من بينها مساجد وكنائس وقصور.. مبانٍ ضحت بها مصر لإحياء طريق الكباش

مسجد المقشقش قبل هدمه الأقصر مواقع التواصل الاجتماعي
مسجد المقشقش قبل هدمه (مواقع التواصل الاجتماعي)

القاهرة- لم يكن طريق الكباش -الذي يرجع تاريخه لنحو 3500 سنة وأعادت مصر افتتاحه بمحافظة الأقصر (جنوبي البلاد)- ممهدا على النحو الذي نقلته وسائل الإعلام خلال حفل الافتتاح الذي أقيم مساء الخميس الماضي بمشاركة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

ويربط طريق الكباش بين معبد الأقصر جنوبا ومعبد الكرنك شمالا، وتصطف على جانبيه تماثيل يبلغ عددها 1059 تمثالا وتفصل بين كل منها مسافة 4 أمتار.

وتأخذ تماثيل طريق الكباش شكلين، الأول هو جسم أسد ورأس إنسان "أبو الهول"، والثاني هو هيئة الكبش كرمز لأحد الآلهة عند الفراعنة وهو "آمون رع"، وتقام جميع التماثيل فوق قواعد حجرية.

ومع امتداد الزمن وتعاقب العصور المختلفة طمس طمي النيل جزءا من طريق الكباش الذي جعله ملوك الفراعنة ممرا لمواكبهم ومسارا لبعض أعيادهم، كما أن جزءا ثانيا من الطريق نالته السرقة والتخريب، في حين أصبح جزء ثالث محاصرا بين بنايات أهالي الأقصر التي يعود بناؤها إلى عقود مضت.

كل ذلك جعل مشروع إعادة إحياء طريق الكباش الذي شرعت الحكومة في تنفيذه عام 2005 يواجه عقبات جمة، فأيدي الترميم ظلت مهتزة لفترة طويلة أمام واقع اعتراض مئات البنايات -سواء الأهلية أو الحكومية- المسار القديم.

غير أن قرارات حاسمة وربما قاسية من جانب الحكومة بدأت بإصدار قرار رئيس مجلس الوزراء رقم 1408 لسنة 2005 بنزع ملكية 130 عقارا تعيق مسار طريق الكباش أدت في نهاية المطاف إلى إنجاز عمليات ترميم المسار الذي كان "مقدسا" عند الفراعنة.

إزالة بالجملة

واجه مشروع إحياء طريق الكباش صعوبات نتيجة وجود منشآت حكومية ومنازل للأهالي ودور عبادة إسلامية ومسيحية فوق وفي محيط الطريق الذي يصل طوله إلى نحو 2700 متر وعرضه 76 مترا، حسب مدير معابد الكرنك الطيب غريب.

وشرح غريب لصحيفة الوطن المحلية ماهية الصعوبات، حيث ينقسم طريق الكباش إلى 5 قطاعات، أولها يمتد لمسافة 500 متر من ناحية معبد الأقصر، ويضم قسم شرطة الأقصر القديم وكنيسة و3 مساجد وبعض البازارات العشوائية (محلات لبيع المنتجات السياحية).

ويمتد القطاع الثاني لمسافة 950 مترا، ويضم مجموعة من مبانٍ ومنازل للأهالي، إلى جانب مسجد، أما القطاعان الثالث والرابع فكانا عبارة عن مجموعة من الأراضي الزراعية خلف مكتبة مبارك العامة، والقطاع الخامس كان يضم منطقة سكنية وطريقا عاما في نجع أبو عصبة.

وأضاف مدير عام معابد الكرنك أن أعمال الحفر والتنقيب بدأت في القطاعات المختلفة حتى عمق 6 أمتار، مشيرا إلى العثور على بعض تماثيل الكباش في حالة سليمة تماما، فيما عُثر على أغلبها في حالة سيئة جدا نتيجة التخريب والسرقة خلال العصور القديمة.

غير أن سمير فرج -الذي تولى منصب رئاسة المجلس الأعلى لمدينة الأقصر عام 2004 قبل تحويلها لمحافظة عام 2009 واستمر محافظا لها حتى عام 2011- يصف نفسه بأنه واضع خطة التنمية الشاملة بالمحافظة، وينسب إلى نفسه أغلبية الإنجاز بمشروع طريق الكباش.

وفي مداخلة هاتفية مع قناة "صدى البلد"، قال فرج -وهو ضابط سابق بالجيش- إنه أشرف بصفته محافظا للأقصر على تطوير 2600 متر من طريق الكباش من أصل 2700 متر، مما يعني أن مسافة 100 متر فقط تبقت للمسؤولين من بعده ليباشروا تطويرها، حسب قوله.

وأضاف أن أهالي الأقصر كانوا يعيشون فوق المسار الفرعوني، مبينا أن 450 منزلا و20 بازارا وقسم شرطة المدينة و3 مساجد وكنيسة كانت ضمن البنايات المنشأة فوق طريق الكباش.

وتولت أجهزة المحليات صرف تعويضات مادية ووحدات سكنية لأصحاب المنازل المهدمة، وفقا لمحافظ الأقصر الأسبق، مشيرا إلى تشييد مساجد وكنيسة وبازارات في أماكن أخرى بعيدة عن طريق الكباش.

تاريخ يُزال

في أكتوبر/تشرين الأول 2009 هدمت السلطات بمحافظة الأقصر مسجد المقشقش -الذي يقع شمال معبد الأقصر ويرجع تاريخه لنحو 350 سنة- إلى جانب مسجدين آخرين بموجب قرار من رئيس الوزراء وقتها أحمد نظيف.

وبعد تعثر مشروع إحياء الطريق الكباش مع قيام ثورة 25 يناير/كانون الأول 2011 ثم استئنافه في عام 2017 عادت مطارق الهدم في سبتمبر/أيلول 2020 لإزالة الكنيسة الإنجيلية التي يرجع تاريخ تشييدها إلى عام 1907.

إلى ذلك، يتحدث أهالي الأقصر عن مبانٍ أخرى تم هدمها ولم يسلط الإعلام الضوء عليها، فبحسب مدير مركز دراسات تراث الصعيد بالأقصر عبد المنعم عبد العظيم تم هدم أجزاء من تراث الأقصر تحت غطاء تطوير المدينة، مثل إزالة قصر أندراوس الذي يعود تاريخ بنائه إلى عام 1897 وقصر ثقافة الأقصر وجمعية الشبان المسلمين ومقابر الكونغرس ونادي الأقصر الرياضي ومبنى الهلال الأحمر و3 مدارس وفندق، إضافة إلى السوق السياحي.

وخلال أعمال الحفر والترميم في طريق الكباش أعلنت وزارة السياحة والآثار عن عدد من الاكتشافات الأثرية المهمة في المنطقة، مثل اكتشاف مقياس لمنسوب مياه النيل أقيم خلال حكم الأسرة الفرعونية الـ25، واكتشاف معاصر كاملة للنبيذ وأماكن لصناعة التمائم.

تعويضات

في مارس/آذار 2013 اعتمد رئيس الوزراء وقتئذ هشام قنديل مبلغ 100 مليون جنيه (ما يعادل 6 ملايين دولار) ضمن الخطة المالية لعام 2014/2013، لتعويض المتضررين من مشروعات تطوير مدينة الأقصر، والتي تتضمن إحياء طريق الكباش.

ويبدو أن المبلغ لم يخصص بأكمله لتعويض الأهالي، حيث صرح محافظ الأقصر وقتها عزت سعد بأن المبلغ المعتمد سيغطي التعويضات للمواطنين، وسيتم استعمال الفائض منه لاستكمال مخطط التنمية الشاملة بالمدينة.

ولم تكن الـ100 مليون جنيه هي أول المبالغ المدفوعة من جانب الحكومة كتعويضات لما سيتم هدمه، ففي ديسمبر/كانون الأول 2010 أعلن محافظ الأقصر حينئذ سمير فرج أن قيمة التعويضات التي قدمتها المحافظة للمتضررين من أعمال مد وإنشاء طريق الكباش بلغت 500 مليون جنيه، مضيفا -على هامش المؤتمر الدولي الثالث للسياحة الإلكترونية- أن افتتاح طريق الكباش سيكون في فبراير/شباط 2011.

ومنطقيا، فإن تحديد موعد افتتاح طريق الكباش في غضون 3 أشهر يعني أن المشروع كان على وشك الانتهاء منه، وبالتالي اكتمال صرف أغلبية التعويضات.

وبعد استئناف العمل بطريق الكباش في عام 2017 صدر قرار جمهوري رقم 201 لسنة 2018 يعتبر أن مشروع نزع ملكية العقارات المتداخلة التي تعوق استكمال كشف مسار طريق الكباش وحرمه بمدينة الأقصر من أعمال المنفعة العامة.

وتضمنت المادة الأولى من القرار نزع ملكية العقارات على مساحة فدان و18 قيراطا و4 أسهم في منطقة نجع أبو عصبة بمدينة الأقصر.

وفي مايو/أيار 2019 وقعت اشتباكات بين قوات من الشرطة المصرية وأهالي منطقة نجع أبو عصبة، بسبب هدم عدد من بيوت الأهالي التي تعترض طريق الكباش.

وسرعان ما تحركت الحكومة المصرية لاستيعاب غضب الأهالي، فبعد أيام قليلة من الاشتباكات عقدت لجنة صرف التعويضات لأهالي نجع أبو عصبة اجتماعا أقرت فيه زيادة قيمة التعويضات المقررة لهم من قبل.

نقل تماثيل

ورغم الطريق الطويل الذي قطعته الحكومة المصرية لنقل الأهالي والمنشآت الممتدة على طريق الكباش فإن السلطات أعلنت في منتصف عام 2020 عن خطة لنقل 4 من تماثيل طريق الكباش إلى العاصمة لوضعها في ميدان التحرير وسط القاهرة، في إطار عملية تطوير شملت الميدان.

وتحت وسم "ضد نقل تماثيل الكباش بالكرنك" نشط أثريون وقتئذ على مواقع التواصل الاجتماعي، للمطالبة بمنع نقل التماثيل من أماكنها باعتباره ذلك تصرفا يخالف المواثيق الدولية التي تحظر نقل المعلم التاريخي عن نسيجه الحضاري إلا في حالة الضرورة القصوى.

وأبدى الأثريون تخوفهم من نقل التماثيل إلى بيئة رطبة تختنق بالغازات الضارة بخلاف البيئة الجافة التي تتسم بها الأقصر.

غير أن الحكومة نفذت خطتها ونقلت 4 من تماثيل طريق الكباش وجعلتها تحيط كالدائرة بمسلة فرعونية وسط ميدان التحرير.

المصدر : الإعلام المصري + الجزيرة