جزيرة جديدة تتحرر من التاج.. هل هي بداية أفول نجم العرش البريطاني في العالم؟

بدأت الانسحابات من حكم التاج البريطاني في مطلع السبعينيات مع "غويانا" التي كانت في السابق تعرف باسم "غويانا البريطانية"، ثم "ترينيداد وتوباغو" سنة 1976، ثم دولة "دومينيكا" سنة 1978، وجزر "موريشيوس" سنة 1992، وصولا إلى جزيرة "باربيدوس" سنة 2021.

الأمير تشارلز رفقة رئيسة باربيدوس ساندرا ماسون (وسط) ورئيسة وزرائها ميا موتلي في احتفالية يوم 30 نوفمبر/تشرين الثاني 2021، قبيل انفصال الجزيرة رسميا عن حكم الملكة إليزابيث (غيتي إيميجز)

لندن- في أجواء احتفالية، أعلنت جزيرة باربيدوس انفصالها عن التاج البريطاني، لتصبح بذلك أحدث جمهورية في العالم، بعد 40 سنة قضتها هذه الجزيرة الواقعة في البحر الكاريبي تحت حكم التاج البريطاني.

وقد خضعت الجزيرة للتاج البريطاني في عهد الملكة إليزابيث الثانية، بمقتضى اتفاقية الكومنولث التي تم ترسيمها سنة 1949، أو ما يعرف باتفاقية لندن التي منحت الدول التي كانت خاضعة سابقا للإمبراطورية البريطانية، حقوقا متساوية وإرادة حرة.

وتدريجيا، تتقلص الدول التي ما زالت تحت التاج البريطاني، مع سعي دول أخرى للانفصال عن عباءة الملكة، وهو ما تتقبله الأخيرة بأريحية عبّرت عنها في رسالتها الموجهة إلى سكان باربيدوس، بقولها إنها تتمنى لهم التوفيق والحفاظ على أعمق العلاقات مع المملكة المتحدة.

من اليسار إلى اليمين: السير ألبرت مارغاي رئيس وزراء سيراليون، وكوامي نكروما رئيس غانا، والدكتور هاستينغز باندا رئيس وزراء ملاوي، والسير أبو بكر تافاوا باليوا رئيس وزراء نيجيريا؛ في لندن لافتتاح المؤتمر السنوي لرؤساء وزراء دول الكومنولث 
(غيتي إيميجز)

هل كل دول الكومنولث خاضعة للتاج البريطاني؟

تتكون مجموعة الكومنولث من 54 دولة، منها ما كانت خاضعة للإمبراطورية البريطانية، وأخرى لم تكن تحت الاستعمار البريطاني، ومن بين هذه الدول 15 دولة فقط ما زالت تحت التاج البريطاني.

وتضم مجموعة "كومنولث" حوالي ثلث سكان العالم (2.6 مليار نسمة)، بالنظر لكون الهند تنتمي لهذه المجموعة، إضافة إلى باكستان ونيجيريا وبنغلاديش والمملكة المتحدة.

وتأسست هذه المجموعة بناءً على اتفاق لندن سنة 1949، وانضمت لها دول جديدة مثل رواندا وموزمبيق مع بداية الألفية الجديدة.

وفي سنة 2012، تم التوقيع على ما يعرف بميثاق دول الكومنولث، الذي ينص على تعزيز قيم الديمقراطية والتنمية والمساهمة في السلم والاستقرار العالمي.

وتبقى المملكة المتحدة أكبر اقتصاد في هذه المجموعة، حيث يبلغ ناتجها الخام 3108 مليارات دولار سنويا، تليها الهند بحوالي 2946 مليار دولار.

ما الدول التي لا تزال تحت التاج البريطاني؟

مع بداية حكم الملكة إليزابيث الثانية قبل 70 عاما، كانت هناك 32 دولة خاضعة رمزيا لحكم التاج البريطاني. وتدريجيا تراجع هذا الرقم بشكل كبير ليصل إلى 15 دولة، مع سعي دول مثل جامايكا للانسحاب هي الأخرى من تحت أهداب العرش البريطاني.

وتعتبر الملكة حاليا على رأس 15 دولة، منها ما ينتمي لمجموعة الكومنولث، كأستراليا وكندا ونيوزيلندا والبهاما وجامايكا وغيرها من الجزر، إضافة لجزر أخرى لا تنتمي لدول الكومنولث، منها جبل طارق وجزر الفوكلاند.

وتسعى جمايكا وأستراليا للانسحاب من التبعية الرمزية للملكة إليزابيث، وما زال الموضوع مثار جدل في البلدين، ولم يجد طريقه للتنفيذ حتى الآن.

الفلسطينيون يسعون لعضوية الكومنولث1997/3/11ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية تسود دول الكومنولث ولكن لا تحكمها (الجزيرة)

هل تمتلك الملكة صلاحيات في هذه الدول؟

في المملكة المتحدة، تعتبر الملكة هي رأس الدولة ورئيسة الكنيسة الأنجليكانية، لكنها تسود ولا تحكم، وتحتفظ بدورها في ترؤس المناسبات الرمزية، أما في الدول التي ما زالت تحت التاج البريطاني، فيتم الاعتراف بها على أنها رأس الدولة، لكن من دون صلاحيات حقيقية.

وكل دولة لها حكومة مستقلة تماما عن الملكة وبرلمان مستقل عن المملكة المتحدة، وأحيانا يكون في هذه الدول حاكم يتصرف كممثل عن الملكة، ويكون له دور رمزي في بعض المناسبات، مثل استقبال بعض السفراء أو الوزراء، أو نقل خطابات الملكة لحكومات وبرلمانات هذه الدول.

لكن هذا لا ينقص من صلاحيات هذه الدول في كل مجالات السيادة، بل هي حرة في اتخاذ كل القرارات المتعلقة بالسياسة الخارجية والدفاع والأمن والاقتصاد.

ما الدول التي انسحبت من قبل؟

بدأت الانسحابات من حكم التاج البريطاني في مطلع السبعينيات مع "غويانا" التي كانت في السابق تعرف باسم "غويانا البريطانية"، ثم "ترينيداد وتوباغو" سنة 1976، ثم دولة "دومينيكا" سنة 1978، وجزر "موريشيوس" سنة 1992، وصولا إلى جزيرة "باربيدوس" سنة 2021.

قمة دول الكومنولث تفشل بإحياء رابطتها 1998/4/29قمة دول الكومنولث تفشل في إحياء رابطتها يوم 29 أبريل/نيسان 1998 (الجزيرة)

هل هناك دول تريد الانسحاب؟

ما زال موضوع الانسحاب متفاعلا في جامايكا، فمنذ 5 سنوات يناقش برلمانها التصويت على قرار الانسحاب من تحت حكم تاج الملكة، إلا أنه لم يشرع في إجراءات الخروج.

ومن المتوقع أن تعيد المعارضة هناك إثارة موضوع الانسحاب للتصويت عليه خلال العام المقبل، وهو القرار الذي يلقى تأييدا حتى في صفوف الأغلبية الحاكمة.

وفي أستراليا أيضا، تعتبر مسألة الانسحاب نقاشا قديما جديدا، وذلك منذ الاستفتاء الذي جرى بشأن ذلك سنة 1999، وأسفر عن تصويت 54% من السكان على قرار البقاء تحت التاج البريطاني، قبل أن يعود هذا النقاش ليطفو على السطح خلال العقد الماضي، لكن دون أن يحدث أي تغيير.

البابا مع الملكة إليزابيت الثانية في إدنبرة عاصمة اسكتلندا (الفرنسية)البابا مع الملكة إليزابيث الثانية في إدنبرة عاصمة أسكتلندا (الفرنسية)

ماذا عن انفصال أسكتلندا؟

يبقى ملف أسكتلندا من الملفات الشائكة بالنسبة للملكة إليزابيث، وذلك لأن انفصال هذا البلد لن يكون بسهولة انفصال الدول التابعة للتاج البريطاني بشكل رمزي، فأسكتلندا جزء من المملكة المتحدة التي تضم كلا من بريطانيا وويلز وأسكتلندا وأيرلندا الشمالية.

ويترتب على الدول الموجودة ضمن المملكة المتحدة، الخضوع لقرارات لندن فيما يتعلق بالسياسات الخارجية والدفاعية والأمنية، والاتفاقيات التجارية والمالية.

ورغم تصويت الأسكتلنديين سنة 2014 على خيار البقاء في المملكة المتحدة وعدم الانفصال، فإن رئيسة وزراء أسكتلندا نيكولا ستورجن تسعى لإجراء استفتاء جديد للانفصال، وهو الموضوع الذي ما زال محط نزاع مع رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون.

المصدر : الجزيرة