ماذا لو تمركز حلف "الناتو" قبالة الحدود الروسية؟

خلال محادثاته الأخيرة مع نظيره الأميركي جو بايدن، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد أن بلاده مهتمة بجدية بالحصول على ضمانات موثوقة وثابتة من الناحية القانونية، من شأنها استبعاد توسع الناتو شرقا.

موسكو- جاء تحذير سيرغي ريابكوف نائب وزير الخارجية الروسي للولايات المتحدة وحلفائها في حلف شمال الأطلسي (الناتو) من عدم المس بـ "خطوط موسكو الحمراء" واستمرار توجهها بتوسيع الناتو شرقا، ليكشف من جديد عن "حساسية مفرطة" لدى روسيا تجاه فكرة الاقتراب من حدودها.

وجاءت الأزمة الأوكرانية لتزيد من منسوب التهديدات الأطلسية، يقابلها تصلب في موقف الكرملين بعدم السماح بأن تكون حدود روسيا في دائرة الخطر.

وخلال محادثاته الأخيرة مع نظيره الأميركي جو بايدن، كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أكد أن بلاده مهتمة بجدية بالحصول على ضمانات موثوقة وثابتة من الناحية القانونية، من شأنها استبعاد توسع الناتو شرقا.

لكن جيك سوليفان مستشار الرئيس الأميركي صرح بعد ذلك بأن جميع الدول "يجب أن تكون قادرة على اختيار من تدخل معه في شراكة" وذلك في إشارة إلى انضمام أوكرانيا إلى حلف الناتو.

سياسة وقراءات

وفي وقت سابق، أشار المتحدث باسم الخارجية الأميركية نيد برايس إلى أن واشنطن تلتزم بسياسة الباب المفتوح فيما يتعلق بتوسيع الناتو، وهو ما يبدو محاولة لشرعنة انضمام كييف إلى الحلف، وهو ما يرى فيه خبراء روس محاولة أميركية للتوسع الجيوسياسي والعسكري، وفي نفس الوقت، إلقاء مسؤولية تصعيد الموقف حول أوكرانيا على موسكو.

ومن الأهمية بمكان التذكير بأن رفض توسيع الناتو إلى الشرق كان قد وثق في العديد من مذكرات التفاهم بين الاتحاد السوفياتي السابق والبلدان الغربية، في سياق مناقشة قضية إعادة توحيد ألمانيا عام 1990.

وفي هذا السياق، كان الزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف تلقى وعودا بهذا الخصوص من الرئيس الأميركي السابق جورج دبليو بوش، والرئيس الفرنسي السابق فرانسوا ميتران، والمستشار الألماني السابق هيلموت كول، ورئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر. لكن هذه التفاهمات والوعود لم يتم توثيقها في اتفاقيات مكتوبة.

وبحسب تقديرات لخبراء روس، قد تزيد موسكو من عدد قواتها على الحدود، وقد تلجأ لتغيير عقيدة الضربة النووية، وذلك في حال عدم مقدرة الأطراف على التوصل إلى الاتفاقات والتفاهمات المطلوبة.

وقد سألت الجزيرة نت خبراء ومحللين عسكريين روس عن حجم الخطر الذي يمثله اقتراب حلف الناتو من المجال الحيوي لروسيا عبر مجموعة من الأسئلة:

كيف تنظر روسيا إلى فرضية توسع الناتو شرقاَ؟ 

قال محلل الشؤون العسكرية في وكالة "تاس" عقيد احتياط فيكتور ليتوفكين إن روسيا تعتبر نشر قوات أطلسية على الحدود معها خطرا جسيما وتهديدا مباشرا لأمنها القومي، وفي حال حدث ذلك ستكون له عواقب وخيمة.

ويوضح ليتوفكين أن حلف شمال الأطلسي ليس دفاعيا كما يسميه الساسة الغربيون، بل أكثر الأحلاف العسكرية عدوانية، فخلال الأعوام الثلاثين الأخيرة كان الناتو الحلف الوحيد الذي شن مختلف الحروب والاعتداءات، وساهم في احتلال مناطق مختلفة في العالم كيوغسلافيا والعراق وأفغانستان والصومال وليبيا، ولا يزال تهديد شن حرب ضد إيران قائما.

ويتابع أن روسيا لا يمكن أن تتحمل تحليق الطائرات والقاذفات المجهزة بصواريخ نووية، فضلاً عن طائرات الاستطلاع والتجسس الأطلسية بمحاذاة حدودها، كما هو الحال عندما أجرت واشنطن وحلفاؤها الغربيون مؤخرا مناورات "استفزازية" في حوض البحر الأسود على مقربة من شواطئها الجنوبية.

هل يتخذ الناتو من أزمة أوكرانيا ذريعة لنشر قواته؟

يوضح ليتوفكين أن حلف الأطلسي لا يتردد في استغلال أية ذريعة لنشر قواته إلى أقرب نقطة من الحدود الروسية والمناطق التي تدخل في دائرة مصالحها الحيوية، فالناتو أداة واشنطن للهيمنة على العالم، وذلك عبر تضييق الخناق على روسيا، ومن بعدها الصين، وعلى بقية الدول التي لا تريد الخضوع لإملاءات البيت الأبيض.

كيف سيكون شكل الرد الروسي في حال توسع الناتو شرقاً؟

يجيب الخبير العسكري الروسي بأن أشكال الرد قد تكون مختلفة، مرجحا أن يكون من أبرزها توجيه الصواريخ الروسية نحو القواعد الأميركية في أوكرانيا.

ويتابع أنه في حال شن الجيش الأوكراني عملية واسعة النطاق ضد دونباس (شرق أوكرانيا) لاستدراج القوات الأطلسية لاحقاً إلى المنطقة، فسيكون أمام روسيا خيار الرد بعملية مضادة، لإجبار كييف على قبول الحل السلمي للأزمة هناك، كما حصل عندما هاجمت جورجيا أوسيتا الجنوبية، مع كل ما تبع ذلك من تداعيات ونتائج.

ويذهب ليتوفكين، في حديثه عن أشكال الرد، إلى عدم استبعاده قيام روسيا بالاعتراف بجمهوريتي دونتسك ولوغانسيك، ولكن بشرط أن يتم ذلك بعد شن عملية عسكرية لإلزام الأطراف المعنية بالحل السلمي للأزمة، موضحا أنه لا أحد يضمن عدم شن أوكرانيا حربا على الجمهوريتين بعد الاعتراف بهما، وعندها سيبرز سؤال عم من سيحمي السكان هناك، والذين يحمل نصفهم الجنسية الروسية.

سفن الناتو تجري مناورات عسكرية مع القوات الأوكرانية بالبحر الأسود في مارس/آذار 2021 (وكالات)

لماذا يعاد الحديث عن توسع الناتو رغم انهيار منظومة حلف وارسو؟

يجيب مدير مركز البحوث العسكرية والسياسية في معهد موسكو للعلاقات الدولية ألكسي بودبيريوزكين بأنه، في تسعينيات القرن الماضي، لم تتخذ موسكو موقفا صارما بشأن توسع الناتو شرقا، رغم أنها لم توافق عليه، ويفسر ذلك بحالة الضعف العسكري والاقتصادي التي كانت روسيا الاتحادية تعاني منه خلال فترة توسع التحالف.

هل يعتبر توسع الناتو استفزازا أم حاجة حيوية؟

يعتبر بودبيريوزكين أن توسع الناتو في المقام الأول في مصلحة الولايات المتحدة التي تعتبر أوروبا الشرقية نقطة انطلاق للضغط العسكري والسياسي على روسيا، وفي الوقت نفسه، لم يتلق الأعضاء الجدد بالحلف "المكافآت المتوقعة" من واشنطن في شكل معدات عسكرية حديثة، ويواصلون استخدام أسلحة قديمة بشكل أساسي.

ويتابع أن أوكرانيا وجورجيا تلعبان في الوقت الحالي دور المتسبب في الاستفزاز المتواصل لموسكو، من خلال المسارعة في تطوير العلاقات مع الناتو، على أمل الانضمام إلى صفوف الحلف. ومع ذلك، فإن بروكسل -برأيه- ليست في عجلة من أمرها لتزويد هذه الدول بخطة عمل للعضوية، وهي خارطة طريق للاندماج في التحالف، بسبب عدم الرغبة في تأزيم العلاقات أكثر مع موسكو.

المصدر : الجزيرة