تنمية جنوب مصر.. هل توقف هجرة الصعايدة شمالا؟

السيسي يفتتح مجمع إنتاج البنزين بمحافظة أسيوط في صعيد مصر (صفحة المتحدث باسم الرئاسة المصرية)

القاهرةـ عبرت نور عامها الثلاثين دون زواج، فاضطرت لقبول أول طارق لبابها من مسقط رأسها بمحافظة المنيا جنوبا، واتفق الطرفان على أن تعيش العروس في قريته، حيث التمس الزوج الرزق في عصّارة لقصب السكر استأنفت نشاطها مؤخرا لإنتاج العسل الأسود.

عاد العريس لبلدته مغادرا العاصمة التي ضاقت فيها سبل الرزق في مجال الإنشاءات، في هجرة عكسية يرى مراقبون أنها الأمل في تخفيف اختناق القاهرة الكبرى من عدد سكانها البالغ 25 مليونا، بعد أن بات الصعيد مؤخرا محط اهتمام حكومي ووجهة استثمار خاص.

هذا الأمل ربما يدعمه تقرير للجهاز المركزي للإحصاء، يؤكد انخفاض المهاجرين من محافظتي سوهاج وقنا، وهما من المحافظات الأكثر طردا للسكان بمصر. ورغم أن التقرير لم يحدد نسبة محددة لتراجع الهجرة، لكنه لفت إلى أن السبب هو الاستثمارات التي شهدتها السنوات السبع الماضية في الصعيد.

مشروعات مليارية

في هذا السياق، أشار هشام الهلباوي مدير برنامج تنمية الصعيد -المشرف على مشروع "حياة كريمة" بوزارة التنمية المحلية – إلى أن تكلفة مشروعات التنمية في الصعيد وصلت إلى 400 مليار جنيه (الدولار يساوي 15.71 جنيها) خلال 8 سنوات، وذلك قبل إدخال مبادرة "حياة كريمة" لتطوير الريف المصري.

وفي تصريحات متلفزة، قال الهلباوي إن عدد المصانع في الصعيد زاد من 500 مصنع إلى 800 مصنع خلال عامين ونصف، وجرى إشراك عدد كبير من سيدات الصعيد في معرض "تراثنا" بمنتجاتهن داخل مصر وخارجها.

وحول سبب البدء في البرنامج بمحافظتي سوهاج وقنا تحديدا، أوضح أنهما تحتلان المرتبتين الأولى والثانية في معدلات الفقر والبطالة ونسب الهجرة، مشيرا إلى أن البرنامج بدأ عام 2018 بمشاركة وزارات التخطيط والمالية والتجارة والصناعة والتعاون الدولي، ووزارة التنمية المحلية التي تشرف على البرنامج، وبتمويل 500 مليون دولار من البنك الدولي.

وأكد تنفيذ 3589 مشروعا بتكلفة قاربت 10 مليارات جنيه، بينما يجري تنفيذ مشروعات أخرى بقيمة 8 مليارات جنيه، مشيرا إلى أن البرنامج ساهم في مساعدة 7 ملايين مواطن من المحافظتين، كما وفر 299 ألف فرصة عمل دائمة ونحو 10 ملايين فرصة عمل مؤقتة.

وتبرز بالصعيد أزمة التكدس الضخم للبشر في شريط ضيق يتدلى من شمال مصر نحو جنوبها، في جغرافيا خاصة جعلته واديا ضيقا بين هضبتين شرقية وغربية، يشقها نهر النيل ليروي أراض زراعية آخذة في التناقص بفعل الزحف العمراني.

وبحسب بيانات رسمية، يبلغ سكان الصعيد 36 مليون نسمة، أو ما يعادل ثلث تعداد المصريين، ويعيشون على ما نسبته 16.1% من إجمالي مساحة البلاد.

وارتفعت نسب كثافات المناطق السكنية خاصة في المدن الكبرى بالصعيد إلى أكثر من 450 شخصا لكل فدان، مع ارتفاع معدلات الزحف العمراني بالمدن على الأراضي الزراعية (1500 فدان سنويا)، مما أدى لضعف كفاءة الخدمات والمرافق، بحسب بيانات رسمية.

استبعاد الهجرة العكسية

وفي هذا الإطار، يرى رئيس المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر" الباحث مصطفى خضري، أن الصعايدة يهاجرون شمالا بحثا عن فرص أفضل، ويبرزون في قطاعات اقتصادية حجم حصتهم السوقية منها أكبر من أن تستوعبه محافظات الصعيد، مثل قطاع المقاولات وتجارة الملابس والأقمشة والمقاهي والمخبوزات.

وفي حديثه للجزيرة نت، يقول الخضري "حيث يكون النجاح يكون الاستقرار، لذلك فهجرة الصعايدة ليست لأسباب اقتصادية فقط، ولكن هناك أيضا أسباب علمية واجتماعية".

واستبعد الخضري حدوث هجرة عكسية من القاهرة وغيرها للصعيد، موضحا أن هجرة الصعايدة للقاهرة ارتبطت بنجاحاتهم العملية وتكوين رأس مال لا يمكن التخلي عنه بسهولة، خاصة أن محافظات الصعيد لا تستوعب تلك الأعمال إن تم نقلها إلى الصعيد، وكذلك لتكوينهم روابط اجتماعية جديدة.

وتبعا للدراسة الديمغرافية التي أعدها المركز المصري لدراسات الإعلام والرأي العام "تكامل مصر" مطلع عام 2019، فإن 28% من سكان محافظات القاهرة الكبرى ينحدرون من أصول صعيدية، وتربعت محافظة سوهاج على رأس قائمة المحافظات التي تغذي القاهرة الكبرى بالسكان بنسبة 9% من سكان القاهرة الكبرى.

ومن حيث القدرة الاقتصادية، أظهرت الدراسة أن المنحدرين من أصول صعيدية يستحوذون على 39% من الأصول العقارية الأهلية، و40% من النشاط التجاري، و34% من النشاط الصناعي، و31% من النشاط الخدمي بمحافظات القاهرة الكبرى (القاهرة والجيزة والقليوبية).

الحد من الهجرة شمالا

بدوره، يؤكد الكاتب الصحفي سيد أمين -المنتمي لمحافظة قنا جنوبا- أن المشروعات الجارية ستساهم دون شك في الحد من هجرة الصعايدة للقاهرة والشمال.

وفي حديثه للجزيرة نت، يرى أمين أن هذه المشاريع يمكن أن تجذب هجرة عكسية من القاهرة والإسكندرية للأقاليم الجنوبية، و"لو ضاقت سبل الرزق بالقاهرة الكبرى، فستكون الوجهة المفضلة للخارج، وخاصة أوروبا، وليس العودة للجذور"، بحسب وصفه.

وأوضح أن من عوامل تأثير أي أعمال تنمية أو مشروعات صناعية على المنطقة المستهدفة، أن تكون مرتبطة بالبيئة، وأن تكون آمنة ومضمونة الاستمرارية وذات عائد مناسب، بحيث لا تضطر ابن الصعيد للتفكير في الهجرة شمالا.

وفي مناسبات عديدة، تشير وسائل الإعلام المحلية إلى أوضاع الصعيد باعتباره عاما فاصلا بين مرحلتين.

وبمناسبة افتتاح السيسي لعدد من المشروعات في الجنوب، أعادت وسائل محلية التذكير بنسب الفقر حتى  عام 2014 (عام تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي مقاليد الحكم عقب الإطاحة عام 2013 بالرئيس محمد مرسي)، والتي دارت حول 40% في أسوان وبني سويف، و58% في سوهاج وقنا، إلى جانب ارتفاع نسبة البطالة التي تراوحت بين 10% في قنا و15.3% في أسوان.

إضافة إلى ارتفاع نسبة الأمية التي تراوحت بين 14% في الأقصر وأسوان، و30% في أسيوط، وتزامن ذلك مع محدودية الاستثمار في الخطط الاقتصادية، والانعزال المكاني، وتدني مستوى جودة الحياة، وفق بيانات رسمية.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة