سجال سياسي وقانوني.. ما العوائق أمام السماح للاجئين الفلسطينيين بممارسة مهن محصورة باللبنانيين؟

صورة لوزير العمل اللبناني مصطفى بيرم
وزير العمل اللبناني مصطفى بيرم واجه عاصفة من الانتقادات بسبب قراره (الجزيرة)

بيروت- فتح قرار وزير العمل اللبناني "مصطفى بيرم" السماح للاجئين الفلسطينيين بمزاولة بعض المهن المحصورة باللبنانيين؛ سجالا واسعا في لبنان. وكشفت عن انقسام حاد بين من يرى أن للفلسطينيين حقوقا اقتصادية واجتماعية لا بد من اكتسابها بعد عقود من الحرمان، وبين من يجدها سبيلا لإثارة الذعر السياسي والطائفي من توطينهم.

ويعيش في لبنان أكثر من 190 ألف لاجئ فلسطيني مقيمين في 12 مخيما. وحظرت عليهم القوانين اللبنانية لعقود مزاولة عشرات المهن، خصوصا من لديها جسم نقابي وشروط انتساب تحددها القوانين -كالهندسة والطب والمحاماة- وأولها أن يكون المنتسب لبنانيا منذ 10 سنوات.

ويواجه الفلسطينيون ظروفا مأساوية، اشتدت بفعل الأزمات اللبنانية والتراجع الحاد في دعم وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (أونروا)، صحيا وتعليميا وخدماتيا، ما أدى إلى تفاقم البطالة والتسرب المدرسي وتدهور سبل الحياة في المخيمات.

ومن الذين استثناهم قرار حصر المهن باللبنانيين، الفلسطينيون المولودون على الأراضي اللبنانية، والمسجلون رسميا في سجلات وزارة الداخلية اللبنانية.

مشاهد من داخل مخيم شاتيلامشاهد من داخل مخيم شاتيلا للاجئين الفلسطينيين جنوبي العاصمة بيروت (الجزيرة)

لتخفيف وطأة الأزمة

وإذا كان قرار وزير العمل يستوجب موافقة وزراء آخرين حسب القطاعات، فإنه ربط بين استثناء اللاجئين من قرارات منع العمل المطبقة عليهم سابقا، والتقيّد بالشروط الخاصة بالمهن المنظمة بقانون.

وشدد وزير العمل مصطفى بيرم للجزيرة نت على أن ما يمنعه القانون حول عمل الفلسطينيين بالمهن الحرة ما زال ممنوعا، أما قراره فأسقط قرارات لوزراء قبله، حظروا بعض المهن على الفلسطينيين.

وحسب الوزير، فإن القرار أعطى الأولوية للفلسطيني بعد اللبناني مباشرة بالعمل والامتيازات، في العمالة والتجارة ومعظم أشكال المهن.

وقال إن "قراري ضمن نطاق سلطتي ويشكّل متنفسا للفلسطينيين، من أكثر الفئات تأثرا بالانهيار اللبناني، وثمة مسؤولية أخلاقية وإنسانية واقتصادية واجتماعية تجاههم".

ورغم أن بيرم يعتبر من الوزراء المحسوبين على حزب الله اللبناني، لكنه لقي ردا من حليف الحزب رئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل، ووصف قراره بـ "التوطين المقنّع المرفوض". داعيا النقابات لكسره أمام مجلس شورى الدولة، واللبنانيين لعدم الالتزام به، على قاعدة أن القرار ينتزع وظائف اللبنانيين.

وهنا، يصف وزير العمل موقف باسيل بـ"الانتخابي والشعبوي"، وقال إن كل من احتج على قراره لم يقرأ مضمونه والإيجابيات التي أرساها في تحصين عمل اللبنانيين من جهة، ومنح الفلسطينيين هامشا أوسع للعمل والحركة تخفيفا من وطأة الأزمة.

تضارب قانوني

وفيما يؤكد بيرم أن قراره كوزير لا يعدل القانون، يلفت الخبير الدستوري والقانوني بول مرقص أن قرار الوزير عادة ليس مرسوما حكوميا. وبالتالي، يمكن لوزير حالي أن يسقط قرار وزير سابق.

وقال مرقص للجزيرة نت إن قرار الوزير توسع في الاستثناء بإعطاء الفلسطينيين حق العمل دون معايير تفصيلية، ودون تحديد الحاجات القطاعية والجغرافية. كما "جاء باستثناءات واسعة تخالف الدستور والقوانين اللبنانية من حيث النص ومتطلبات سوق العمل".

ترحيب حذر

ورحبت هيئات فلسطينية بقرار وزير العمل، لكنها طالبت بخطوات إضافية وإصدار مرسوم يلزم الوزارات المتعاقبة بالقرار الصادر عن الوزير الحالي، كي لا يسقط بانتهاء مدة ولايته.

وهنا، يعبّر الباحث الفلسطيني علي هويدي مسؤول "الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين" عن أهمية القرار بالنسبة للفلسطينيين، لكنه قال إنه لا يعني فتح أبواب العمل لهم في المهن الحرة، مذكرا بوجود نخبة من الشباب الفلسطينيين الذين نالوا شهادات الهندسة والطب والمحاماة والصيدلة وسواها، وغير قادرين على مزاولتها.

وقال للجزيرة نت إن الفلسطينيين يريدون حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية مقابل الرفض المطلق للتوطين والتمسك بحق العودة لديارهم.

وعليه، فإن قرار الوزير برأي هويدي ناقص لعدم صدوره بالتنسيق مع الوزارات المعنية والنقابات، وبدون مرسوم يجعله نافذا.

ودعا هويدي الجانب اللبناني إلى النظر بضرورة دعم واقع الفلسطينيين اقتصاديا واجتماعيا، تخفيفا من تعقيدات الأزمة وتداعياتها.

تلقي الأزمة الاقتصادية غير المسبوقة في لبنان بثقلها على الفئات الأكثر فقرا وخاصة اللاجئين الفلسطينيين (رويترز)

عوائق عدة

وأمام العوائق القانونية لعمل الفلسطينيين، يُذكّر زياد عبد الصمد المدير التنفيذي لشبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية بأن لبنان سبق أن أصدر قوانين ناظمة لعمل اللاجئين الفلسطينيين ولضمانهم الاجتماعي، لكنهم لم يستفيدوا منها.

ويرى أن حرمانهم من حقوق طبيعية في العمل، جعلهم عرضة للاستغلال والبطالة، وعمّق عزلة المخيمات وفقرها.

ويجد الخبير أن ثمة عائقين سياسيين أساسيين أمام إفساح المجال لعمل الفلسطينيين؛ أولا، ترهيب بعض القوى من التوطين وتحذيرهم من الخلل الديمغرافي مع ما يعنيه سياسيا وطائفيا. ثانيا، التذرع بمزاحمة ومنافسة اللبنانيين في سوق العمل.

ويصف عبد الصمد هذه الحجج بالهشة، لأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للاجئين لا تقود إلى حقوق مدنية وسياسية، ولأن لبنان ملتزم بقرار الجامعة العربية حول توطين اللاجئين الفلسطينيين، وهناك مادة دستورية واضحة حوله.

وقال للجزيرة نت، إن مصلحة لبنان توسيع الاقتصاد وليس تضييقه، وإن بعض ذلك يتحقق بمنح الفلسطينيين حقوقهم المعيشية.

بحاجة لحوار وتوافق

من جانبه، يعتبر باسل الحسن رئيس لجنة الحوار اللبناني الفلسطيني أن ثمة حاجة لخلق مواءمة بين مصالح الفلسطينيين واللبنانيين، مؤكدا على إعطاء اللجنة كهيئة حكومية تأسست منذ عام 2005، الأولوية لحقوق اللاجئين المرتبطة بقضايا العمل.

ويعطي الحسن مثالا أنه بعد جائحة كورونا، ظهرت حاجة لبنان للفلسطينيين كعنصر بشري لسد الفجوة العددية بالقطاع التمريضي.

وأكد للجزيرة نت، أن حوارات اللجنة تظهر حرص الجانب الفلسطيني ألا يكون عنصرا سلبيا في أي سجالات لبنانية.

ويجد الحسن أن عمل الفلسطينيين ليس عبئا على لبنان، "لكن توسيع هامشهم يحتاج لحوار وتوافق لبناني لبناني أولا، حول كيفية الاستفادة والتعاطي مع هذا الوجود".

وعليه، فإن العوائق أمام عمل الفلسطينيين، برأي رئيس لجنة الحوار، تتمحور في السجالات السياسية عند كل قرار وزاري، على الرغم من التوافق اللبناني المطلق على رفض التوطين.

وقال إن المسائل عالقة عند مستوى السقف الذي يريده لبنان لمنح الفلسطينيين حقوقا اقتصادية واجتماعية في التشريعات والتعديلات القانونية.

ويشير الحسن إلى أن المشكلة الأساسية تكمن بموقف نقابات المهن الحرة الرافضة لعمل الفلسطينيين، كاشفا عن أن اللجنة تسعى للحوار معها مباشرة، انطلاقا من الحاجات اللبنانية للعنصر الفلسطيني بسوق العمل.

المصدر : الجزيرة