأول)، أصبح فيروس كورونا هو السبب الرئيس لوفاة أكثر من 315 ألف روسي، وكان مصاحبا لحوالي 60 ألف حالة وفاة أخرى.

وكما في عام 2020، لا تزال غالبية الوفيات الناجمة عن فيروس كورونا في عام 2021 من كبار السن.

وبداية العام الجاري، أعلنت وزارة الصحة عن ضرورة تحقيق "مناعة القطيع" على مستوى 60% من السكان البالغين في الاتحاد الروسي.

ولكن يبدو أنه مع انتشار سلالات جديدة من الوباء، أصبح هذا غير كافٍ. إذ ارتفع الحد إلى 80% من السكان البالغين. وتم تحديد خريف عام 2021 موعدا لذلك، لكن حتى الآن لم يتحقق الهدف، سواء بالجزرة أو العصا.

تطعيم 58% من الروس

واستنادا على بيانات بوابة "ستوب كورونا فيروس" التابعة للحكومة الروسية، المنشورة في 17 من الشهر الحالي، فقد تم تطعيم أكثر من 70.8 مليون مواطن بالكامل، وبالتالي وصلت "مناعة القطيع" في الاتحاد الروسي إلى حوالي 58%.

وبحسب الهيئة الفدرالية لحماية حقوق المستهلك ورفاه الإنسان "روسبوتريبنادزر"، يتم حساب مناعة القطيع وفقا لنموذج خاص، يأخذ في الاعتبار فقط أولئك الذين أصيبوا بالمرض وتم تطعيمهم قبل 6 أشهر على الأقل، بناءً على البيانات التفصيلية في السجل التابع لوزارة الصحة، والتي تؤكد أن إعادة التطعيم لا تقل أهمية عن التطعيم الأوّلي.

ويشير خبراء روس إلى أن السنة الثانية للوباء أظهرت أن القصة لا تنتهي باختراع اللقاح وإطلاق برنامج تطعيم، كما لا يلزم تحقيق مناعة جماعية لمرة واحدة، ولكن يجب تعلّم كيفية الحفاظ عليها عند مستوى عالٍ باستمرار.

ويؤكد هؤلاء أنه أمام المعدلات الحالية للعدوى والتطعيم، فإن تحقيق الانتقال إلى التوازن الجديد قد يستغرق 5 سنوات.

An employee of a flower shop destroys unsold flowers, as lockdown restrictions and self-isolation measures, imposed by the government across the country to slow the spread of the coronavirus disease (COVID-19), led to a slump in flower sales, in Saint Petersburg, Russia April 13, 2020. Picture taken April 13, 2020. REUTERS/Anton Vaganov زهور روسيا لم تفلت من أزمة كورونا
عامل روسي يتلف كميات من الزهور بسبب الإغلاقات التي تسببت بها أزمة كورونا وأدت إلى تدهور اقتصادي (رويترز)

أسباب أخرى للمشكلة الديمغرافية

لكن، هناك من يرى أسبابا أخرى لتراجع أعداد السكان، وأكثرها شيوعا "مشاكل المال". لكن المتحدث الصحفي باسم الرئاسة الروسية ديمتري بيسكوف، صرّح -في وقت سابق- أن الانخفاض في عدد السكان يعود إلى تراجع عدد النساء القادرات أو الراغبات في الولادة.

ويعزو المعيد في المدرسة العليا للاقتصاد أوليغ ماتفييف، الأسباب إلى حقبة تسعينيات القرن الماضي التي ترتبط لدى الجيل الأكبر سنا بالفقر وعدم دفع المعاشات والأجور والنقص في المواد الأساسية، حيث تجاوز معدل الوفيات معدل المواليد في تلك الحقبة بمقدار 1.5 مرة.

ويذكر ماتفييف حينها خوف الناس من إنجاب وتربية الأطفال وتعليمهم، في ظل انهيار المؤسسات وتوقف الرواتب عدة أشهر.

روسيا.. تحذيرات حكومية من تداعيات ارتفاع حجم القروض الشخصية
خبراء يتحدثون عن حاجة روسيا لتبني سياسات هجرة واستقدام عمالة من الخارج لحل مشكلة تراجع أعداد السكان (الجزيرة)

تحتاج لسكان وعمالة

أما المختص في التاريخ الروسي مكسيم أرتيوموف، فيرى أن الوتيرة الحالية هي مجرد استمرار في ارتفاع الوفيات الذي ساد خلال السنوات الثلاث الأخيرة، رافضا اعتبار فيروس كورونا مسؤولا عن مثل هذا "الفشل"، لأنه لا يشكل سوى 20% من الزيادة في الوفيات، بحسب تعبيره.

ويلفت إلى أن الولايات المتحدة -الأكثر تضررا من فيروس كورونا- شهدت نموا في عدد السكان بأكثر من مليون خلال العام الماضي.

ويقول أرتيوموف "لا توجد وصفات بسيطة لحل المشكلة، ولا موارد لزيادة متوسط ​​العمر المتوقع"، متابعا أنه كلما زاد عدد المتقاعدين في البلاد، زاد العبء الاجتماعي وقل عدد العمال والأشخاص في سن الإنجاب.

ووفقا له، لا تحتاج روسيا فقط إلى زيادة عدد السكان، بل إلى تحسين نوعيتها.

ومع انخفاض الدافع لإنجاب الأطفال، وعدم توقع حل النقص الديمغرافي في المستقبل المنظور، يقول المؤرخ: "تبقى سياسة الهجرة هي الحل".

وبناءً على ذلك، يقول أرتيوموف يجب ألا تكون الدولة جذابة فقط للعمالة المنخفضة المهارة، ولكن أيضًا للحصول على التعليم، والمشاركة في بناء اقتصاد "ذكي".

ويختم بأن الدول الغربية اتبعت طريق استيراد العمالة الجاهزة من أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية، لتعويض الخلل الديمغرافي، مما يتطلب من الحكومة الروسية -إلى جانب هذا الخيار- إعادة هيكلة كاملة للنموذج الاقتصادي والاجتماعي.

وخلافا لذلك، يعتقد المؤرخ الروسي أنه لا ينبغي توقع أي اختراقات فيما يتعلق بالديمغرافيا، بل على الأرجح سينخفض ​​عدد السكان بشكل مطرد، وسيتضاءل معه دور روسيا في السياسة العالمية.

المصدر : الجزيرة