هل تركب إندونيسيا قطار التطبيع؟.. لقاء وزير الدفاع الإندونيسي بسفير إسرائيل في البحرين يثير جدلا بجاكرتا

وزير الدفاع الإندونيسي برابوو سوبيانتو (يمين) أثناء لقائه السفير الإسرائيلي في البحرين (الفرنسية)

جاكرتا – وصف المتحدث باسم وزارة الدفاع الإندونيسية في حديث للجزيرة نت المحادثة المقتضبة التي تمت بين وزير الدفاع الإندونيسي برابوو سوبيانتو والسفير الإسرائيلي في البحرين إيتاي تغنر السبت الماضي على هامش مؤتمر حوار المنامة للأمن الإقليمي باللقاء العابر على اعتبار أن كليهما من المشاركين في المؤتمر.

وأضاف داهنيل أنزار سيمانجونتاك بأن برابوو كان من المتحدثين الرئيسيين في مؤتمر المنامة، كما أنه رد على العديد من الأسئلة في تلك الجلسة.

وقال إن موقف وزير الدفاع الإندونيسي من الصراع الفلسطيني الإسرائيلي واضح كما صرح به في خطابه في المؤتمر بحضور الوفد الإسرائيلي، وهو تأكيده على دعم إندونيسيا الكامل للشعب الفلسطيني ونضاله وإقامة دولة مستقلة وذات سيادة، والحث على الوصول إلى السلام أو الحل السلمي للصراع.

ومما قاله برابوو في كلمته في المنامة هو أن "شعبنا يتابع عن كثب ما يجري من أحداث وتطورات في منطقة الشرق الأوسط"، وأن "الصراعات والتوتر والعنف الذي يحدث في الشرق الأوسط يصيب شعبنا ببالغ الحزن، ويرجو الشعب الإندونيسي أن يرى نهضة في العالم العربي، نهضة سلام وازدهار".

وتابع "بالنسبة لنا، فإن القضية الفلسطينية تظل موضوعا ذا أهمية كبيرة للشعب الإندونيسي، وأود أن أكرر القول إن إندونيسيا تدعم الحل السلمي الذي يشمل حل الدولتين، ونحن مستعدون للقيام بأي جهد نقدر عليه لتحقيق ذلك ودعم إمكانات هذا الحل".

وكانت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية قد وصفت اللقاء بغير العادي، وقالت على موقعها "تم توثيق حديث تغنر مع وزير دفاع أكبر دولة إسلامية على الرغم من عدم وجود علاقات رسمية بين البلدين"، مضيفة أنه لقاء "غير عادي، خاصة مع الأخذ في الاعتبار أنه منذ سنوات عديدة لم يحدث لقاء علني بين ممثلين للبلدين، وبالتأكيد ليس على هذا المستوى الرفيع".

وأشارت الصحيفة إلى أن "السياسة الرسمية" بين إندونيسيا وإسرائيل هي "تجاهل" أو عدم إقامة علاقات رسمية، لكنها أضافت أن هناك علاقات تجارية بين الدولتين عبر قنوات عديدة غير مباشرة.

وقبل أن يتفشى وباء كورونا، كان بإمكان رجال الأعمال الإسرائيليين زيارة إندونيسيا.

Japan-Indonesia Foreign and Defense ministers meeting two-plusوزير الدفاع الإندونيسي برابوو سوبيانتو أثار الجدل بعد لقائه سفير إسرائيل في البحرين (وكالة الأناضول)

رفض التطبيع

وقد أثارت تلك المحادثة جدلا واسعا على وسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين، وأظهرت التعليقات وروابط الأخبار المحلية تحت وسم "برابوو_إسرائيل" باللغة الإندونيسية اهتماما شعبيا وإعلاميا واسعا بما حدث، وتساؤلات حول جدوى التطبيع بالنسبة لإندونيسيا والموقف من فلسطين.

وممن علق على ذلك تيفاتول سيمبيرينغ وزير الإعلام السابق والبرلماني المعارض عن حزب العدالة والرفاه، حيث قال -في تغريدة له- "احذروا من أن تُخدعوا، لأن التطبيع مع إسرائيل معناه الاعتراف بدولة إسرائيل، والاعتراف بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وقبول الاحتلال مخالف لمقدمة دستور إندونيسيا لعام 1945".

ويستند الوزير السابق وغيره من الرافضين للتطبيع مع إسرائيل إلى العبارة التي جاءت في الدستور الإندونيسي، أو ما يسمى بالقانون الأساسي للبلاد؛ وهي أول جملة في الدستور، ونصها "إن الاستقلال حق لكل شعب، ولهذا يجب أن يزال كل استعمار من على وجه الأرض لأنه مخالف لمعاني الإنسانية والعدالة".

من جانبه، قال محي الدين جنيدي -رئيس مكتب العلاقات الخارجية والتعاون الدولي في جمعية المحمدية- إنه ليس هناك علاقات دبلوماسية بين إندونيسيا وإسرائيل، ولكن هناك تواصل غير رسمي في مجال التجارة والأعمال، رغم أنها تجري بعيدا عن الأنظار.

وتابع "وفي سياق الاجتماع الذي كان يبحث قضايا إستراتيجية في البحرين، فإنه إذا كان اللقاء بين وزير الدفاع والسفير الإسرائيلي قد قرر مسبقا وبشكل رسمي فإنه يخالف نص الدستور، لأن إندونيسيا ما زالت تعتبر إسرائيل محتلة لفلسطين، وهو أمر يخالف القيم الإنسانية، ولأن الوزير حاضر نيابة عن الحكومة، وهو موضوع حساس جدا"، معبرا عن استيائه في حال الترتيب المسبق للقاء.

أما إن كان اللقاء "صدفة" على غير موعد ولا ترتيب مسبق كأي لقاء بين مشاركين في نفس قاعة المؤتمر فإنه لا إشكال في ذلك، على حد قول جنيدي في حديثه للجزيرة نت، وهو يشغل أيضا نائب رئيس المجلس الاستشاري لمجلس علماء إندونيسيا.

وأوضح أن على برابوو أن يفكر مليا في أي خطوة تطبيعية مع إسرائيل إن كان يسعى لأن يترشح مرة رابعة للرئاسة الإندونيسية عام 2024 لأن هذا الملف سيستفيد منه منافسوه حينذاك.

Rally in support of Palestinians in Indonesiaمظاهرة داعمة لفلسطين بمدينة يوغياكارتا في إندونيسيا (الأناضول)

ورقة ضغط

وكان برابوو زعيم حزب "حركة إندونيسيا العظمى" مرشحا للمعارضة في الانتخابات الماضية عام 2019، لكنه توصل إلى توافق بعد خسارته السباق الانتخابي، ورغم ما قدم من طعون؛ فإنه توافق مع الرئيس المنتخب للدورة الثانية جوكوي، وبموجب هذا التوافق تسلم برابوو وزارة الدفاع وانضم حزبه للتحالف الحاكم.

ووفق رأي جنيدي، فإن إسرائيل تحاول البحث عن وكلاء لممارسة الضغوط على إندونيسيا، ومن وكلائها في هذه الحالة دولتان عربيتان هما الإمارات والبحرين اللتان طبعتا العلاقات مع إسرائيل، وستسعى هاتان الدولتان في نظر جنيدي إلى التواصل بشكل مكثف مع إندونيسيا، ومن ذلك وعود الإمارات باستثمارات وبقروض تمويلية لمشروع في إقليم كاليمنتان الشرقية، محذرا من أن يكون ملف التطبيع جزءا من الترتيبات المالية ووسيلة ضغط على جاكرتا لإقامة علاقات مع إسرائيل.

وحذر جنيدي من أن تطبيع العلاقات بين إندونيسيا وإسرائيل يعني انهيار حصن مهم من حصون منظمة التعاون الإسلامي، وما وراء إندونيسيا من دول إسلامية أخرى، ولهذا تصر إسرائيل على التقارب مع جاكرتا لإدراكها أهمية إندونيسيا.

وأشار إلى طرق أخرى للتقريب بين البلدين، ومنها في تقديره احتمال أن تتجه جمعية نهضة العلماء الإندونيسية -وواجهتها السياسية حزب النهضة القومية من التحالف الحاكم في البلاد- إلى دعم توجه التطبيع مع إسرائيل إن فاز أحد المرشحين لقيادتها في انتخاباتها المقبلة قريبا، والذي كان قد زار إسرائيل سابقا ويؤيد التطبيع معها.

وقال جنيدي إنه ما بين 40 و50 ألف إندونيسي كان يذهب إلى فلسطين كل عام، قبل وباء كورونا، ومعظمهم يشد الرحال للصلاة في المسجد الأقصى، وهناك أيضا مسيحيون يذهبون إلى القدس لأهمية فلسطين بالنسبة لهم أيضا، ويوجد تواصل تجاري بين البلدين، ولو تم الالتزام بالبيانات الصادرة عن منظمة التعاون الإسلامي، ومنها ما صدر من بيان في جاكرتا عام 2016، تؤكد على مقاطعة إسرائيل، فيفترض ألا تقوم علاقات تجارية بين البلدين من منطلق أخلاقي، لا أن تقدم المصالح التجارية، حسب رأيه.

وعادة ما تسلك إسرائيل مسلك العلاقات التجارية كممهد للعلاقات الدبلوماسية كما حدث في دول عربية عديدة حسب قول جنيدي، مؤكدا أن تطبيع كبرى الدول الإسلامية يعني نسيان قضية فلسطين في مقابل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي على حساب الفلسطينيين.

واستنكر جنيدي مسارعة دول عربية إلى تطبيع العلاقات مع إسرائيل، قائلا إن إسرائيل ستظل تبحث عن ثغرة أو أي فرصة سانحة لتطبيع العلاقات مع إندونيسيا، مشددا على ضرورة أن تحافظ المنظمات المجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني في إندونيسيا على موقفها الرافض للتطبيع، خاصة أن إندونيسيا مقبلة على استضافة قمة الدول العشرين العام المقبل، ولثقل إندونيسيا السكاني في العالم الإسلامي.

Protest against Israel in Jakartaإندونيسي مشارك في مظاهرة داعمة لفلسطين بالعاصمة جاكارتا (رويترز)

شروط إندونيسيا

وفي جوابه عن أسئلة الجزيرة نت، قال يون محمودي -الأستاذ في قسم العلاقات الدولية بجامعة إندونيسيا- إن ما حصل من محادثة بين برابوو والسفير الإسرائيلي لم يكن إلا لقاء عابرا غير مرتب مسبقا، وبين الجلسات في المؤتمر، موضحا بأنه كان يفترض أنه كان على مساعدي وزير الدفاع الإندونيسي أن يتوقعوا مبكرا احتمالات سعي بعض الوفود للقاء به، في ظل سياق سعي إسرائيل المكثف لمثل هذه الفرص.

وتابع بالقول "وحيث إن ترتيب لقاء رسمي غير ممكن، فإن الجانب الإسرائيلي سيظل يسعى للقاء المسؤولين الإندونيسيين في أي مؤتمر اقتصادي أو إنساني دولي، لإدراكهم أهمية بناء علاقات مع جاكرتا في خارطة العالم الإسلامي".

وأضاف محمودي أنه لا مجال حتى الساعة لتطبيع العلاقات رسميا بين البلدين من وجهة نظر قانونية ولموقف إندونيسيا الواضح بأنه لا علاقات مع إسرائيل ما لم تستقل فلسطين بدولتها، وهذا الشرط لم يتحقق، وإسرائيل تعي هذا الموقف الإندونيسي، ولذلك فهي تسعى للاستفادة من أي فرصة سانحة لإحداث أي لقاء لا يكون مقصودا من الجانب الإندونيسي، لكنه مقصود من الجانب الإسرائيلي.

وعن اهتمام وسائل الإعلام بلقاء قصير قد يكون دام لأكثر من دقائق فقط بين وزير الدفاع الإندونيسي والسفير الإسرائيلي، يعقب محمودي على ذلك بأن إسرائيل تريد الاستفادة من أي موقف مهما بدا صغيرا لإظهار أنها تحدثت مع الإندونيسيين، وهذا موضوع حساس بالنسبة للشعب الإندونيسي المهتم بالقضية الفلسطينية، ولهذا لاقى الموضوع اهتماما واسعا في وسائل التواصل الاجتماعي التي شهدت نقاشات واسعة حول ذلك اللقاء، رغم التفاوت الكبير بين مستويي المسؤولين؛ الوزير والدبلوماسي الإسرائيلي، حسب وصفه.

وفي نظر محمودي فإن ملف التطبيع بين إسرائيل والدول الإسلامية في عهد الرئيس الأميركي جو بايدن ليس بنفس الأهمية التي كان عليها في عهد إدارة الرئيس دونالد ترامب، متوقعا تراجع هذا الملف خلال الفترة المقبلة.

وقال إن هناك تدافعا بين مسارين، فكلما زادت الضغوط التي تمارس على إندونيسيا للاعتراف بإسرائيل، فإن هذا يفترض أن يدفعنا لمزيد من الدعم والمطالبة بتحقيق ما يسعى إليه الشعب الفلسطيني من استقلال لدولته وتقرير مصيره.

المصدر : الجزيرة