فرنسا والإسلام.. إجراءات قانونية أم معركة لكسب أصوات اليمين؟

حتى غير المؤيدين لنظرية "الإسلاموفوبيا" في فرنسا يعتقدون أن المرشح المحتمل للرئاسة الفرنسية إريك زمور وفي كل لقاءاته الإعلامية يخوض في قضايا الهجرة والإسلام، ويعتبر أن هناك مشكلة اندماج تواجه المسلمين في المجتمع الفرنسي

مظاهرة احتجاجية بعنوان "أوقفوا الإسلاموفوبيا" في العاصمة الفرنسية باريس (الفرنسية)

باريس- رغم أن ظاهرة "الإسلاموفوبيا" ليست جديدة في أوروبا فإنها تفاقمت وازدادت حدة في السنوات الأخيرة، خاصة بعد إعلان الرئيس إيمانويل ماكرون أن قيم الجمهورية الفرنسية والعلمانية في خطر جراء تهديد الإسلام، وأن "الإسلام دين يمر بأزمة في جميع أنحاء العالم".

ويرى مراقبون أنه منذ خطاب ماكرون الشهير في أكتوبر/تشرين الأول 2020 تصاعدت مظاهر العداء والتمييز ضد المسلمين في فرنسا خاصة، وزادت الأزمة حدة بعد حادثة قتل المعلم صامويل باتي من قبل لاجئ شيشاني في أكتوبر/تشرين الأول 2020 إثر عرضه صورا كاريكاتيرية مسيئة للنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- أمام طلابه، وأعقب ذلك قيام السلطات الفرنسية بإغلاق عدد كبير من المساجد والجمعيات الخيرية والمؤسسات التربوية الإسلامية.

كما صدّقت الجمعية العامة ومجلس الشيوخ الفرنسيان منتصف فبراير/شباط الماضي على قانون "تعزيز مبادئ الجمهورية" الذي قدمته حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون أول مرة باسم "مكافحة الإسلام الانفصالي".

وفي أكتوبر/تشرين الأول الماضي أعلن وزير الداخلية الفرنسي جيرالد دارمانان اعتزام وزارته إغلاق 7 مساجد وجمعيات بحلول نهاية العام الجاري، بدعوى أنها تنشر "الكراهية" وتدافع عن "الإسلام الراديكالي"، وفق تعبيره.

ويفسر مراقبون ومحللون سياسيون هذه التضييقات بالسعي إلى استمالة وكسب أصوات الناخبين من اليمين المتطرف مع بدء السباق إلى الإليزيه واقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في أبريل/نيسان 2022.

وتطرح الأزمات المتراكمة في فرنسا ومكوناتها السياسية مع الإسلام وشيوع ظاهرة "الإسلاموفوبيا" عدة أسئلة، خاصة مع تصاعدها خلال الحملات الانتخابية.

احتجاجات ضد قانون فرنسي يقيد حركة المسلمات المحجبات في الأماكن العامة (غيتي)
  • هل أصبحت محاربة الإسلام خزانا انتخابيا للسياسيين والمرشحين للانتخابات الرئاسية الفرنسية؟

تقول الناشطة الحقوقية والمستشارة القانونية لمنظمة "إفدي" الدولية ليزال ترونزلر للجزيرة نت إنه وباستخدام عنصر الخوف لدى المواطنين "تتلاعب الأحزاب السياسية بجزء من الشعب الفرنسي وتحاول كسب أكبر عدد ممكن من الأصوات".

أما المحلل السياسي ستيفان زومستيغ فيقول "لا أعتقد أن الإسلاموفوبيا قد أصبحت خزانا انتخابيا بالنسبة للطبقة السياسية الفرنسية، ولكن فقط بالنسبة للمرشح المحتمل إريك زمور، هو الوحيد الذي يخوض كثيرا في قضايا الهجرة والإسلام، ويعتبر أن هناك مشكلة اندماج للمسلمين في المجتمع الفرنسي".

ولذلك، يرى زومستيغ أن من المبالغة القول إن كل الأحزاب الفرنسية والمرشحين للانتخابات الرئاسية يستغلون قضية الإسلام لكسب أصوات انتخابية جديدة.

  • هل صحيح أن إغلاق المؤسسات التربوية والجمعيات الإسلامية يندرج في إطار الحملة الانتخابية المبكرة للرئيس ماكرون لكسب أصوات اليمين المتطرف؟

تؤكد الناشطة الحقوقية ترونزلر أن حملات الإغلاق والتضييقات التي تتعرض لها الجمعيات الإسلامية تأتي من أجل الحصول على الأصوات الانتخابية "وحزب ماكرون لا يخفِ ذلك".

وتتابع "علاوة على ذلك قدم وزير الداخلية دارمانان العديد من مقترحات القوانين ضد المسلمين وضد العديد من دور العبادة والجمعيات الإسلامية التي لا تضم المتطرفين ولا تتبنى خطابا متطرفا موجها ضد الجمهورية".

ولكن برأي المختص في الشؤون السياسية الأوروبية زومستيغ فإن على كل الجمعيات والمؤسسات التربوية احترام مبادئ العلمانية والقيم التي قامت عليها الجمهورية الفرنسية وإلا فإنها ستتعرض للمراقبة والإغلاق.

وباعتقاد زومستيغ فإن ما تقوم به السلطات الفرنسية من مراقبة أو إغلاق ينطبق على كل الجمعيات المسيحية واليهودية وكل الأديان الأخرى، وأن التضييق ليس مقصورا على المؤسسات الإسلامية "فالدولة تقوم بعملها في إطار القانون".

مسلمة ترتدي الحجاب بالقرب من برج إيفل في العاصمة باريس (رويترز)
  • كيف يمكن تصنيف الجدل حول قضايا الحجاب والعذرية وتعدد الزوجات والزواج القسري؟

تشدد الناشطة الحقوقية ترونزلر على أن هذه النقاشات تأتي في إطار "الإسلاموفوبيا"، ذلك أن العديد من الأحكام في القانون الفرنسي تؤطر تعدد الزوجات والزواج القسري كما هو الحال في قانون العقوبات.

وتضيف "لا نخترع شيئا جديدا، ولكننا نحاول فقط احتلال الفضاء الإعلامي بالحديث عن الإسلام والهجرة من أجل تخويف الفرنسيين وكسب الأصوات في الانتخابات الرئاسية المقبلة".

من جهته، يقول زومستيغ إن المرشح إريك زمور نجح في فرض هذه القضايا على الإعلام بكثرة حديثه عنها في كل لقاء إعلامي "ولكن من المبالغة القول إن كل المرشحين يتحدثون عن هذه القضايا، كما أن الرأي العام الفرنسي لا يعتبر هذه القضايا من أولوياته، بل يهتم بتدهور القدرة الشرائية والأمن والصحة وليس بما يرتبط بالإسلام والمسلمين".

  • ما هي الأسباب العميقة لأزمة فرنسا مع الإسلام؟ ولماذا يتركز فيها العداء للمسلمين أكثر من باقي البلدان الأوروبية؟

يعتقد المختص في الشؤون الأوروبية ستيفان زومستيغ أن هذه الفكرة "مغلوطة ومبالغ فيها"، لأن فرنسا ليس لديها عداء خاص مع الإسلام والمسلمين، وإنما هو "تطبيق صارم من السلطات الفرنسية لمبدأ العلمانية، وضرورة احترام المبادئ التي قامت عليها الجمهورية على كل الديانات دون تمييز، خلافا للكثير من الدول الأوروبية التي تتساهل في هذا الأمر".

ويتابع "هناك تشدد فرنسي أكثر من بقية الدول الأوروبية على مبدأ تحييد الدين عن الحياة العامة وتركه شأنا شخصيا".

من ناحيتها، ترد الحقوقية ليزال ترونزلر هذا العداء إلى كون الكثير من المسلمين في فرنسا من أصول شمال أفريقية، و"هذا هو أحد الأسباب التي تجعل فرنسا تعارض ممارسة الإسلام بحرية".

وتوضح ذلك قائلة "هذه مجرد سلسلة متصلة من الاستعمار، وهذا ما يجعلها أكثر تركيزا في فرنسا عن بقية الدول الأوروبية".

  • هل يهدد قانون "تعزيز مبادئ الجمهورية" مستقبل الحريات العامة وحرية ممارسة الشعائر الدينية للمسلمين؟ وهل يهدد وجودهم في فرنسا؟

تقول ترونزلر إن هذا القانون يهدد حرية العبادة والدين، و"كلنا نتذكر ميثاق الأئمة، حيث أرادت الدولة التدخل في ممارسة الدين من خلال اختيار ممثلين عن الجالية المسلمة، وفي الحقيقة لم يكن المسلمون هم من اختاروا ممثليهم، وغالبا ما تحاول الجمهورية إضفاء الشرعية على انتهاكات القانون الدولي من خلال التذرع بحقيقة محاربة التطرف".

وعلى النقيض من ذلك يرى المحلل السياسي زومستيغ أن هذا القانون لا يهدد حرية المعتقد وحرية التدين في فرنسا، لا بالنسبة للمسلمين ولا بالنسبة لبقية الديانات، لأن مبدأ حرية المعتقد والتدين -حسب رأيه- مبدأ جوهري وأساسي نص عليه الدستور الفرنسي.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

الباحث الفرنسي فرانسوا بورغا

في مقاله الذي نشره موقع “ميدل إيست آي” البريطاني، قال فرانسوا بورغا إن هناك مشتركات إيجابية بين التيارات اليسارية والإسلامية السياسية، ويتعين على المجتمع الفرنسي دراسة ماضيه الاستعماري.

Published On 31/3/2021

شهدت منصات التواصل الفرنسية جدلا واسعا بعد تقرير نشرته صحيفة لوفيغارو كشف عن تطوير وزارة الداخلية وحدة “الخطاب الجمهوري المضاد” الخاصة التي أسست للرد على ما يسمونه “الإسلاموية الإلكترونية”.

المزيد من سياسة
الأكثر قراءة