للمرة الثانية خلال عام.. مصر تروّج لآثارها عبر المواكب الفرعونية

ينطلق طريق الكباش من معبد الكرنك وحتى معبد الأقصر بطول يزيد على 2500 متر (الأوروبية)

القاهرة- قبل نحو 3500 عام، اختار المصري القديم طريقا بين معبدين بالعاصمة "طيبة" -مدينة الأقصر حاليا- جنوبي البلاد يزيد طوله عن 2750 متر، ليُسيّر مواكبه الاحتفالية بعدة أعياد، وهو ما عُرف بـ"طريق الآلهة"، وبعد آلاف السنين أعادت مصر ترميم الطريق الفرعوني وأقامت بمناسبة افتتاحه احتفالية كبرى مزجت بين ماضي الأجداد والحاضر.

وشرعت مصر منذ عام 2005 في ترميم مسار المواكب القديم، الذي يربط بين معبدي الكرنك والأقصر ويعرف حاليا باسم "طريق الكباش". وبعد سنوات من الجهد والتعثر، افتتحت وزارة السياحة والآثار الطريق الفرعوني مساء أمس الخميس، بحضور الرئيس عبد الفتاح السيسي.

وتنوعت فقرات الاحتفالية التي حضرها عدد من الوزراء وسفراء دول أجنبية، لإبراز هوية الحضارة المصرية القديمة والتراث الحاضر للمواطن الذي يعيش في مدينة الأقصر، في إطار دعائي للترويج السياحي.

ويعد الحفل هو الثاني من نوعه خلال عام، حيث نظمت مصر في أبريل/نيسان الماضي موكبا فرعونيا لمصاحبة نقل مومياوات 22 ملكا حكموا مصر القديمة من المتحف المصري إلى متحف الحضارات، فيما عرف إعلاميا بموكب المومياوات الملكية.

متحف مفتوح

يبدأ طريق الكباش من الصرح العاشر لمعبد الكرنك ويتجه جنوبا لمسافة 300 متر، وتتراص على جانبيه تماثيل تأخذ جسم أسد ورأس كبش، ويمتد إلى معبد خنسو ثم معبد نوت باتجاه الغرب لمسافة حوالي 200 متر لينحرف جنوبا مرة أخرى بطول ألفي متر حتى يصل إلى معبد الأقصر، وتأخذ التماثيل الممتدة إلى معبد الأقصر شكل جسم أسد ورأس أدمي.

وخلال جولة تفقدية لمتابعة تنفيذ مشروعات سياحية وخدمية بمحافظة الأقصر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قال رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي إن الدولة بكل أجهزتها تقدم كافة الإمكانيات اللازمة لإقامة احتفالية كبرى للترويج للمحافظة، على هامش الانتهاء من مشروع إعادة إحياء طريق الكباش.

وأضاف مدبولي أن المشروعات الجاري تنفيذها حاليا في عدة مناطق أثرية بالأقصر، ستجعل من المدينة متحفا مفتوحا يلفت أنظار السائحين من كل أنحاء العالم.

وصفُ "متحف مفتوح" تكرّر أكثر من مرة على لسان وزير السياحة والآثار خالد العناني خلال احتفالية افتتاح طريق الكباش، معتبرا ترميم مسار المواكب القديمة أكبر مشروع أثري مصري.

وحسب الهيئة العامة للتنمية السياحية، تساهم السياحة بنحو 11.3% من إجمالي الداخل القومي، وتوفر 19.3% من العملة الصعبة في مصر، كما يبلغ عدد العاملين في قطاع السياحة 12.6% من إجمالي قوة العمل بالبلاد.

حفل متنوع

بدأت احتفالية افتتاح طريق الكباش بجولة سريعة للسيسي داخل معبد الأقصر، صاحبه خلالها وزير السياحة والآثار الذي قدم شرحا معلوماتيا لأهمية المسار الفرعوني.

أعقب ذلك فقرة غنائية باللغتين العربية والإنجليزية للمطرب محمد حماقي والمطربة لارا اسكندر، ثم عُرض فيلم تسجيلي قصير يحمل اسم "الأقصر.. السر"، يستهدف الدعاية لبعض المناطق الآثرية بالمدينة مثل معبد حتشبسوت ومقابر وادي الملوك والملكات ومعبد هابو.

وقد اهتمت المقاطع المسجلة بالترويج لسياحة المناطيد التي تشتهر بها مدينة الأقصر، وعربات الخيول (الحناطير) والسياحة النيلية.

وبعد كلمة ألقاها وزير السياحة والآثار حول أهمية إحياء طريق الكباش، والجهود التي بذلت من أجل الوصول إلى لحظة حفل الافتتاح، بدأ الموكب الفرعوني بإنارة بانورامية تدريجية لطريق الكباش على طول ما يقارب 3 كيلومترات.

وعلى إيقاع موسيقى الأوركسترا الفيلهارمونية بقيادة المايسترو نادر عباسي، وكلمات أنشودة آمون التي غناها مطروبون باللغة الهيروغليفية، تحركت عبر الصرح الأول لمعبد الأقصر 3 مراكب ترمز للثالوث المقدس لدى الفراعنة، يحملها شباب يرتدون ملابس فرعونية، ويتقدمهم حاملو البيارق وفتيات بزي فرعوني يقدمن عروضا راقصة، متجهين إلى بداية طريق الكباش.

 

بالتزامن مع تحرك الموكب على طريق الكباش، تحركت 3 ذهبيات (مراكب) عائمة صُممت على الطراز الفرعوني، وترمز لثالوث المعبودات الفرعونية: آمون وموت وخنسو.

مع وصول الموكب إلى بداية طريق الكباش، تقدم المطرب وائل الفشني ليعيد تقديم أغنية شهيرة عن مدينة الأقصر وهي "الأقصر بلدنا بلد سواح"، ومع الختام ظهرت الألعاب النارية في سماء الأقصر.

تفاعل واسع

على نطاق واسع تفاعل رواد مواقع التواصل الاجتماعي مع افتتاح طريق الكباش والحفل المصاحب له، ومنهم من عبر عن انبهاره بالتنظيم والفقرات المتنوعة بين عصر الفراعنة والمعاصرة، في حين قارن البعض بين الحفل ونظيره الذي أقيم لمصاحبة موكب المومياوات الملكية، مؤكدين أن الأخير كان أكثر تنظيما وإبهارا.

 

في المقابل، انتقد عدد من رواد التواصل الاجتماعي الانشغال بتنظيم الاحتفالات الضخمة في بلد يعاني من أزمات اقتصادية وتنقصه الحريات السياسية.

إحياء الكباش

في عام 1949، تم اكتشاف 8 تماثيل في طريق الكباش، وتوالت بعد ذلك الاكتشافات لباقي الطريق من جانب أثريين حتى عام 2006.

ويقع طريق الكباش في مدينة الأقصر، وقديما كانت تسمى "طيبة" وهي عاصمة مصر لفترات طويلة خلال عصور الدولة الفرعونية الوسطى والحديثة، وأضيفت طيبة القديمة ومقابرها إلى قائمة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو في عام 1979، وفق الموقع الرسمي لوزارة السياحة والآثار.

يربط طريق الكباش بين معبد الأقصر جنوبا ومعبد الكرنك شمالا بطول 2750 متر وعرض 76 مترا، وعلى جانبيه توجد تماثيل يرجع تاريخها لأكثر من 3500 سنة، يبلغ عددها 1059 تمثالا ويفصل بين كل منها مسافة 4 أمتار.

تماثيل طريق الكباش التي تهدم عدد منها على مر العصور المختلفة، تأخذ شكلين، الأول هو جسم أسد ورأس إنسان "أبو الهول"، والثاني هو هيئة الكبش كرمز لأحد الآلهة عند الفراعنة وهو "أمون رع"، وتقام جميع التماثيل فوق قواعد حجرية.

وخلال حكم الملك أمنحتب الثالث، من الأسرة الـ18، بدأ تشييد هذا الطريق، ولكن الجانب الأكبر من التأسيس كان في عهد الملك نختنبو الأول، مؤسس الأسرة الـ30 الفرعونية آخر أسر مصر القديمة.

وأطلق المصري القديم على طريق الكباش اسم "وات نثر" أي طريق الإله، وأقام فيه الاحتفالات بعدة أعياد مثل عيد تتويج الملك وعيد الآوبت، وهو عيد الحصاد عند الفراعنة، وكان طريقا لمواكب كبرى ملكية في الزمن القديم.

وفي عام 2005، بدأت الحكومة المصرية في وضع رؤية لإعادة إحياء طريق الكباش، ورغم المضي قدما في تنفيذ المشروع فإنه تعثر لاحقا لعدة سنوات خاصة مع الاضطراب السياسي الذي أعقب ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 التي أطاحت بالرئيس حسني مبارك بعد 30 عاما في السلطة.

ماذا بعد؟

طالبت عدد من شركات السياحة بتعديل برنامج الزيارات فى المناطق الأثرية بمدينة الأقصر لقضاء يوم كامل في طريق الكباش عقب افتتاحه، حسبما أعلنت لجنة تسويق السياحة الثقافية بالأقصر.

وأوضح رئيس اللجنة محمد عثمان، لصحيفة المصري اليوم، أن الزيادة المتوقعة للتدفق السياحي عقب افتتاح طريق الكباش تصل إلى 38%، بجانب 18% زيادة متوقعة في حجم الإنفاق اليومي للسياح داخل الأقصر بعد تحولها لأكبر متحف مفتوح في العالم.

وعن خطط وزارة السياحة والآثار للمشاريع القادمة، أكد الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار مصطفى وزيري قرب افتتاح قصر محمد علي الذي يقع بحي شبرا في القاهرة، موضحا أن ترميم القصر تكلف 300 مليون جنيه، أو ما يعادل 19 مليون دولار.

وأشار وزيري، خلال لقاء على قناة صدى البلد، إلى قرب افتتاح متحف عواصم مصر في العاصمة الإدارية الجديدة الذي يحكي قصص أهم العواصم في تاريخ مصر بحضارات مختلفة، إلى جانب افتتاح المتحف اليوناني الروماني بالإسكندرية خلال الأشهر القادمة.

أما المشروع الأضخم والمرتقب افتتاحه خلال العام القادم، فهو المتحف المصري الكبير الذي اعتبره الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار أضخم متحف عرفته البشرية، إذ يقع على مساحة نصف مليون متر مربع.

وأوضح أن المتحف الكبير يضم أكثر من 55 ألف قطعة آثرية، و4500 قطعة من آثار الملك الفرعوني توت عنخ آمون، فضلا عن قطع آثرية أخرى.

المصدر : الجزيرة