أزمة عميقة في لبنان.. ما السيناريوهات بعد تفاعلات القطيعة السعودية؟

(الجزيرة)

بيروت- يزداد المشهد السياسي في لبنان تأزما، في وقت لم تتخذ فيه السلطات إجراءات عملية بعد قرارات السعودية بحق لبنان، التي بلغت مستوى القطيعة الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، وتبعتها الإمارات والبحرين والكويت إثر تصريحات وزير الإعلام اللبناني جورج قرداحي عن حرب اليمن ودعمه للحوثيين.

وسجلت الساعات الأخيرة تطورات بازرة في مسار الأزمة:

  • وزير خارجية لبنان عبد الله بو حبيب يؤكد بقاء حكومة نجيب ميقاتي بدعم دولي، ويعلن انتهاء أمر الخلية الوزارية لمعالجة الأزمة مع السعودية، ويصف أداء الأخيرة بـ"القساوة".
  • قرداحي يؤكد عدم نيته الاستقالة.
  • وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان يعلن أن تعامل بلاده مع حكومة ميقاتي غير مثمر، في ظل هيمنة حزب الله.
  • البطريرك الماروني بشارة الراعي يدعو رئيسي الجمهورية والحكومة لاتخاذ خطوات حاسمة لنزع فتيل الأزمة مع دول الخليج.

جذور الأزمة

من المعلوم في بيروت أن تصريحات قرداحي بمثابة شرارة أشعلت تراكما من اضطراب العلاقات اللبنانية السعودية، وأن رأب الصدع يتطلب معالجة جذرية للأزمة، ويربطها محللون بمسارات زمنية مختلفة.

يجد الكاتب والمحلل السياسي حسين أيوب أن جذور الأزمة السعودية اللبنانية تعود إلى 2005 منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري، ولا تنفصل عن سوريا، وبدأ حينها -برأيه- مسار دراماتيكي متقطع في العلاقات بين بيروت والرياض، وبين دمشق والرياض، وبلغت ذروته الأولى مع حرب يوليو/تموز 2006 حين وصف البيان السعودي ما قام به حزب الله بالـ"مغامرة".

لاحقا، جرت محاولات لترتيب العلاقات اللبنانية السعودية، والسورية السعودية، إلى أن حصل اتفاق بين السعودية وسوريا في 2009، وفر مظلة سورية سعودية للعلاقات اللبنانية الخليجية، وترأس سعد الحريري بعدها أول حكومة.

ومع سقوط حكومة الحريري في 2011 بسبب استقالة وزارء حزب الله وحلفائه، تبيّن، بحسب حديث أيوب، أن عبارة "الأمر لي" لم تعد لسوريا، بل أصبحت لإيران، وأن "الحكومة سقطت بقرار إيراني، وتمسك بعدها حزب الله بتكليف نجيب ميقاتي رئيسا للحكومة خلافا للرغبة السعودية السورية بعودة الحريري، وتدهورت العلاقات السعودية السورية".

يستكمل الكاتب السياسي خلدون الشريف المسار الزمني، معتبرا أن التسوية الرئاسية التي أوصلت ميشال عون لرئاسة الجمهورية عام 2016، بالتوافق مع الحريري، كانت محطة فاصلة في تدهور العلاقات السعودية اللبنانية.

حينها، برأيه، لم ينجح الحريري، ومعه رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، في جذب عون إلى الوسط مقابل عدم الالتصاق بحزب الله.

وفي 2017، حين قدم الحريري استقالته من الرياض، وضعه البعض بجانب شخصي، وفق الشريف، و"اتضح لاحقا أن هناك جانبا سياسيا، ولم تتعاون المملكة مع أي حكومة بعد 2017، وتمسك الحريري بحلفه مع جبران باسيل (الحليف المسيحي الأول لحزب الله وصهر عون) لخوض الانتخابات البرلمانية إلى جانبه".

وقال للجزيرة نت إن السعودية اليوم تفكر بطريقة مختلفة. إما قطيعة شاملة، وإما عودة إلى لبنان بدفتر شروط جديد. وعليه، فـ"الحكومة لأول مرة منذ تأسيس لبنان، تدخل بمثل هذه الأزمة مع دول خليجية، تستورد ثلث ما ينتجه".

وبلوغ هذه اللحظة المتوترة، وفق حسين أيوب، يعبر عن أزمة سعودية إيرانية، ترجمتها في لبنان؛ ومشكلة السعوديين -برأيه- مع حزب الله، كنتاج أزمة العلاقات السعودية الإيرانية. وقال للجزيرة نت إن مشكلة السعودية أيضا عدم عثورها على قوة لبنانية مستعدة لمواجهة حزب الله.

والمفارقة، من وجهة نظر أيوب، أنه مع ترتيب العلاقات السعودية الإيرانية ضمن مسار لم يتعثر، تتدهور الأمور لبنانيا، مما يعكس في طياته "رغبة سعودية في ترتيب العلاقة مع إيران مستقبلا، بمنأى عن الملف اللبناني، وأن لبنان ليس على جدول أعمال الرياض- طهران".

أفق التصعيد

ويتحدث وزير الخارجية اللبناني عن مساعٍ أميركية وفرنسية لحماية حكومة ميقاتي من السقوط، وتخفيف أجواء التوتر بين الرياض وبيروت.

وهنا، تعتبر الكاتبة والمحللة السياسية روزانا بومنصف أن معالجة السلطات اللبنانية لم تتدارك وتلجم الأزمة، بدءًا من توصيفها بـ"المشكلة"، والتبرؤ الخجول من تصريحات قرداحي، بينما هي أزمة كبيرة تنجلي فصولها.

وتستغرب بقاء ميقاتي في قمة المناخ في وقت تغرق فيه حكومته في أزمة خطيرة، ولن تنفع -برأيها- لقاءات لندن وحكومته مهددة بالانفجار.

وقالت للجزيرة نت إن عون يتحمل مسؤوليته لجهة عدم تواصله مع دول عربية للوساطة مع الرياض.

ومع ذلك، تتوقع أن يكون هذا سقف الإجراءات السعودية رغم قساوتها، لأن الكرة بملعب لبنان ورئاستي الجمهورية والحكومة.

ولا تعول بومنصف كثيرا على الوساطات الأميركية والفرنسية، لأن المقاربة السعودية مختلفة، وترى أن السعودية بعد تشكيل حكومة ميقاتي، كانت تنتظر أفعالا لم تلمسها.

ويجد حسين أيوب ألا شيء يتقدم لدى السعودية على عنوان اليمن، و"إذا حصل اتفاق سعودي إيراني، شمل اليمن، قد ينسحب على لبنان". غير ذلك، "لن تقدم الرياض تنازلات تصب بمصلحة أطراف تقاتل ضدها".

ويتوقع أن تستمر السعودية في المنحى التصعيدي تجاه لبنان بأوجه عدة اقتصاديا وسياسيا وإجرائيا، حسب تطورات المشهد المتدحرج نحو الأسوأ.

من جهته، ينظر خلدون الشريف إلى أن أفق الإجراءات السعودية واضح لجهة إعادة التوازن إلى لبنان، تماشيا مع ما أقرته حكومة ميقاتي في 2011 عن سياسة "النأي بالنفس"، ولم يتم الالتزام به قط.

وقال إن لبنان يحتاج لتفاهم يجعله غير مصطف بمحور ضد آخر، و"إلا فالقطيعة مع السعودية وغيرها واقعة".

وعن أميركا وفرنسا، أوضح الشريف أنهما تريدان بقاء الحكومة بعيدا عن شكلها ونوعيتها، ويعتبر أن عدم نجاح واشنطن في التوسط بين الرياض وبيروت، يعني أن فرنسا لن تنجح فيما عجز الأميركيون عن إنجازه.

سيناريوهات الحكومة

يرخي هذا الاستعصاء ظلاله على حكومة ميقاتي، التي لم تجتمع منذ علقت جلستها بعد موقف وزراء حزب الله وحركة أمل من المحقق العدلي بانفجار مرفأ بيروت طارق البيطار، وهما يطالبان بعزله، ثم أحداث الطيونة، والآن الأزمة مع السعودية.

وعليه، تعتبر بومنصف أن الحكومة شبه معطلة، و"كان يجب تحقيق إصلاحات قبل الدخول في مرحلة الانتخابات إلا إذا كان هناك مساع لتعطيلها".

وحتى لو لم تعد استقالة قرداحي مهمة، تذكر المحللة أن بقاءه مدعوم من حزب الله، مما يكشف عن نيته في التصعيد، ورفض تقديم تنازل إجرائي، وصار بقاء قرداحي مقرونا ببقاء وزراء الحزب.

ويذكر حسين أيوب أن خطاب الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله عقب أحداث الطيونة، اتهم السعودية بدور سلبي في لبنان، مما عكس مناخا متوترا، والحزب برأيه يسعى للاستفادة طالما أن معركته مع السعودية مكشوفة.

وبرأي أيوب، فإن حكومة ميقاتي صامدة بقرار فرنسي أميركي. ولكنها "حكومة تصريف أعمال، بأزمة قرداحي ومن دونها، وباستقالة أو من دونها، ستبقى كذلك حتى آخر العهد، وهي تعجز عن الالتئام راهنا".

وقال خلدون الشريف إن حكومة ميقاتي تشظت، وهي بعنق الزجاج، إما تختنق وإما تتنفس. ولكي تتنفس -وفق تعبيره- على ميقاتي أن يضع خيارات حكومته على الطاولة، ويسأل: أتريد علاقات عربية أم تتحمل قطيعتها؟ لاتخاذ موقف حازم بشأن العلاقة مع المملكة، و"إلا تتجه الأمور لمزيد من التدهور".

بالمقابل، تطرح بومنصف سلسلة إجراءات يمكن للبنان اتخاذها سريعا:

  • مبادرة الحكومة بتوقيع "مدونة سلوك"، وإلزام الفرقاء بها إزاء التعاطي مع الدول العربية، وتفعيل سياسة النأي بالنفس.
  • ذهاب لبنان بوفد رسمي رفيع إلى المملكة، أو دولة عربية صديقة، وتوسيط الجامعة العربية بدل خيار وساطات فرنسا وأميركا، إذ لا يجب توسيط الغرب للضغط نحو تسوية بين دولتين عربيتين.
  • التفاوض على جملة الإشكاليات، وربما عبر الذهاب لإطار شبيه باتفاق الدوحة 2008.

وأضافت أن الاعتبارات الإقليمية لجهة عدم تجاوب إيران للعودة إلى الاتفاق النووي مع واشنطن، ورفضها البحث بنفوذها الإقليمي والصواريخ البالستية، مقابل عدم تقدم الحوار الإيراني السعودي، إلى جانب ملف اليمن، تضع لبنان بقلب العاصفة الإقليمية.

المصدر : الجزيرة