الشرطة الإسرائيلية توظّف "العنف والجريمة" لملاحقة فلسطينيي 48

يعتقد الحقوقيون أن مصادرة ممتلكات وأموال فلسطينيي 48 تحت شعار "ملاحقة الجريمة"، تتم ضمن مخططات للمساس بحقوقهم المدنية، ولا يستبعدون أن تفضي إلى تقويض حقوق المواطنين العرب في قضايا وملفات ذات طابع سياسي واجتماعي واقتصادي.

تفتيش مئات المنازل لمواطنين العرب المصدر: تصوير الشرطة الإسرائيلية التي عممتها للاستعمال الحر لوسائل الإعلام
الشرطة الإسرائيلية فتشت مئات من منازل فلسطينيي 48 ووسعت صلاحياتها في اقتحام البيوت دون إذن قضائي (الصحافة الإسرائيلية)

القدس المحتلة- تحت "ذريعة مكافحة العنف والجريمة"، صعّدت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية ملاحقة فلسطينيي 48، ونفذّت خلال عام 2021 مئات المداهمات والاقتحامات لمنازل ومحال تجارية بالبلدات العربية، وصادرت ممتلكات بقيمة 300 مليون دولار، واعتقلت المئات بزعم ارتكابهم مخالفات اقتصادية وضريبية.

وأتى الإعلان عن نتائج هذه الحملة التي تهدف -بحسب المزاعم الإسرائيلية- إلى ضرب البنية الاقتصادية "لعصابات الجريمة المنظمة الضالعة في تجارة السلاح والابتزاز وجرائم القتل"، مع قرار الأمن الإسرائيلي تمديد حملة مكافحة الجريمة في الداخل الفلسطيني (المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1948).

ويُشرف على الحملة المسماة "مسار آمن" نائب وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي يوآف سيغالوفيتش، بمشاركة جهاز الأمن العام "الشاباك". وأُعلن تمديدها بزعم ملاحقة "370 مجرما" بالداخل الفلسطيني، يصفهم الأمن الإسرائيلي بـ"مثيري الجريمة"، بينما قدمت النيابة الإسرائيلية 58 لائحة اتهام ضد قسم منهم.

الشرطة الإسرائيلية تداهم المنازل العربية بذريعة مكافحة العنف والجريمة. المصدر: تصوير الشرطة الإسرائيلية التي عممتها للاستعمال الحر لوسائل الإعلامالشرطة الإسرائيلية تداهم المنازل العربية بذريعة مكافحة العنف والجريمة (الصحافة الإسرائيلية)

صلاحيات أوسع للشرطة

ولتبرير حملة مصادرة ممتلكات فلسطينيي 48 التي تأتي تحت غطاء السعي للحد من جرائم القتل، صادق الكنيست الإسرائيلي على تعديل قانون العقوبات بخصوص حيازة السلاح وقانون الجنايات، بشكل يمنح صلاحيات واسعة للشرطة ويجيز مداهمة المنازل دون أمر محكمة.

ورغم إعلان الشرطة الإسرائيلية عن حملات وخطط أمنية لمكافحة فوضى السلاح، ارتفعت حصيلة ضحايا الجريمة في أوساط فلسطينيي الداخل منذ مطلع عام 2021 ولغاية اليوم إلى 107 قتلى، بينهم 15 امرأة. ولا تشمل هذه الحصيلة جرائم القتل في القدس وهضبة الجولان المحتلتين، علما بأن 90% من جرائم القتل لم يتم فك رموزها.

ومع الاتهامات للأجهزة الإسرائيلية بالتقاعس عن إنفاذ القانون وملاحقة سلاح الجريمة، بل بالتواطؤ مع عصابات الجريمة المنظمة، كثفت الشرطة مؤخرا من المداهمات والاقتحامات التي شملت مئات المنازل والمحال التجارية في كبرى التجمعات السكنية العربية.

وتركزّت هذه الحملات في مناطق الجليل والناصرة وعرابة ويركا وساجور والرامة شمال البلاد، والنقب ومدينة رهط وعرعرة النقب جنوبا، وكذلك في مدينتي اللد والرملة في الوسط.

وفي المثلث المحاذي للضفة الغربية، سجّلت قرى وبلدات وادي عارة وكفر قرع وأم الفحم، أعلى عدد من المداهمات والاقتحامات، إلى جانب مدن كفر قاسم والطيرة والطيبة وقلنسوة.

أملاك 500 عائلة

وخلال الحملة التي أتت تحت عنوان "مكافحة العنف والجريمة" و"تطبيق القانون ضد الجرائم الاقتصادية"، تمت مصادرة أملاك وعقارات ومبالغ مالية من حوالي 500 عائلة من فلسطينيي 48.

وقد بلغت قيمة المصادرات من الأملاك والمبالغ المالية 300 مليون دولار، حوّلت إلى خزينة الدولة، كما تمت مصادرة 107 سيارات فارهة بقيمة ملايين الشواكل، وفقا لأوامر صادرة عن مصلحة الضرائب الإسرائيلية.

وخلال الحملة التي يتوقع أن تتصاعد ويتم تكثيفها خلال عام 2022 عقب التعديلات على قانوني العقوبات، تم اعتقال 342 شخصا بشبهة ارتكاب مخالفات اقتصادية وضريبية، وقالت الشرطة إنهم حصلوا على ممتلكاتهم وأسسوا مصالحهم التجارية بارتكاب مخالفات جنائية وعبر العنف والإجرام.

الحراك الشبابي بالداخل الفلسطيني يطلق حملة ضد استفحال العنف والجريمة وتقاعس الشرطة. تصوير: ميرفت صادقيوسف جبارين: الحملات والتعديلات القانونية ليست سوى تغطية على تواطؤ الشرطة مع عصابات الجريمة (الجزيرة)

للتغطية على تواطؤ الشرطة

وحيال ذلك، يحذّر أستاذ القانون الدولي يوسف جبارين من الحملات الشرطية والتعديلات القانونية التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية تحت غطاء "مكافحة العنف والجريمة".

ويقول جبارين للجزيرة نت إن هذه التعديلات ليست سوى تغطية على تواطؤ الشرطة الإسرائيلية مع عصابات الجريمة المنظمة في البلدات العربية، ولتوفير أدوات تمييز وتنكيل إضافية ضد فلسطينيي 48، تحت غطاء مواجهة العنف والجريمة.

وبرأي الحقوقي والأكاديمي جبارين، فإن الحملات والتعديلات القانونية التي تأتي تحت ذريعة مكافحة الجرائم الاقتصادية، تتستر على تقاعس الشرطة في منع فوضى السلاح والحد من جرائم القتل، وتحاول إظهار أن محدودية عمليات مواجهة العنف والجريمة تكمن في الإطار القانوني لا في سياسات الشرطة ونهجها.

وأكد جبارين أن هذه السياسات تستهدف المجتمع العربي لضربه وتفكيكه، حيث تتحدث التعديلات القانونية عن توسيع صلاحيات الشرطة مستقبلا في مجالات أخرى، وخاصة اقتحام منازل العرب ومحلاتهم التجارية والتنكيل بأصحابها دون مراقبة وأمر من المحكمة، وبنص القانون.

الجريمة وسياسات التمييز

ويعتقد جبارين أن ذلك يكمن ضمن المخططات المتواصلة للمساس بالحقوق المدنية لفلسطينيي 48، تحت ادعاءات مكافحة العنف والجريمة، ولا يستبعد أن يفضي ذلك لتقويض حقوق المواطنين العرب في قضايا وملفات ذات طابع سياسي واجتماعي واقتصادي.

ويشير الأكاديمي من الداخل إلى مقتل 70 من فلسطينيي 48 برصاص الشرطة والأمن الإسرائيلي منذ الانتفاضة الثانية عام 2000، والغالبية العظمى من ملفات هؤلاء أغلقت، كما أن 70% من جرائم القتل التي شهدها المجتمع العربي خلال العقد الأخير لم تُفك رموزها.

ويعتقد جبارين أن أسباب الجريمة في البلدات العربية تكمن في سياسات الإجحاف والتمييز التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد فلسطينيي 48 بمختلف مناحي الحياة، وأنه دون سد الفوارق الاقتصادية والصحية والتعليمية والحقوق بالأرض والمسكن، وما لم تتغير السياسات التمييزية، فستبقى خطط مكافحة الجريمة بمثابة ذر للرماد في العيون.

الشرطة الإسرائيلية تداهم المنازل العربية بذريعة مكافحة العنف والجريمة. المصدر: تصوير الشرطة الإسرائيلية التي عممتها للاستعمال الحر لوسائل الإعلامرضا جابر يقدّر أن الحملات الإسرائيلية باسم مكافحة الجريمة ستضرّ بالاقتصاد الهش لفلسطينيي 48 (الجزيرة)

تشكيك وانتقادات

ويتفق المحامي رضا جابر مدير مركز "أمان" -ومقره بلدة كفر برا بالمثلث- مع طرح الحقوقي جبارين، متسائلا في رسالته للشرطة الإسرائيلية: "تريدون ضرب اقتصاد عصابات الجريمة المنظمة، أم تقويض الاقتصاد الهش للمجتمع العربي؟".

ويشير جابر إلى سياسات التمييز التي اعتمدتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة ضد فلسطينيي الداخل، مما أسس لسوق اقتصادي هش وغير منظم.

ويضيف "الآن يتم ضرب هذا الاقتصاد بزعم مكافحة العنف والجريمة وفوضى السلاح، وضرب البنية الاقتصادية لعصابات الجريمة المنظمة وتجفيف مصادر تمويلها ومدخولاتها التي تأتي عبر عمليات تزوير، وتبييض الأموال، ومخالفات ضريبية، وبيع الشيكات وعمليات ابتزاز، على حد تعبير السلطات الإسرائيلية".

وانتقد جابر مصادرة الشرطة عقارات ومبالغ مالية بملايين الدولارات والتحفظ عليها في خزينة الدولة، مشيرا إلى أن هذه المبالغ -وباعتراف سلطات الضريبة والشرطة- حصّلتها جهات جنائية بطرق غير شرعية من فلسطينيي الداخل. وعليه، فالأجدر إعادتها باستثمارات في البلدات العربية، لا سلبها من اقتصاد المجتمع العربي.

ووجّه جابر انتقادات شديدة للشرطة الإسرائيلية وحملاتها، دون خلق بدائل اقتصادية وفرص استثمار تمكّن المجتمع العربي من التحول من الاستهلاك والارتهان للسوق الإسرائيلي إلى الإنتاج والاستقلال الاقتصادي الذاتي.

وشكّك مدير مركز "أمان" في إمكانية أن تفضي حملات الشرطة والتعديلات القانونية الإسرائيلية إلى الحد من جرائم القتل في المجتمع العربي، مشيرا إلى أن الشرطة التي تتعامل مع العرب بعنصرية وتنظر إليهم كأعداء وامتنعت متعمدة عن مكافحة فوضى السلاح، حتى انتشر نحو 500 ألف قطعة سلاح في البلدات العربية، وفقا لتقديرات الشرطة نفسها.

المصدر : الجزيرة