الحزام الناري.. كل ما تود معرفته عن المنطقة الأمنية التي تحاصر غزة

لم يعد خطر المنطقة الأمنية العازلة مقتصرا على حدودها فقط، بل بمدى الرصاص أو القذائف التي يطلقها جيش الاحتلال، وقد تصل إلى مناطق سكنية مكتظة.

Gazan farmers' struggle to survive in the "line of fire"
مزارعون بغزة يكافحون من أجل البقاء قرب المنطقة الأمنية العازلة (الأناضول)

غزة– لطالما وصف الغزيون القطاع الساحلي الصغير الذي يعيشون فيه بأنه "مصيدة"، يحيط بها الخطر من كل جانب، لكن رائحة الموت تزكم الأنوف بالاقتراب من الحدود الشرقية، حيث "المنطقة الأمنية العازلة" التي تفرضها إسرائيل.

أغلب الغزيين لم تطأ أقدامهم هذه المنطقة التي توصف بأنها "حزام ناري" لخطورتها، واستشهد المئات بمجرد الاقتراب منها خلال 15 عاما الماضية، لكن هناك من يجازفون بحياتهم؛ إما سعيا وراء الرزق كهواة صيد الطيور والمزارعين، أو نشطاء فصائل المقاومة لرصد تحركات جيش الاحتلال.

أسئلة كثيرة قد تراود ذهن القارئ حول هذه المنطقة، وتجيب عنها الجزيرة نت بالاعتماد على بيانات فلسطينية رسمية صادرة عن منظمات أهلية ناشطة في مجال حقوق الإنسان والعمل الزراعي.

إسرائيل دمرت جميع المنازل والمزارع والمنشآت المدنية على مدار سنوات لتوسيع المنطقة العازلة شرق غزة (الجزيرة)

ما المنطقة الأمنية الإسرائيلية في غزة؟

بعد انسحابها من مستوطنات قطاع غزة في خريف عام 2005، فرضت إسرائيل "منطقة أمنية عازلة" على طول السياج الأمني الذي يحاصر غزة من حدودها الشرقية، وحظرت على الغزيين الاقتراب منها، والحدود الفعلية لهذه المنطقة ليست واضحة، وتتغير بشكل دائم، حسب الوضع الأمني.

وحتى عام 2008، كان يُسمح بمرور المشاة لمسافة تصل إلى 300 متر من السياج، ويمكن للمزارعين الاقتراب لمسافة 100 متر أثناء عملهم، ولكن مع شن إسرائيل أول حرب واسعة في ديسمبر/كانون الأول 2008، فرضت على الغزيين الابتعاد عن السياج لمسافة تصل بين ألف و1500 متر.

لماذا فرضت إسرائيل هذه المنطقة؟

في عام 2007، وفي إطار تشديد الحصار إثر إحكام حركة المقاومة الإسلامية (حماس) سيطرتها على غزة، أغلقت إسرائيل معابرها كافة مع القطاع، وأبقت على معبرين فقط، هما كرم أبو سالم التجاري، وبيت حانون (إيريز) المخصص للأفراد، بالتزامن مع تعزيز تحصيناتها العسكرية على الحدود المتاخمة للمنطقة الأمنية العازلة.

وبررت إسرائيل هذه الإجراءات بأنها تندرج في سياق "الاحتياطات الأمنية"، ومنع نشطاء فصائل المقاومة من الوصول إلى هذه المنطقة، لكن واقع الحال لا يشير إلى نجاحها تماما في تحقيق أهدافها.

ربما نجحت إسرائيل بهذه الإجراءات في الحد من تحركات المدنيين، وخنق القطاع اقتصاديا، لكنها في الوقت نفسه كانت دافعا للغزيين للبحث عن بدائل؛ فكانت الأنفاق هي الخيار، سواء تلك التي حفروها أسفل الحدود مع مصر لجلب البضائع، أو التي لجأت إليها المقاومة لتجاوز إجراءات الاحتلال فوق الأرض.

يمنع الاحتلال المزارعين من زراعة أراضيهم المتاخمة للمنطقة العازلة بمحاصيل يزيد طولها على 80 سنتيمترا (الجزيرة)

كيف تستغل إسرائيل الواقع الأمني في التحكم بمساحة المنطقة العازلة؟

تتعامل إسرائيل مع هذه المنطقة بمزاجية يحكمها الواقع الأمني، فتعمد إلى زيادة مساحتها ونشر الموت المنبعث من فوهات بنادق القناصة في أبراج المراقبة، وإطلاق النار على كل ما يتحرك، وفي أوقات أخرى ومثلما حدث بعد الحرب الثالثة عام 2014، وبموجب تفاهمات التهدئة التي رعتها مصر، سمحت -ولأول مرة منذ سنوات- للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم الزراعية.

وفي الوقت الحالي، تشير التقديرات إلى أن المنطقة العازلة ليست على عمق واحد، وأقله 300 متر في المناطق التي يمتد فيها العمران شرقا، في حين يتراوح عمقها في كثير من المناطق بين 1000 و1500 متر، وبطول السياج الأمني الممتد على مسافة نحو 40 كيلومترا من شمال القطاع إلى جنوبه بمحاذاة الحدود الفلسطينية المصرية.

ما مخاطر هذه المنطقة على حياة الغزيين؟

بالنسبة للفلسطينيين في غزة، فإن خطر هذه المنطقة لم يعد مقتصرا على حدودها فقط، بل بمدى الرصاص أو القذائف التي يطلقها جيش الاحتلال، وقد تصل إلى مناطق سكنية مكتظة.

ويقسّم مختصون هذه المنطقة إلى 3 أجزاء من ناحية الخطورة:

  • تمتد المنطقة الأولى بعمق 300 إلى 500 متر من السياج الأمني، وتصنف كمنطقة عالية الخطورة وتخلو من السكان.
  • المنطقة الثانية تمتد بعمق 500 متر إلى كيلومترين، وهي منطقة أقل خطورة ويستطيع السكان الوصول إليها وزراعة أراضيهم (في أوقات الهدوء التام).
  • المنطقة الثالثة تقع بعد كيلومترين، وهي متدنية الخطورة وذات كثافة سكانية عالية.
المنطقة العازلة عمقت أزمة المياه في غزة عبر تدمير الآبار وحجز مياه الأمطار باستخدام سدود كبيرة (الجزيرة)

كيف تركت هذه المنطقة انعكاسات خطيرة على الواقع الزراعي في غزة؟

تبلغ مساحة قطاع غزة نحو 365 كيلومترا مربعا، وهي مساحة ساحلية طولها نحو 40 كيلومترا من معبر إيريز شمالا وحتى معبر رفح مع مصر جنوبا، وعرضها يتراوح بين 9 و12 كيلومترا من السياج الأمني شرقا وحتى ساحل البحر غربا، ويقطن هذه البقعة الجغرافية مليونا فلسطيني، أغلبهم من اللاجئين.

وتشير التقديرات إلى أن المنطقة العازلة تحتل أكثر من 20% من مساحة القطاع الإجمالية، ونحو 30% من الأراضي الصالحة للزراعة، ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل تعمد بشكل دوري إلى التوغل في المنطقة وتجريفها وإقامة كثبان رملية، إضافة إلى رش مبيدات ضارة من الطائرات، ألحقت إضرارا بالبيئة وبالأراضي الزراعية القريبة.

وتصنف تقارير أممية أكثر من مليون شخص في غزة بأنهم "يفتقرون للأمن الغذائي بدرجة متوسطة إلى شديدة"، ويعود ذلك إلى القيود الإسرائيلية التي تعرقل الوصول إلى الأراضي الزراعية وصيد الأسماك، وهو الطعام الذي يستطيع سكان غزة إنتاجه بأنفسهم.

وحسب تقديرات فلسطينية، فإن عدم سماح إسرائيل للمزارعين بالوصول إلى أراضيهم في نطاق المنطقة العازلة، أو القريبة منها، أدى إلى خسارة أكثر من 75 ألف طن من المنتجات الزراعية سنويا.

وبسبب القيود والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، ومنع المزارعين من الوصول إلى أراضيهم؛ أصبح اعتمادهم الأكبر على زراعة المحاصيل البعلية، لعدم حاجتها إلى رعاية يومية، وعدم وجود آبار للري بعد أن تم تجريف وتدمير أغلب الآبار التي كانت موجودة في المنطقة منذ عام 2005.

وتمنع سلطات الاحتلال زراعة المحاصيل أو الأشجار التي يتجاوز ارتفاعها 80 سنتيمترا، علما بأن المنطقة كانت تحتوي على 50% من أشجار الحمضيات، وتم تجريفها بالكامل، فضلا عن مساهمتها قبل سنوات قليلة بنسبة 30% من إنتاج المحاصيل البعلية، و10% من المحاصيل التصديرية، وكانت مصدرا لكسب رزق 16% من مزارعي غزة.

فلسطين/ قطاع غزة/ مدينة غزة/ شرقي حي الزيتون/ 30 مارس/ آذار 2018/ احتشاد الفلسطينيين قرب الحدود مع إسرائيل ضمن مسيرات العودة الكبرىمسيرات العودة نجحت في اختراق المنطقة العازلة لأول مرة بحشود كبيرة خلفت واقعا جديدا (الجزيرة)

وكيف عمقت المنطقة العازلة أزمة المياه في غزة؟

عملت إسرائيل على مدار عقود على الإضرار بالواقع المائي في غزة من ناحيتين؛ فهي لا تتوقف عن تدمير آبار المياه الجوفية المنتشرة في نطاق المنطقة العازلة، وآخر ذلك في الحرب الأخيرة التي اندلعت في مايو/أيار الماضي، ودمرت كليا أو جزئيا أكثر من 30 بئر مياه.

ومن ناحية أخرى تحجز إسرائيل مياه الأمطار عن التدفق إلى غزة وتغذية الخزانات الجوفية عبر إقامة سدود كبيرة على امتداد السياج الأمني، وفي حال الفيضان تفتح هذه السدود وتغرق الأراضي الزراعية وتكبد المزارعين الفلسطينيين خسائر فادحة.

ويعاني أغلب سكان غزة من نقص حاد في المياه، والمياه التي تصل معظم المنازل ملوثة وغير صالحة للاستخدام، وحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، فإن العائلات في غزة حصلت على المياه لمدة 6 إلى 8 ساعات فقط كل 4 أيام عام 2017 بسبب نقص الكهرباء. وقد تم تقليل ذلك بشكل أكبر بسبب العمليات العسكرية الإسرائيلية.

هل وردت المنطقة العازلة في اتفاقية أوسلو؟ وما مدى قانونيتها؟

نصت اتفاقية أوسلو الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993 على تحديد حزام أمني ضيق بعرض 50 مترا على طول الحدود الشمالية الغربية للقطاع وحتى شرق مدينة رفح على الحدود الفلسطينية المصرية جنوبا.

لكن إسرائيل لم تلتزم بذلك منذ انسحابها من مستوطنات غزة عام 2005، وبدأت فرض منطقة عازلة برية وبحرية، بشكل منفرد وغير قانوني، كمناطق يحظر الوصول إليها على امتداد الحدود الشرقية والشمالية البرية ولمسافة بحرية تتغير بشكل مستمر ولم تصل على مدار السنوات 15 الماضية إلى مسافة 20 ميلا بحريا التي حددتها اتفاقية أوسلو.

وتختلف مساحة ومسافة "المناطق العازلة" بين فترة وأخرى وفقا لإعلان قوات الاحتلال، التي تفرضها عبر إطلاق النار واستهداف مباشر للمدنيين وهم غالبا من المزارعين والصيادين، ودون اعتبار لقواعد القانون الدولي، الذي يحظر إجراء أي تغييرات على الأراضي المحتلة، وهي بذلك ترتكب جريمة حرب، حيث تشكل عمليات القتل تحت هذه الظروف جريمة قتل عمد، وهي مخالفة جسمية لاتفاقيات جنيف للعام 1949.

A Palestinian fighter from the Izz el-Deen al-Qassam Brigades, the armed wing of the Hamas movement, gestures inside an underground tunnel in Gazaالمقاومة الفلسطينية تجاوزت بفعل الأنفاق التحصينات العسكرية الإسرائيلية في نطاق المنطقة العازلة (الجزيرة)

وإزاء هذا الواقع كيف تعاملت المقاومة مع مخاطر هذه المنطقة؟

كانت الحرب الإسرائيلية الأولى عام 2008 مباغتة، ونجحت قوات الاحتلال في التوغل البري في عمق المناطق السكنية، بعد أن وجهت ضربات جوية قاسية لأغلب المواقع الأمنية، ومواقع المقاومة، لكن الحروب التي تلتها ابتداء من عام 2012 وحتى الحرب الأخيرة في مايو/أيار الماضي، أظهرت تطورا في قدرات المقاومة التي وجدت في الأنفاق خيارا أمثل لتجاوز سيطرة إسرائيل على الجو عبر سلاح الطيران، والتحصينات العسكرية في نطاق المنطقة العازلة، وحققت بفعل هذه الأنفاق نجاحا ملفتا خلال المواجهات العسكرية، وأصبحت المقاومة تعتمد عليها كليا، سواء في تحركات أفرادها أو ممارسة أنشطتها لتجنب الاستهداف الإسرائيلي.

كما كانت تجربة مسيرات العودة عام 2018 ملفتة، بسبب قدرة الجماهير على اختراق المنطقة العازلة، وفرض واقع جديد عبر التواجد الشعبي الكثيف وممارسة أنشطة سلمية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

واحد من الأنفاق التي كشفتها قوات الاحتلال واستخدمتها المقاومة الفلسطينية في توجيه ضربات موجعة للاحتلال - الأوروبية

أنفاق حرص الفلسطينيون بغزة على حفرها للتخفيف من حدة الحصار الإسرائيلي، لكن سياسة الهدم والإغراق التي شنتها السلطات المصرية أغلقت هذا الباب، بينما نجحت المقاومة بتقوية شبكة أنفاقها لمواجهة الاحتلال.

Published On 11/2/2017
المزيد من سياسة
الأكثر قراءة